عاطف الطيب

صدرت هذه الدراسة في كتاب بنفس الإسم في مارس 2000 ضمن مطبوعات مهرجان السينما العربية الأول الذي أقيم في البحرين

صور

صور أخرى

عن ثنائية القهر/ التمرد

في أفلام المخرج عاطف الطيب

إضغط للذهاب إلى مهرجان الصور الخاص بالشخصية

عن ثنائية القهر/ التمرد

في أفلام المخرج عاطف الطيب

رؤية نقدية في أسلوبه السينمائي

 

تفاصيل

فيلموغرافيا

الغيرة القاتلة 1981

سواق الأتوبيس 1982

التخشيبة 1984

الحب فوق هضبة الهرم 1984

الزمار 1985

البريء 1985

ملف في الآداب 1986

أبناء وقتلة 1987

البدرون 1987

ضربة معلم 1987

الدنيا على جناح يمامة 1989

كتيبة الإعدام 1989

قلب الليل 1990

الهروب 1990

ناجي العلي 1991

ضد الحكومة 1992

دماء على الإسفلت 1993

إنذار بالطاعة 1993

كشف المستور 1994

ليلة ساخنة 1995

جبر الخواطر 1995

 
 
 
 

بروفايل

فجأة، وبدون مقدمات.. مات عاطف الطيب.. ورحل عن عالمنا، فارس من بين أهم فرسان السينما المصرية الجديدة.. فارس، أخذ على عاتقه ـ مع قلة من رفاقه ـ تحرير السينما المصرية من قوالب التقاليد البالية، والخروج الى آفاق فنية رحبة.

كانت فعلاً.. حقيقة صعبة من أن نكتشف فجأة، بأننا فقدنا فناناً كبيراً كعاطف الطيب، فالكل أجمع بأنها خسارة فادحة للسينما المصرية وللفن الجيد والجاد في كل مكان. 

إذن.. لندع الذاكرة تعود بنا الى الوراء، ونتذكر أول مشاهدة لنا لفيلمه (سواق الأتوبيس)، هذا الفيلم الذي كان بحق مفاجأة للجميع.. حيث كان بمثابة البشارة الأولى لوجود فن قادر على محاربة الإستهلاك في السينما المصرية، وبالتالي إعتباره الإنطلاقة الجماهيرية الحقيقية التي أعلنت للجميع عن وجود سينما مغايرة، وعرَّفت بالسينما المصرية الجديدة، هذه السينما التي قامت على أكتاف سينمائيين مغامرين، أمثال محمد خان وخيري بشارة وداود عبد السيد وغيرهم، إضافة الى عاطف الطيب.

وكأن الطيب يعرف بأنه لا يملك من العمر إلا القليل، لذلك كان أغزر مخرجي جيله.. وقدم، في أقل من خمسة عشر عاماً، واحداً وعشرين فيلماً سينمائياً.. وجميعها أفلام تسعى الى الصدق الفني وتتطرق الى الواقع، وتهتم بالمواضيع التي تعبر عن الإنسان البسيط، وتناقش ذلك الواقع الصعب الذي يحيط بهذا الإنسان.

 عاطف الطيب، صعيدي المولد، بولاقي النشأة. أحب التمثيل منذ طفولته، وبات يحلم بأن يكون نجماً في التمثيل. في المرحلة الإعدادية بدأ يرتاد دور السينما، ولاحظ أثناء متابعته للأفلام، أنه لا بد من وجود شخص يحرك هذا العمل، ولم يفهم من هو؟ أنقذه مدرس اللغة الإنجليزية بالمدرسة الثانوية، حيث كان يحدثهم عن أهمية الفن في حياة المجتمع، وعرف منه بأن المخرج يمثل العمود الفقري للفيلم السينمائي. عندها قرر عاطف الطيب أن يكون مخرجاً، ومن ثم إلتحق بالمعهد العالي للسينما بالقاهرة في عام 1967.

تخرج عاطف الطيب من المعهد العالي للسينما ـ قسم إخراج عام 1970. وعمل أثناء الدراسة مساعداً للإخراج مع مدحت بكير في فيلم (ثلاث وجوه للحب ـ 1969)، وفيلم (دعوة للحياة ـ 1973). كما عمل مساعداً للمونتاج مع كمال أبو العلا. وإلتحق، بعد تخرجه، بالجيش لأداء الخدمة العسكرية، وقضى به الفترة العصيبة (1971 ـ 1975)، والتي شهدت حرب أكتوبر 1973. وخلال الفترة التي قضاها بالجيش، أخرج فيلماً قصيراً هو (جريدة الصباح ـ 1972) من إنتاج المركز القومي للأفلام التسجيلية والقصيرة.

كانت فترة الجيش بالنسبة لعاطف الطيب فترة تكوين ذهني وفكري، حيث تمكن خلالها من تكثيف مشاهداته للأفلام (بمعدل 4 أفلام يوميا). كذلك شارك في العديد من نوادي السينما، حيث المناقشات الفكرية والفنية حول الأفلام، والتي أفادته كثيراً.

في نفس الفترة أيضاً، كانت علاقته بالمخرج العبقري شادي عبد السلام، الذي عمل معه كمساعد للإخراج في فيلم (جيوش الشمس 1973)، الذي يتحدث عن حرب أكتوبر، حيث إستفاد كثيراً من هذه التجربة، فقد كانت طريقة وأسلوب شادي يجذبانه. وبعد أن ترك الجيش، عمل مساعداً للمخرج محمد بسيوني في فيلم (إبتسامة واحدة لا تكفي ـ 1977). ثم أخرج عاطف الطيب فيلماً قصيراً من إنتاج المركز التجريبي هو ( المقايضة ـ 1978). عمل بعد ذلك، مساعداً للمخرج يوسف شاهين في فيلم (إسكندرية ليه ـ 1979). وقد أفاده العمل مع هذا المخرج الكبير بشكل كبير. كما عمل مساعداً للمخرج محمد شبل في فيلم (أنياب ـ 1981).

إضافة الى كل هذا، فقد عمل عاطف الطيب أيضاً، في عدد من الأفلام الأجنبية التي صورت في مصر، حيث عمل مساعداً للمخرج لويس جيلبرت في فيلم (الجاسوس الذي أحبني)، ومع المخرج جون جيلرمن في فيلم (جريمة على النيل)، ومع المخرج مايكل بنويل في فيلم (الصحوة)، ومع المخرج فيليب ليلوك في فيلم (توت عنخ آمون)، ومع المخرج فرانكلين شافنر في فيلم (أبو الهول). وقد كانت هذه التجربة مفيدة جداً لعاطف الطيب، خاصة فيما يتعلق بالإعداد اليومي للعمل، والدقة المتناهية التي يدرسون بها كل شيء، حتى أدق التفاصيل الثانوية.

رؤية نقدية في أسلوبه السينمائي

مخرجنا يعد من أبرز مخرجي السينما التقليدية التجارية في مصر، كما يعد من الجيل الوسط بالنسبة للمخرجين الذين قدموا الأغنية في السينما، فقد اشتهر بفيلمه (أبى فوق الشجرة) الذي قام ببطولته نجم النجوم العندليب عبد الحليم حافظ، ولاقى نجاحاً كبيراً، بل ومنقطع النظير. وهو الفيلم الذي قلب الموازين الفنية بالنسبة للمخرج حسين كمال. ومما لا شك فيه في أن حسين كمال مخرج مبدع وموهبة فنية كبيرة، إلا إن السينما المصرية الجادة قد خسرته، بعد أن أهداها فيلمه (البوسطجي) عام 1968، والذي يعد من بين أهم عشرة أفلام في تاريخ السينما المصرية.

ففي أفلامه الثلاثة الأولى (المستحيل، البوسطجي، شيء من الخوف)، قدم حسين كمال سينما جديدة، أثارت اهتمام النقاد وبشرت بولادة مخرج كبير. إلا أن توقعات النقاد قد خابت بعد أن حصلت انتكاسة كبيرة لهذا المخرج، بعد إخراجه فيلم (أبي فوق الشجرة)، حيث اختار السير في تيار السينما التجارية، وآثر أن يكون مخرج شباك على حساب موهبته وفنه. ومن ثم قدم أفلاما كثيرة لا تمت إلى أسلوبه السينمائي المتميز الذي بدأ به مشواره السينمائي.

بدأت ميول حسين كمال الفنية منذ الصغر - كما يقول - بعد أن تعود أن يذهب إلى دار السينما مع العائلة، وكان إحساسه بالخوف والرهبة والانبهار من هذا العالم الغريب، قد أثر في شخصيته. وعند بلوغه مرحلة المراهقة وجه اهتمامه نحو السينما والموسيقى. وقد حاول بعد تخرجه من المدرسة دراسة السينما، إلا أن والده أجبره على دراسة التجارة، رغم مقاومته في الدفاع عن ميوله الفنية. وبعد حصوله على دبلوم التجارة المتوسطة من مدرسة الفرير، سافر إلى باريس لتحقيق حلمه القديم، والتحق بالمعهد العالي للسينما (الأديك)، لدراسة الإخراج، حيث تخرج منه عام 1954. وبعد عودته إلى مصر فوجئ بأن مجتمع السينما في مصر - كما يقول حسين كمال نفسه - كان مغلقاً على مجموعة بعينها من المخرجين والمساعدين، وكانت فترة عصيبة شعرت خلالها بإحباط ويأس لا مثيل لهما.

اكتفى حسين كمال خلال هذه الفترة بتصميم ملابس وديكورات فندق هلتون النيل. حتى جاء افتتاح التليفزيون عام 1960، ليقدم أوراقه ويجتاز امتحان القبول بتفوق. وقد قبل أيضاً لكونه دارساً للسينما ويجيد خمس لغات. حيث أرسل إلى بعثة تدريبية في إيطاليا، اكتسب خلالها الإحساس بطبيعة العمل التليفزيوني. وعند عودته ثانية عمل مخرجاً للبرامج منها (مجلة الشباب، مشاكل وآراء). بعد ذلك أخرج عدة تمثيليات تليفزيونية منها (الخط ورايا ورايا) و (البديلة) و (لمن تحيا) و (رنين) التي فازت بالجائزة الأولى في مسابقة داخلية بالتليفزيون عام 1963، ثم تمثيلية (كلنا أخوة) و (الفخ) وغيرها. وأهم أعماله التليفزيونية هو فيلم (المنعطف) عن قصة لنجيب محفوظ، والذي فاز بالجائزة الأولى للدراما في مهرجان التليفزيون عام 1964. حيث لفت هذا الفيلم أنظار النقاد والمهتمين بإمكانيات حسين كمال كمخرج تليفزيوني متمكن.

في الوقت نفسه الذي أخذت مؤسسة السينما دورها في مجال الإنتاج السينمائي، وفتحت الطريق أمام المخرجين الشباب، حيث كانت فرصة حسين كمال بإخراج أول أفلامه (المستحيل) من خلال القطاع العام. يقول حسين كمال : (مهما كان نجاحي في هذا الفيلم باقياً ويشاد به إلى وقتنا هذا، فإني لن أنسى فضل أستاذي الكبير صلاح ابوسبف الذي أعطاني فرصة عمري لأقدم هذا العمل، والذي جاء بكل المقاييس منعطفاً جديداً نحو السينما كفن قبل أن تكون تجارة!!).

فيلمه الأول (المستحيل) إنتاج عام 1965، بطولة كمال الشناوي ونادية لطفي، عن قصة لمصطفى محمود. في هذا الفيلم قدم حسين كمال مشكلة اجتماعية نفسية بأسلوب فني جيد وجديد على السينما المصرية آنذاك. حيث لجأ فيه إلى تطبيق خبراته الفنية التي أكتسبها من دراسته وعمله في التليفزيون، وقدم فيلماً بطله هو التصوير السينمائي. فقد اهتم بالناحية التشكيلية فيه من تقسيم الكادر وتوزيع الظل والضوء في المشهد. وكان مدير التصوير الكبير عبد العزيز فهمي هم من ساهم بشكل أساسي في تجسيد ما أراده حسين كمال.

بعد ذلك قدم فيلمه الثاني (البوسطجي) عام 1968، ليؤكد به هذه المرة مقدرته كمخرج في التعامل مع ذلك التخلف الشديد الذي تعاني منه القرية المصرية في الصعيد. والفيلم من بطوله شكري سرحان وزيزي مصطفى وسهير المرشدي، وهو مأخوذ عن قصة قصيرة للأديب يحيى حقي باسم (دماء وطين)، إلا أن السيناريو استطاع أن يحولها إلى فيلم سينمائي متماسك، به كل مقومات العمل الناجح، وإن الإضافات فيه مدروسة بعناية ولا تشعر المتفرج بالإطالة أو الافتعال.
وبهذا الفيلم استطاع حسين كمال أن يحقق استخداما متقناً للمونتاج بقيادة المونتيرة رشيدة عبد السلام، التي عملت معه في أغلب أفلامه فيما بعد. كذلك استفاد كثيراً من التفاصيل الصغيرة والشخصيات الثانوية في إغناء الخط الدرامي الرئيسي وتعميقه. وحقق أيضا توازناً ملحوظاً وموفقاًً بين السيطرة على حرفياته الفنية والتقنية كمخرج وبين المضمون الذي يطرحه الفيلم.

إن المخرج حسين كمال ، يعتبر حالة خاصة جداً في السينما المصرية . هذا المخرج الذي يعد من أبرز مخرجي السينما التجارية التقليدية . وهذه الصفة ـ بالطبع ـ لا تنفي من أنه مخرج مبدع وموهبة فنية كبيرة . إلا أن السينما المصرية الجادة قد خسرته ، بعد أن أهداها فيلمه ( البوسطجي ) ، والذي يعتبر من بين أهم عشرة أفلام قدمتها السينما المصرية على مدى تاريخها كله .
إن حسين كمال ، في أفلامه الثلاثة الأولى المستحيل ، البوسطجي ، شيء من الخوف ، إستطاع أن يقدم سينما جديدة وجادة أثارت إهتمام النقاد ، وبشرت بظهور مخرج كبير نجح في تقديم سينما هادفة ذات تقنية عالية . إلا أن توقعات النقاد خابت ، بعد أن حصلت إنتكاسة كبيرة لهذا المخرج ، وذلك بعد إخراجه لفيلم ( أبي فوق الشجرة ) .. فقد إختار ، بهذا الفيلم ، السير في تيار السينما التجارية ، وآثر أن يكون مخرج شباك على حساب فنه وموهبته ، وإستمر في تقديم أفلام كثيرة ، لاتمت الى أسلوبه السينمائي المتميز ، الذي بدأبه مشواره السينمائي .

يتحدث حسين كمال عن أسلوبه السينمائي، فيقول : (أسلوبي أستمده من العمل نفسه، فأنا آخذ المشهد وأذوب فيه، فالمشهد هو الذي يفرض علي الطريقة التي أنفذه بها، والعمل المكتوب هو الذي يفرض ويحدد أسلوب المعالجة، حيث أنني أترك نفسي له تماماً !!).

وقد استطاع حسين كمال كسر وتحطيم بعض القواعد التقليدية، وتقديم شكل جديد وضعه في مصاف أهم المخرجين المصريين المجددين آنذاك. ففي فيلمه الثالث (شيء من الخوف)، إنتاج عام 1969 وبطولة محمود مرسي وشادية، قدم أسلوب مستحدث على السينما المصرية، حيث لجأ إلى جعل الفيلم أشبه بالحكاية الشعبية. علماً بأن الفيلم مأخوذ عن قصة قصيرة للكاتب ثروت أباضة. فقد كان حسين كمال ذكياً في لجوءه إلى أسلوب الحكايات الشعبية واستخدام الأغنيات التي توزعت طوال الفيلم للتعليق على الأحداث. حيث أكسب الفيلم نكهة خاصة جعلت المتفرج يتحمس للفيلم حتى النهاية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى حاول حسين كمال تغطية ما في القصة من مبالغات في المواقف، معتقداً بأن الموقف بمجمله وليس بتفاصيله، هو هدف الفيلم. على العكس في فيلميه السابقين، حيث كانت التفاصيل عوناً له في إغناء الحدث الدرامي وتعميقه.

حسين كمال في (شيء من الخوف) قد تخلى عن واقعيته، والتي شاهدناها بشكل صادق في (البوسطجي). فالواقعية ليسب أن تصور في الواقع وتجعل الشخصيات تتكلم بلغة المكان، بل هي تقديم الأحداث والشخصيات بشكل مقنع وصادق لتذوب في هذا الواقع وتعطي عملاً واقعياً متكاملاً. وبالرغم من أن حسين كمال استطاع أن يجعل المتفرج يتعايش مع الريف المصري بتقاليده وعاداته ولغته، إلا أنه لم ينجح في إقناعه بهذه الصورة المفتعلة من الإجرام المتمثل في شخصية (عتريس). إضافة إلى عدم تصديق المتفرج في أن المرأة - في ظل مجتمع متخلف - هي من ينقذ القرية من الظلم والإجرام.

وبهذا الفيلم، ينهي حسين كمال مرحلة من أهم مراحله السينمائية، والتي يمكن أن نطلق عليها (المرحلة التجريبية). يقول حسين كمال : (كانت الأفلام الثلاثة سابقة لعصرها بما تقدمه من جديد مختلف عما كانت تقدمه السينما المصرية عموماً في الستينات، فلم يستطع الناس استيعاب هذا الجديد بسرعة. ولكن بعد فترة أصبحت هذه الأفلام، التي شكلت عقدة لي وللناس، مفهومة من الجميع وبالتالي مرغوبة من الجميع !!). وبفيلم (شيء من الخوف) أيضاً، ينهي حسين كمال تعاقده مع القطاع العام، ويتجه للعمل مع القطاع الخاص، لتنفيذ أفلام تستهدف تحقيق أكبر الإيرادات، وتخاطب الغرائز والرغبات السهلة لدى الجمهور المتخلف.

وهذا ما حدث بالضبط للمخرج حسين كمال، إنها انتكاسة لمخرج جاد، غير فيها أسلوبه السينمائي واهتماماته الفكرية بالكامل. وإذا حاولنا في البحث عن أسباب هذه الانتكاسة فلن نجد إلا أنه قد سعى لإرضاء الجمهور العريض، والذي حققه بفيلم (أبي فوق الشجرة)، على حساب إمكانياته الفنية والفكرية. فقد حقق هذا الفيلم، الذي أنتج عام 1969 وقام ببطولته نجم الجماهير الأول الفنان عبد الحليم حافظ، حقق ما يصبو إليه حسين كمال من شهرة كبيرة وأموال طائلة، حيث استمر عرضه الجماهيري ثلاثة وخمسون أسبوعاً، محطماً بذلك جميع الأرقام القياسية لشباك التذاكر في تاريخ السينما المصرية.

قال حسين كمال ذات مرة: (...هناك سؤالاً مهماً.. هل تريد عمل أفلام مسفة من أجل المكسب ، أم تريد رسالة ثقافية من خلال الفيلم . إنه لايمكن الجمع بين الثقافة والهلس...).. إلا أنه تراجع عن فكرته هذه ، آخذاً بالنقيض ، أي سينما الهلس على حد تعبيره ، وهي السينما التي تضع شباك التذاكر كمقياس للنجاح.
إنه من الطبيعي ـ إذا قلنا ـ بأن نجاح (أبي فوق الشجرة)، وبهذا الشكل الجماهيري الذي فاق كل التصورات ، هو الذي جعل حسين كمال يتمسك أكثر بما أقدم عليه من تحول شامل في فكره وأسلوبه ، وإستمراره في تقديم الأفلام التجارية التقليدية.
أما هو فيبرر هذا التحول، بقوله: (...الفن نوعان .. الفن التجريبي والفن الكبير لكل الناس، هذه مسألة محددة تماماً في رأسي. في السيدة زينب كانت الناس تحطم الكراسي سخطاً ، وفي البيت كانت أكوام الصحف تمجد (...) أعتقد بأن الفن التجريبي ضروري جداً ، ولابد أن يوجد من يصنعه، ولكني إخترت أن أصنع الفن الكبير . لقد وضعت إسمي على باب سينما شبرا ، بدلاً من وضعه على باب نادي السينما زو مركز السينما...).
ويواصل حسين كمال تبريراته ، فيقول: (...شعرت بأنني وجدت طريقي الى السينما ، وأصبح لي أسلوبمميز في الإخراج ، فكان لابد لي من أن أخوض الواقع السينمائي . فأنا مقتنع بأن السينما مخاطبة لوجدان الناس .. كل الناس ، وليست قاصرة على الخاصة أو على فئة بعينها دون الفئات الأخرى . فكان فيلم أبي فوق الشجرة هو اللقاء الأول بيني وبين الجمهور العريض ، وتطلب الأمر تغييراً شاملاً في فكري وأسلوبي...).
أما نحن ، فنقول بأن حسين كمال قد تناسى وظيفة الفن الحقيقية . فهناك فرق كبير بين أن يكون الفن للجماهير ، وبين أن يكون الفن عن الجماهير . وإن العلاقة بين الفن والجماهير/المتلقي تشكل معضلة صعبة وحساسة جداً . فلكي يكون في وسع الفن أن يقترب من المتلقي ، وفي وسع المتلقي أن يقترب من الفن ، ينبغي أن يكون هناك ـ أساساً ـ مستوى فني وثقافي متقارب ـ نوعاً ما ـ بين الفنان وجمهوره/المتلقي . وليس معنى هذا ـ بالطبع ـ أن ينزل الفنان بمستواه ليصل للجماهير . حيث إنه لو فعل ذلك فهو بالتالي يقدم للمتلقي إبداعاً مزيفاً وغير صادق ، نابعاً من الذات المزيفة للفنان . وكذلك عندما يشترط الفنان في المتلقي أن يكون مثقفاً ، فليس لكي يكون قادراً على إستيعاب مايقدمه الفنان له فحسب ، وإنما لكي تتوفر للكتلقي الظروف الإنسانية الملائمة ليمارس حقه في الأبداع الجماعي.
ويتحدث حسين كمال عن أفلامه الثلاثة الأولى ، فيقول: (...كانت الأفلام سابقة لعصرها بما تقدمه من جديد مختلف عن ماكانت تقدمه السينما المصرية عموماً في الستينات ، فلم يستطع الناس أن يستوعبوا هذا الجديد بسرعة .. ولكن بعد فترة أصبحت هذه الأفلام ، والتي شكلت عقدة ليّ وللناس ، مفهومة من الجميع ، وبالتالي مرغوبة من الجميع...).
إن كلمات حسين كمال هذه ، لهي دليل على صحة حديثنا ، بأن وظيفة الفن الإئيسية هي الإرتفاع بمستوى المتلقي الثقافي والفني ، حتى يستطيع إستيعاب ما يقدمه الفنان من إبداع ، وليس بالنرول الى مستواه لكي يفهمه.
ولا يفوتنا الإشارة الى أنه من الصعب ـ كما هو معروف ـ الجمع بين النقيضين .. إرضاء الجمهور وإرضاء النقاد في آن واحد ، فهي معادلة صعبة ، قال عنها الناقد والمؤرخ السينمائي الفرنسي "جورج سادول" بأنها محاولة إخترق المستحيل ، وبالتالي فالمسألة تحتاج ـ فقط ـ الي وقت .. وقت يحاول فيه المتلقي أن يرتقي ويطور من قدراته التذوقية للعمل السينمائي والفني بشكل عام . إلا أن مخرجنا حسين كمال لايستطيع الإنتظار طويلاً ، فهو يريد من أفلامه أن تدر عليه أعلى الإيرادات بعد إنتاجها مباشرة.
وهذا ما حققه مخرجنا بالفعل ، حيث إن أغلب أفلامه التي قدمها بعد إنتكاسته الفنية ، أي بعد إخراجه لفيلم ( أبي فوق الشجرة ) ، والتي تجاوزت الثلاثين فيلماً ، قد لاقت نجاحاً جماهيرياً تفاوت من فيلم الى آخر . فمن بين ما نجح له من أفلام ثرثرة فوق النيل ـ 1971 ، إمبراطورية ميم ـ 1972 ، مولد يادنيا ـ 1976 ، إحنا بتوع الأتوبيس ـ 1979 ، أرجوك إعطني هذا الدواء ـ 1982.
وهكذا بدأ حسين كمال مشواره السينمائي ، وهكذا أصبح الآن . إنها ـ حقاً ـ إنتكاسة كبيرة لمخرج جاد ومبدع ذو موهبة فنية بارزة ، خسرته السينما المصرية الهادفة ، بعد أن أهداها فيلمه (البوسطجي ـ 1968) ، والذي يعتبر من بين أهم عشرة أفلام صنعتها السينما المصرية منذ بدايتها ، وليصبح بعد ذلك ـ وبإختياره ـ منأهم مخرجي السينما المصرية التجارية.

ربما يكون صحيحاً، القول بأن حسين كمال، في فيلم (أبي فوق الشجرة)، قد ساهم في تطوير الأغنية السينمائية العربية وتقديمها بشكل يختلف عن الشكل التقليدي المتخلف الذي عودتنا عليه السينما المصرية قبل ذلك .. لكنه في نفس الوقت اعتمد على حكاية ضعيفة ومستهلكة، لا تختلف كثيراً عن الأفلام الغنائية السابقة، لتكون إطاراً لهذه المجموعة الكبيرة من الأغنيات والوجوه والمناظر الجميلة. ومما لا شك فيه، فإن قيام (عبد الحليم حافظ) ببطولة الفيلم، كان له الأثر الأكبر في نجاح الفيلم بهذا الشكل المنقطع النظير. ولا نخفي تصورنا من أن هذا النجاح قد جعل الخرج حسين كمال يتمسك أكثر بما أقدم عليه من تحول شامل، واستمراره في تقديم الأفلام التجارية التقليدية.

في فيلمه التالي (نحن لا نزرع الشوك) إنتاج عام 1970، المأخوذ عن قصة ليوسف السباعي، قدم حسين كمال عملاً ميلودرامياً لا يختلف عن بقية ميلودرامات السينما المصرية، ولم يضف أي جديد لرصيده السينمائي. أما في فيلم (ثرثرة فوق النيل) إنتاج عام 1970، فقد أثبت بأنه مخرج بلا رؤية وبلا موقف فكري. ومخرج يكرس فنه للمتاجرة بالهزيمة على نحو سيئ ومبتذل. وبالرغم من أن الفيلم قد اعتمد على رواية بنفس الاسم لنجيب محفوظ، إلا أنه ظهر بشكل مختلف تماماً عن الرواية. لذلك من المجحف حقاً المقارنة بين الرواية والفيلم.

في عام 1972، قدم حسين كمال فيلمين هما (إمبراطورية ميم، أنف وثلاث عيون) وهما عن قصتين لإحسان عبد القدوس. الأول يلخص فيه مشكلة الافتقاد للروح الديمقراطية من وجهة نظر البورجوازية الجديدة. حيث يقدم لنا الديمقراطية بشكل متخلف وملفق. أما الفيلم الثاني، فهو يندرج ضمن الكثير من الأفلام التي قدمت الجب والجنس. وهو فيلم يعتمد فقط على ممثليه النجوم (محمود ياسين، ماجدة، نجلاء فتحي، ميرفت أمين) في توصيل ما في قصة إحسان عبد القدوس من علاقات عاطفية جنسية غير طبيعية.

بعد ذلك كان فيلم (دمي ودموعي وابتسامتي) إنتاج عام 1973، الذي يدين فيه حسين كمال عالم رجال الإعمال وأصحاب الملايين ويصفهم بالظلم وانعدام الضمير. لكنه بدلاً من تقديم الضحايا الحقيقيين لهؤلاء الرجال، كآلاف العاملين المسحوقين في مؤسساتهم، أو حتى آلاف المتعاملين مع هذه المؤسسات .. بدلاً من ذلك، نراه يقدم لنا ضحية وهمية التي تتمثل في تلك الفتاة الشريفة (نجلاء فتحي) التي تدافع عن عذريتها في هذا العالم المليء بالذئاب البشرية.

وفي موسم 1975، قدم حسين كمال أربعة أفلام دفعة واحدة، وهي (لا شيء يهم، الحب تحت المطر، النداهة، على ورق سيلوفان). الأول والثاني يطرح من خلالهما وجهة نظر سياسية. ففي فيلم (لا شيء يهم)، ليس هناك شيئاً مهماً، إنها مجرد أفكار سياسية مبعثرة، تناولها المخرج بشكل غير مترابط وعشوائي. إضافة إلى فقدان حسين كمال السيطرة على الفيلم الذي انتهى دون أن يقول شيئاً ذو معنى. وفي فيلم (على ورق سيلوفان) يتناول مثلث الحب التقليدي (الزوج - الزوجة - العشيق) وبنفس التركيبة والمواصفات التي شاهدناها مراراً ومللنا منها، ضمن عشرات الأفلام التي قدمتها السينما التجارية المصرية.

بعدها قدم حسين كمال العديد من الأفلام التجارية، من أبرزها (إحنا بتوع الأتوبيس، حبيبي دائماً، العذراء والشعر الأبيض، قفص الحريم، آه يا بلد آه). ونحن هنا .. عزيزي القاريء، لسنا بصدد تناول جميع أفلام حسين كمال، لكننا سنقف فقط عند أهم الأفلام التي تهم موضوعنا. وسنركز على حسين كمال مخرج الفيلم الاستعراضي.

ويأتي فيلم (مولد يا دنيا) ليؤكد من جديد مقدرة حسين كمال الفنية في إخراج الأغاني والاستعراضات. فقد سبق له وقدم نموذجاً جيداً ومستحدثاً للأغنية السينمائية في فيلم (أبي فوق الشجرة)، وقد جاء فيلم (مولد يا دنيا) ليجعل للأغنية السينمائية أهمية درامية، وليست مجرد إضافة جمالية للفيلم. كذلك تجربته الناجحة التي قدمها في الثمانينات في المسرحية الكوميدية الاستعراضية (ريا وسكينة)، فقد كانت ناجحة فنياً وجماهيرياً. كما قام حسين كمال بإخراج مجموعة من أغنيات (نجاة الصغيرة) تليفزيونياً وقدمها بشكل استعراضي ناجح. كل هذا يؤكد بأن حسين كمال من بين أبرز المخرجين المصريين وأقدرهم في مجال الفيلم الاستعراضي. مما جعل المهتمين بهذه النوعية من الأفلام يتساءلون .. لماذا لا يكون هناك تخصص من قبل حسين كمال لتقديم الشكل الاستعراضي الذي أثبت فيه مقدرة ودراية.

إن السينما التي قدمها حسين كمال، هي بالطبع سينما تجارية تقليدية، إلا أنه وفي نطاق الأفلام التجارية قدم نماذج أفضل بكثير مما قدمها غيره من مخرجي هذه النوعية من الأفلام. ولعل أهم العوامل التي ساعدته لتحقيق ذلك، تكمن في حرصه الشديد على اختيار روايات وقصص معروفة لأشهر الكتاب المصريين، أمثال (إحسان عبد القدوس، نجيب محفوظ، يوسف إدريس، يوسف السباعي، مصطفى محمود)، وتحويلها إلى أعمال سينمائية: هذا إضافة إلى قدراته الحرفية والتقنية في اختيار بقية عناصر الفيلم الأخرى. كما لا يفوتنا أن نذكر بأن اهتمام حسين كمال بعنصر التمثيل والممثلين، كان في صالح العمل السينمائي جماهيرياً. فقد كانت أفلامه دائماً تحمل أسماء نجوم الشباك في السينما المصرية، أمثال (فاتن حمامة، عادل إمام، محمود ياسين، شادية، نور الشريف، نادية لطفي، ماجدة، محمود عبد العزيز، نجلاء فتحي، نبيلة عبيد).