عماد حمدي
|
|
نشرت هذه الدراسة في مجلة هنا البحرين على ست حلقات من 1 مارس 1995 إلى 5 أبريل
1995
|
|
|
|
|
|
|
بروفايل |
|
اسمه الحقيقي "محمد عماد
الدين عبد الحميد حمدي" من مواليد عام 1909
في محافظه سوهاج،
تعلم فن الإلقاء على يد الفنان الكبير " عبد الوارث عسر" و هو لا يزال طالبا
بمدرسه
التوفيقيه ..
حصل على دبلوم
تجاره، عمل في بدايته
من موظف بأستوديو
وتدرج من رئيس حسابات إلى مدير إنتاج ثم مدير توزيع ، وكان يهوى
التمثيل ، لذا شارك في
الأفلام الدعائية لوزارة الصحة التي ينتجها أستوديو مصر.
أول ظهور سينمائي له كان عام 1942 في فيلم " عايده" و لكن بدايته
الحقيقية في السينما
جاءت عام 1945 عندما قدمه المخرج " كامل التلمساني" في فيلم
"السوق السوداء".
تلاه مجموعه كبيرة من
الأفلام
حتى أصبح "عماد
حمدي"
في وقته هو القاسم المشترك لجميع المخرجين في أفلامهم
الرومانسية..
في الخمسينات كان هو فتى
الشاشة الأول بلا منافس.
|
|
|
|
|
أزهار وأشواك |
1947 |
دايماً في قلبي |
1946 |
غرام بدوية |
1946 |
السوق السوداء |
1945 |
|
الواجب |
1948 |
ليت الشباب |
1948 |
سجى الليل |
1948 |
التضحية الكبرى |
1947 |
|
السجينة رقم 17 |
1949 |
ست البيت |
1949 |
البيت الكبير |
1949 |
شمشون الجبار |
1948 |
|
مشغول بغيري |
1951 |
أنا الماضي |
1951 |
دماء في الصحراء |
1950 |
الصقر |
1950 |
|
ضحيت غرامي |
1951 |
ظهور الإسلام |
1951 |
سماعة التليفون |
1951 |
وداعاً يا غرامي |
1951 |
|
المنزل رقم 13 |
1952 |
سيدة القطار |
1952 |
من غير وداع |
1951 |
أشكي لمين |
1951 |
|
قطار الليل |
1953 |
عبيد المال |
1953 |
ظلموني الحبايب |
1953 |
بعد الوداع |
1953 |
|
اللقاء الأخير |
1953 |
حكم الزمان |
1953 |
نساء بلا رجال |
1953 |
مكتوب على الجبين |
1953 |
|
أقوى من الحب |
1954 |
الحرمان |
1953 |
وفاء |
1953 |
حب في الظلام |
1953 |
|
الظلم حرام |
1954 |
مين هواك |
1954 |
رقصة الوداع |
1954 |
آثار في الرمال |
1954 |
|
حياة أو موت |
1954 |
جنون الحب |
1954 |
شرف البنت |
1954 |
عزيزة |
1954 |
|
اللّه
معنا |
1955 |
إني راحلة |
1955 |
موعد مع السعادة |
1954 |
ليلة من عمري |
1954 |
|
حب وإعدام |
1956 |
موعد غرام |
1956 |
قتلت زوجي |
1956 |
شاطئ الذكريات |
1955 |
|
لا أنام |
1957 |
الحب العظيم |
1957 |
أرض الأحلام |
1957 |
لن أبكي أبداً |
1957 |
|
مجرم في إجازة |
1958 |
غريبة |
1958 |
حتى نلتقي |
1958 |
أنا وقلبي |
1957 |
|
توبة |
1958 |
رحمة من السماء |
1958 |
الزوجة العذراء |
1958 |
مع الأيام |
1958 |
|
قلب من ذهب |
1959 |
ارحم حبي |
1959 |
المرأة المجهولة |
1959 |
جريمة حب |
1959 |
|
آخر من يعلم |
1959 |
صخرة الحب |
1959 |
سجن العذارى |
1959 |
بين الأطلال |
1959 |
|
هدى |
1959 |
المبروك |
1959 |
السابحة في النار |
1959 |
قلب يحترق |
1959 |
|
الرباط المقدس |
1960 |
العملاق |
1960 |
جسر الخالدين |
1960 |
إني أتهم |
1960 |
|
زوجة من الشارع |
1960 |
نساء وذئاب |
1960 |
سر امرأة |
1960 |
أقوى من الحياة |
1960 |
|
معبد الحب |
1961 |
المراهق الكبير |
1961 |
لا تذكريني |
1961 |
طريق الأبطال |
1961 |
|
بلا دموع |
1961 |
لا تطفئ الشمس |
1961 |
غداً يوم آخر |
1961 |
واإسلاكاه |
1961 |
|
امرأة في دوامة |
1962 |
يوم الحساب |
1962 |
الخطايا |
1962 |
الليالي الدافئة |
1962 |
|
العريس يصل غداً |
1963 |
رابعة العدوية |
1963 |
سلاسل من حرير |
1962 |
وفاء إلى الأبد |
1962 |
|
مع الناس |
1964 |
أم العروسة |
1963 |
حب لا أنساه |
1963 |
الحسناء والطلبة |
1963 |
|
اللهب |
1964 |
حب ومرح وشباب |
1964 |
حكاية نص الليل |
1964 |
المراهقان |
1964 |
|
مدرس خصوصي |
1965 |
آخر جنان |
1965 |
الشقيقان |
1965 |
الحب الخالد |
1965 |
|
سكون العاصفة |
1965 |
أيام ضائعة |
1965 |
الراهبة |
1965 |
الصبا والجمال |
1965 |
|
كنوز |
1966 |
شقاوة رجالة |
1966 |
الوديعة |
1965 |
المماليك |
1965 |
|
خان الخليلي |
1966 |
غرام في أغسطس |
1966 |
جناب السفير |
1966 |
ثورة
اليمن |
1966 |
|
النصف الآخر |
1967 |
كرم الهوى |
1967 |
الخروج من الجنة |
1967 |
فارس بني حمدان |
1966 |
|
أبو الهول
الزجاجي |
1968 |
روعة الحب |
1968 |
مراتي مجنونة
مجنونة |
1968 |
حكاية ثلاث بنات |
1968 |
|
أبي فوق الشجرة |
1969 |
الرجل الذي فقد
ظله |
1968 |
عفريت مراتي |
1968 |
الست الناظرة |
1968 |
|
زوجة لخمسة رجال |
1970 |
نادية |
1969 |
همسة الشيطان |
1969 |
ميرامار |
1969 |
|
ثرثرة فوق النيل |
1971 |
الخيط الرفيع |
1971 |
حياتي |
1970 |
بنت الشيخ |
1970 |
|
الزائرة |
1972 |
ليلة حب أخيرة |
1972 |
حب وكبرياء |
1972 |
أزمة سكن |
1972 |
|
المخادعون |
1973 |
غرباء |
1973 |
ذات الوجهين |
1973 |
البحث عن الفضيحة |
1973 |
|
صوت الحب |
1973 |
شلة المراهقين |
1973 |
عاشق
الروح |
1973 |
أبناء للبيع |
1973 |
|
الأبرياء |
1974 |
الرجل الآخر |
1973 |
امرأة سيئة
السمعة |
1973 |
الشياطين والكورة |
1973 |
|
الزواج السعيد |
1974 |
أجمل أيام حياتي |
1974 |
وكان الحب |
1974 |
أين عقلي |
1974 |
|
الأخوة الأعداء |
1974 |
بمبة كشر |
1974 |
في الصيف لازم نحب |
1974 |
امرأة للحب |
1974 |
|
المهم الحب |
1974 |
عايشين للحب |
1974 |
أميره حبي أنا |
1974 |
الساعة فوق
العاشرة |
1974 |
|
صابرين |
1975 |
يوم الأحد الدامي |
1975 |
المطلقات |
1975 |
الملكة وأنا |
1975 |
|
الحب تحت المطر |
1975 |
أبداً لن أعود |
1975 |
مين يقدر على
عزيزة |
1975 |
حبي الأول
والأخير |
1975 |
|
مجانين بالوراثة |
1975 |
امرأتان |
1975 |
ومضى قطار العمر |
1975 |
حتى آخر العمر |
1975 |
|
حب على شاطئ
ميامي |
1976 |
الكرنك |
1975 |
شهيرة |
1975 |
الضحايا |
1975 |
|
شوق |
1976 |
الأبطال يولدون
مرتين |
1976 |
دقة قلب |
1976 |
أنا
لا
عاقلة
ولا
مجنونة |
1976 |
|
المذنبون |
1976 |
عالم عيال عيال |
1976 |
رحلة الأيام |
1976 |
وعادت الحياة |
1976 |
|
العيال الطيبين |
1976 |
وداعاً إلى الأبد |
1976 |
المنحرفون |
1976 |
ليتني ما عرفت
الحب |
1976 |
|
فتاة تبحث عن
الحب |
1977 |
سونيا
والمجنون |
1977 |
الكروان له شفايف |
1976 |
شلة الأنس |
1976 |
|
ليلة لا تنسى |
1978 |
شهادة مجنون |
1978 |
الشياطين |
1977 |
13
كذبة وكذبة |
1977 |
|
مكالمة بعد منتصف الليل |
1978 |
أحلى أيام العمر |
1978 |
ضاع العمر يا ولدي |
1978 |
الحساب يا
مدموزيل |
1978 |
|
أيام العمر معدودة |
1978 |
أهلاً يا كابتن |
1978 |
بنت غير كل البنات |
1978 |
المرأة الأخرى |
1978 |
|
لا يا أمي |
1979 |
الملاعين |
1979 |
الصعود إلى
الهاوية |
1978 |
أسياد وعبيد |
1978 |
|
شعبان تحت الصفر |
1980 |
الباطنية |
1980 |
خائفة من شيئ ما |
1979 |
الخدعة الخفية |
1979 |
|
وضاع حبي هناك |
1982 |
أشياء ضد القانون |
1982 |
وادي الذكريات |
1981 |
شفاة لا
تعرف
الكذب |
1980 |
|
|
|
|
النشالة |
1985 |
سواق الأتوبيس |
1983 |
|
|
|
|
|
ها
هي الذكرى الحادية عشرة لوفاة الفنان الكبير عماد حمدي تمر علينا دون أدنى
ذكر ، هذا الفنان الذي توفي الثامن والعشرون من يناير عام 1984 . إذاً مرت
هذه السنوات من دون عماد حمدي ، من دون فتى الشاشة ونجمها الأول الذي ملئ
الدنيا سينما وفن على مدى ما يقارب الأربعين عاماً . وكان بلا شك جزءاً
هاماً من تاريخ السينما المصرية ومن النهضة السينمائية في مصر والبلاد
العربية . ولابد من أي متتبع لتاريخ هذه السينما ، من الوقوف طويلاً عند
تجربة الفنان عماد حمدي .. فهو أحد الأبطال الذين قامت على أكتافهم السينما
المصرية ، وهو فتى الشاشة الوسيم والهادئ الذي سحر فتيات الشاشة العربية
والجمهور العربي على السواء ، وذلك بأدائه االأخاذ .
ولد الفنان عماد حمدي في مدينة سوهاج بالصعيد المصري في الخامس والعشرون من
نوفمبر عام 1909 ، هو مع شقيقه التوأم عبد الرحمن . وقبل أن يبلغ الشقيقان
شهراً من العمر ، إنتقلت الأسرة الى القاهرة ، حيث رقي والدهما ـ الذي كان
يعمل باشمهندس بالسكة الحديد ـ في وظيفته ونقل الى هناك ، حيث أقاموا في حي
شبرا ، وبالتحديد في شارع علي بك النجار . وفي هذا الحي تربى الشقيقان وكان
يطلق عليهما لقب »الشبيهان«.
فقد كان الإثنان شديدي الشبه ، سواء بملامح الوجه أو بالطول أو بالعلامات
الفارقة .. حتى أن والداهما كانا يتوهان في التفريق بينهما . وفيما بعد بات
التمييز بينهما أسهل ، وذلك عندما بدأ كل منهما يعرف أسمه .
وقد كان الوالدان يقدمان الرعاية الكاملة للطفلين الشقيقان ، حيث أحضر لهما
والدهما مدرساً خصوصياً يعلمهما اللغة الإنجليزية ، فيما كانت والدتمهما
تعلمهما اللغة الفرنسية ، بإعتبارها تنحدر من أصل فرنسي . وعندما أصبح
الشقيقان في سن الدراسة ، إلتحقا بمدرسة عباس الإبتدائية في شبرا . وبعد
حصولهما على الشهادة الإبتدائية ، إلتحقا بمدرسة التوفيقية الثانوية وحصلا
على شهادة البكالوريا ، ومن ثم إلتحقا بمدرسة التجارة العليا ، وكانت في
شارع ريحان بالقاهرة .
وقد كانت حياة عماد وعبد الرحمن ظاهرة غريبة تستحق الإهتمام ، فهما لا
ينفصلان عن بعضهما أبداً ، سواء في البيت أو في المدرسة أو حتى في أوقات
الفراغ . وكانت الظاهرة الأكثر غرابة في المدرسة ، حيث كان ترتيبهما
متماثلاً ، بالإضافة الى أنهما كانا يقعان في نفس الخطأ .
وإذا كان الشقيقان يشبهان بعضهما في كل شيء ، فهما ـ فيما بعد ـ أخذا
يختلفان ، ولكن في الهواية .. ففيما كان عبد الرحمن يميل أكثر الى اللعب
والرياضة ، كان عماد يميل الى الفن بشكل عام والى التمثيل بشكل خاص . وقد
بدأ هذا الميل يظهر ويتوضح في المدرسة الثانوية ، عندما إنضم عماد الى
جماعة التمثيل فيها ، وكانت وقتذاك تحت إشراف الفنان الكبير عبد الوارث عسر
، والذي درب عماد حمدي على فن الإلقاء . وبالرغم من ذلك ، فإن عماد حمدي
كان يعتبر التمثيل مجرد هواية فقط ، ولم يكن يأمل أن يصبح ممثلاً في يوم من
الأيام ، وكان كل أمله أن يصبح طبيباً وكذلك شقيقه ، إلا أنه ولضروف
العائلة المادية إتجها لدراسة التجارة . هذا وقد تابع عماد حمدي هوايته
الفنية هذه في مرحلة تعليمه العالي ، حيث إنضم الى فرقة »أنصار التمثيل
والسينما« والتي كان يشرف عليها سليمان نجيب وعبد الوارث عسر .
وفي عام 1932 ، وبعد أن تخرج الشقيقان من مدرسة التجارة العليا ، إفتتحا
مكتباً للإعلانات الصحفية مع شريكين آخرين ، وذلك بمساعدة رجل الإقتصاد
البارز طلعت حرب ، وإستطاع هذا المكتب أن يثبت وجوده بسرعة وظل يمول
الجرائد والمجلات المصرية بالإعلانات . ونجح المشروع الى أن طور بحيث ضم
صنع لافتات الإعلانات في الشوارع . مما جعل طلعت حرب ، بعد رضاه عن هذا
المشروع طبعاً ، أن يطلب بضم هذه الشركة الى شركات بنك مصر . إلا أن
الشقيقان رفضا ذلك ، فإنفصل الشركاء الأربعة ، وظل عماد وشقيقه في شركتهما
، الى أن ساءت الأحوال بعد أن فقدو إعلانات بنك مصر وشركاته ، ومن ثم أعلن
الشقيقان إفلاسهما وأغلقا المكتب .
وقد أدى إغلاق مكتب الإعلانات ، الى أن يفترق الشقيقان على الصعيد العملي .
صحيح بأنهما لم يفترقا في البدء ، وبدأ الإثنان في البحث عن عمل يجمعهما ،
بإعتبار أنهما لم يتعودا أن يتركا بعضهما ، ولكن الضروف كانت أقوى منهما .
فإشتغل عبد الرحمن في الجمعية الزراعية الملكية ، وإشتغل عماد في مستشفى
أبو الريش .
في المستشفى المذكور تذكر عماد حمدي شغفه بدراسة الطب ، والتي حالت الضروف
المادية من تحقيق ذلك ـ كما أشرنا سابقاً ـ وهو بالطبع لم يدخل هذا
المستشفى بصفته طبيب ، وإنما بصفته موظف حسابات ( باشكاتب ) للمستشفى ، وهي
مهنة كتابية يتقنها كخريج تجارة ، ويمارسها دون رغبة حقيقية بها . وقد قضى
في المستشفى ثلاث سنوات ، كان خلالها قد توطدت علاقته بالأطباء ، مما جعله
يتردد كثيراً على حجرة العمليات مع الأطباء ، بل إنه قد دخل المشرحة أيضاً
.
وبالرغم من إنشغاله عماد حمدي بعالم المستشفى ، إلا أن ذلك لم يبعده عن
هوايته الفنية . فقد كان يذهب كل يوم الى جمعية أنصار التمثيل والسينما .
كما أنه بدأ وأخوه عبد الرحمن الإهتمام بالموسيقى ، الى حد أنهما إلتحقا
بمعهد »تيجرمان« للموسيقى العالمية ، الذي كان يضم خيرة المدرسين
البولنديين ، حيث أن معظم الموسيقيين المصريين الكبار قد درسوا في هذا
المعهد ، حتى الفنان محمد عبد الوهاب إستفاد منه أيضاً .
وقد درس عماد حمدي البيانو وأجاد العزف عليه ، ومن ثم تعلم النوتة
الموسيقية ، بل قرر دراسة الهارموني وتمادى في الأحلام لدرجة أنه قرر أن
يكون فرقة أوركسترا أيضاً . وكان الأصدقاء والأهل يصفقون طويلاً لعماد ،
وهو يعزف مقطوعات صعبة لـ ( بيتهوفن ، موزارت ، باخ ) .
ومرة أخرى لم يجد عماد حمدي نفسه في هواية الموسيقى ، ومرة أخرى تغلب حبه
للتمثيل على ذلك ، وكان لعماد صديق يشاركه الهواية ، فإتفق معه على أن
يترجما إحدى المسرحيات العالمية ، لكي يقدماها لإحدى الفرق المسرحية .
وعندما نقل صديقه هذا الى الفيوم ، كان عماد يسافر إليه مرة كل أسبوع حتى
يتابعا العمل ، أو يأتي صديقه في نهاية الأسبوع الى القاهرة .
وذات مرة كان عماد مسافراً الى الفيوم فرأى في الطريق مجموعة كبيرة من
الناس يتمايلون ويهزجون على دقات الطبول والمزامير . وعندما سأل عن ما يحدث
، قيل له بأن ذلك كان عبارة عن تصوير إحدى مشاهد فيلم ( وداد ) السينمائي
الذي كانت تمثله أم كلثوم والذي ينتجه ستوديو مصر . وبمجرد أن عاد الى
القاهرة ، بدأ يسأل كل من له علاقة بالفن عن ستوديو مصر ، والذي أنشئ بفضل
جهود طلعت حرب . ويسأل عن العاملين في هذا الأستوديو ، وأثار إنتباهه إسم
محمد رجائي ، فهو زميل قديم لعماد حمدي ، حيث تخرجا معاً من مدرسة التجارة
العليا . لذا قرر عماد الذهاب إليه ومقابلته ، وبالفعل قابله محمد رجائي
بترحاب وطاف معه على كل أنحاء الأستوديو ، وعندما سأله عن عمله الحالي ،
أجاب عماد بأنه يعمل باشكاتب في مستشفى أبو الريش . ولم ينسى عماد أن يسأله
عن إمكانية توظيفه في أستوديو مصر ، حيث قال له : أنا غاوي فن ، وعملي
الحالي لا يتناسب مع هذه الهواية ، فهل أجد عندك وظيفة؟ فأجابه : عندنا
وظيفة رئيس حسابات ، فهل ترغب فيها؟
وخلال دقائق ، تم كل شيء ، وذهب عماد الى المستشفى وقدم إستقالته ، وداوم
في اليوم التالي في أستوديو مصر .
وبالتالي أصبح عماد حمدي ، بحكم وظيفته ، قريباً من هوايته الفنية ، وكان
كل يوم يجالس كل الفنانين الذين يأتون للأستوديو ، ويلتقي معهم لكي يحاسبهم
ويعطيهم رواتبهم وعلاواتهم . إلا أن علاقة عماد حمدي توطدت أكثر بالفنانين
عندما صدر قرار بنقله من رئيس قسم الحسابات الى مديراً للإنتاج ، حيث جائته
فرصة الإنغماس أكثر بالعمل الفني ، فوظيفة مدير الإنتاج هي وظيفة الإحتكاك
المباشر بكل الفنانين والفنانات ، مما ساعده على إيقاظ ملكة التمثيل عنده
بشكل أوسع وأشمل .
ومن خلال عمله الجديد ، عاصر عماد حمدي إنتاج أفلام كبيرة ومهمة ، خصوصاً
أفلام نجيب الريحاني ، وشاهد من خلف الكاميرا ما يحدث أمامها ، فكل تفاصيل
العمل السينمائي داخل البلاتوه كانت تقع أمام ناظريه . كانت هذه الخطوة
تكفيه ولا ترضيه ، لأن صوت الممثل في داخله كان يناديه لتمثيل أول فيلم
سينمائي .
إن الفنان عماد حمدي لم يخلق للعمل وراء الكاميرا ، بل للعمل أمامها . ومع
ذلك فقد أبت عليه نفسه أن يقول هذا للفنانين الذين كان يتعامل معهم ، حتى
لا بفسر هذا على أنه إستغلال لطبيعة عمله . مع أنه كان يتعرف كل يوم على
فنان جديد .. فقد تعرف على نيازي مصطفى وصلاح أبو سيف وكمال الشيخ ، وهم
يعملون في قسم المونتاج.. وعلى حسن الإمام عندما كان لا يزال عامل كلاكيت ،
يتقاضى 17 قرشاً في اليوم .
ثم جاءت فرصة عماد حمدي عن طريق وزارة الصحة ، وذلك عندما طلبت من أستوديو
مصر أن ينتج لها أفلاماً تسجيلية ذات طابع إرشادي صحية عن البلهارسيا
والإنكلستوما . وحين بدأ المخرج جمال مذكور في إخراجها إختار عماد حمدي
للمشاركة في تمثيلها .
بعدها صدر قرار بنقل عماد حمدي من قسم الإنتاج الى قسم التوزيع كمدير ،
ونقل الى مكتب خاص له في قلب المدينة . ومضت أربع سنوات الى أن جائته
مكالمة هاتفية من المخرج كامل التلمساني يرشحه فيها لدور البطولة في فيلم (
السوق السوداء ) ، هذا بعد أن شاهده في الأفلام الصحية ، وقابله في مكتب
قاسم وجدي ( أول ريجسير مصري ) . وبالطبع لم يصدق عماد حمدي نفسه ، فقد
وافق على الفور وبدون أي تردد ، بعد أن وعد المخرج التلمساني بأن يلقاه في
قريباً جداً .
وفي اليوم التالي لم يهدأ له بال إلا بعد صحب صديقه قاسم وجدي وذهبا الى
كامل التلمساني ، الذي كان يستعد لخوض تجربة الإخراج السينمائي لأول مرة ،
ولا يريد أن يتعامل مع أي ممثل معروف ، وقد إختار عماد حمدي لأنه وجه مصري
صميم . وكان عماد يتقاضى في ذلك الوقت 60 جنيهاً كراتب شهري من أستوديو مصر
، لذلك لم يشأ كامل التلمساني أن يطلب منه أن يترك عمله من أجل الفيلم ،
وإتفق معه على مواعيد عمل مناسبة ، وعلى أجر عن دوره في الفيلم قدره 200
جنيه . وسوف تشاركه البطولة عقيلة راتب مع زكي رستم .
وكانت البداية ، ولكن عماد حمدي صور الفيلم بنفسية محترف ، يعرف كيف يتعامل
مع الكاميرا ، بإعتباره سبق وأن وقف أمامها ، إضافة الى أنه كان يحبها .
وفي ليلة العرض الأول ، ذهب مع أبطال الفيلم الى دار السينما ، وكان بالطبع
خائفاً من نتيجة التجربة الأولى ، تماماً كالطالب الذي يخشى نتيجة الإمتحان
، حيث كان يعرف بأن هذا الفيلم هو الذي سيحدد له طريق الإستمرار في الفن أو
العودة الى الوظيفة . وحين إنتهى عرض الفيلم شاهد عماد مئات المتفرجين
يقفون أمام دار السينما ، وهم يهتفون : سينما أونطه .. هاتو فلوسنا !! وفكر
عماد في الخروج من الباب الخلفي ، عندما أدرك إن الجمهور يحيط تماماً بدار
السينما ويسد كل المنافذ ، ولم يجد مكاناً يختفي فيه سوى دورة المياه حتى
إنصرف الجمهور الثائر .
وسقط أول فيلم في حياة عماد حمدي الفنية . إلا أن عماد فوجئ بأن الفيلم هو
الذي سقط وليس هو ، بدليل أن النقاد هاجموا المخرج والسيناريو ، ولكنهم
إمتدحوا البطل كثيراً ، وقالوا إنه ظلم ، وإنه وجه جديد يبشر بالخير ، وإن
الجماهير أيضاً أحبته وتعاطفت معه . المهم بأن عماد ، رغم سقوط الفيلم ،
بات مشهوراً . وبدأ المخرجون يرشحونه لأفلامهم ، بل وبدأ كل من يريد أن
يخرج فيلماً لأول مرة يستعين به أو يطلبه ، وكان على رأس هؤلاء : صلاح أبو
سيف الذي قدم أول أفلامه ( دايماً في قلبي ) وشارك عماد حمدي البطولة
الفنانة عقيلة راتب إيضاً . وفي هذه المرة عندما عرض هذا الفيلم ، صفقت له
الجماهير ، لم تصفق للبطل فقط ، وإنما للبطلة والمخرج أيضاً ، ونجح الفيلم
نجاحاً كبيراً وأشاد به النقاد .
ثم تعامل مع المخرج هنري بركات في أولى تجاربه الإخراجية أيضاً بفيلم (سجى
الليل ) ، وكان هذا هو الفيلم الثالث في حياة عماد حمدي ، حيث شاركته
البطولة هذه المرة فاتنة الشاشة المصرية في ذلك الوقت »ليلى فوزي« مع كمال
الشناوي ومحمود المليجي .
وكان عماد حمدي قد بات سينمائياً ، لا بوصفه ممثلاً فقط ، بل لأنه كان في
الأساس موظفاً بأستوديو مصر ومديراً للإنتاج وللتوزيع ، وبالتالي يعرف سوق
الأفلام الرائجة . لذلك كان خائفاً من نتيجة هذا الفيلم ، إلا أن بركات
طمأنه ، وكان نجاح ( سجى الليل ) نجاحاً خرافياً .
لقد كان عماد حمدي خائفاً من أن يفقد كل رصيده الفني في فيلم ( سجى الليل )
، لأن الجمهور في ذلك الوقت قد تعود على مشاهدة الأفلام الكوميدية
والإستعراضية ، في الوقت الذي كانت قصة هذا الفيلم ميلودرامية مؤثرة ،
تنتهي بموت البطل ، وهذا ما لا يحبه الجمهور ، لولا أن بركات قد أقنعه ،
فمثل الفيلم بتمكن .
وعندما عرض الفيلم في صالة سينما »ريفولي« ، والتي كانت مخصصة للأفلام
الأجنبية ، كان الإتفاق المبدئي على أن يعرض ( سجى الليل ) لمدة يومين فقط
، ثم ينقل الى صالة أخرى . ولكن حدث ما لم يتوقع ، فقد إستمر عرضه لمدة
أربعة أسابيع متواصلة . وكان ذلك رقماً قياسياً بالنسبة لمدة عرض الأفلام
الجديدة في تلك الفترة ، فالفيلم الناجح جداً هو الذي يستمر عرضه لمدة
أسبوعين فقط . هذا وقد أصبح مشهد عربة الإسعاف الواقفة أمام باب دار
السينما مشهداً يومياً مألوفاً . وغالباً ما كان رجال الإسعاف يخرجون من كل
حفلة من الحفلات اليومية الأربع وهم يحملون إحدى السيدات وهي في حالة إغماء
أو فقدان الوعي . أكثر من حالة إغماء في اليوم ، وأكثر من سيدة تحمل كل يوم
من داخل السينما الى عربة الإسعاف . وبعض السيدات كن يفقدن السيطرة على
دموعهن ومشاعرهن أمام هذا الفيلم الميلودرامي المؤثر ، عندما يشاهدن عذاب
المرض على وجه البطل الشاب ، وبؤس الفراق بين الحبيبين ، وموت الشاب في
النهاية موتاً حزيناً وصامتاً .
ومنذ ذلك الوقت ، إرتبط إسم عماد حمدي بالأعمال السينمائية الأولى لأكثر من
مخرج جديد ، والذين أصبحوا فيما بعد من كبار مخرجي السينما العربية ، وتلك
مغامرة فنية جريئة وناجحة ، بإعتبار أن المخرج الجديد لا بد أن يقدم ، خلال
تجربته السينمائية الأولى ، أفضل ما عنده من أفكار جديدة . فقد قام أيضاً
ببطولة فيلم ( الحرمان ) أول أفلام المخرج عاطف سالم ، حيث كان مساعد مخرج
لحلمي رفلة ، ونجح الفيلم نجاحاً كبيراً ، حيث تألقت فيه الطفلة المعجزة
فيروز . كما أنه ، عندما إراد المونتير كمال الشيخ التحول الى الإخراج ،
قام ببطولة فيلمه الأول (المنزل رقم 13) أمام فاتن حمامة ، هذا الفيلم الذي
كان يمثل إنطلاقة جديدة في نوعية أفلام التشويق والحركة . وقد حقق هذا
الفيلم نجاحاً كبيراً حيث إستمر عرضه أربعة أسابيع أيضاً في دار سينما
»مترو« . وبالتالي أصبح عماد حمدي هو الورقة الرابحة لكل مخرج جديد .
وبعد هذا النجاح والتألق ، إنغمس في العمل تماماً ، فما يكاد ينتهي من
تصوير فيلم حتى يبدأ بآخر ، بحيث أرهقه العمل المتواصل ، مما جعله يشعر
بحاجة ماسة الى الإستقرار العائلي . فقد كان يقضي أوقات فراغه القليلة في
نقابة الممثلين ليلتقي بزملائه الفنانين والفنانات . وكان يشعر بالوحدة
والفراغ العاطفي ، ويشعر بحاجة شديدة لزوجة يحبها وتحبه ، يقدرها وتقدر
ظروفه وطبيعة عمله ، وتقف الى جانبه لتخفف عنه متاعبه وتشاركه رحلة العمر
وما فيها من نجاحات سينمائية متواصلة . وكانت الفنانة فتحي شريف هي تلك
الزوجة التي إختارها ، والتي كانت تعمل في ذلك الوقت كبطلة في فرقة
الريحاني ، وتؤدي ألحان سيد درويش والشيخ سلامة حجازي .
يتحدث عماد حمدي عن زواجه هذا ، فيقول : تزوجت فتحية شريف عام 1946 ،
وإستمرت حياتنا العائلية هادئة وموفقة ، وزاد من تفاهمنا أنها كانت فنانة
مثلي ، تقدر ظروفي وطبيعة عملي . إضافة الى أنها ضحت بعملها الفني من أجل
إسعادي ، فماذا يريد الإنسان أكثر من ذلك . ثم أن زواجي من فتحية كان فألاً
حسناً عليّ ، فبعد الزواج إنهالت عليّ عقود العمل وتوثقت علاقاتي بالمخرجين
وباتوا أصدقائي .
وقد كانت مرحلة ما بعد الزواج مليئة بالحماس والأمل وبالعمل المتواصل ، وسط
أسرته الصغيرة بعد أن أنجبت له فتحية شريف إبنه »نادر« ، الذي أضفى نوعاً
من البهجة والسعادة الأسرية .
في عام 1949 إستقال عماد حمدي من وظيفته في أستوديو مصر ، بعد خدمة ثماني
سنوات ، متنقلاً من وظيفة باشكاتب الى مدير إنتاج الى ممثل سينمائي ، تدفع
له مكافآت مالية نظير عمله كممثل . ولكنه الآن قد أصبح نجماً سينمائياً
مرموقاً ، وإستمراره في الوظيفة يسبب له نوعاً من عدم الإستقرار . لذلك كان
عليه أن يختار بين الإستمرار في الوظيفة أو الإستقالة ، فإختار الإستقالة
بالطبع . وإستلم مكافأة نهاية الخدمة مودعاً السلك الوظيفي ومستقبلاً من
جديد حياة الأضواء .
ومضت سبع سنوات وعماد حمدي يعيش حياة زوجية سعيدة مع فتحية شريف وإبنهما ،
الى أن إلتقى بالفنانة شادية في رحلة »قطار الرحمة« ، حيث ورأى الفنانون
بأن يقوموا بتظاهرة فنية تعبيراً عن ترحيبهم بإعلان الثورة ، وذلك في قطار
ينطلق من القاهرة الى أسوان ، حيث يتوقف في كل المحطات لتقديم حفلات غنائية
يرصد ريعها لأعمال الخير ولدعم الثورة . في هذا القطار تقابل عماد وشادية ،
وكان لا بد أن يتبادلا كلمات المجاملة التي لم تلبث أن تحولت الى كلمات شكر
، ثم تعبيرات أطول عن التقدير المتبادل ، الى أن إنتهت الى مشروع حب ثم
زواج . صحيح بأن موقف عماد حمدي كان شائكاً ، فهو متزوج ويحب زوجته ، إلا
أنه لم يستطع مقاومة ذلك الشعور الجارف نحو شادية . كان يقول لنفسه : أية
قوة مجهولة تحاول أن تغير إتجاه سفينة حياتي ؟ والى أي شاطئ مجهول سأنجرف ؟
ووجد عماد نفسه في موقف لا يحسد عليه ، موقف رجل متزوج وله ولد ، وقع في
الحب ولم يعد أمامه سوى حل وحيد ، وكان الحل في منتهى القسوة .. أن يطلق
زوجته فتحية شريف ويتزوج شادية !!
وتزوج عماد حمدي شادية عام 1953 ، في الإسكندرية التي شهدت أول لقاء
سينمائي لهما ، وكان فيلم ( أقوى من الحب ) . حينها فكر عماد أن يخوض تجربة
الإنتاج السينمائي ، صحيح بأنه عمل مديراً للإنتاج في أستوديو مصر ، لكنه
اليوم يفكر بالمغامرة بأمواله الخاصة . وكان من أهدافه الفنية في الإنتاج
بأن يضع شادية في المكان المناسب ، بعد أن تخصصت في الأدوار الخفيفة وفي
الأفلام ذات الطابع الكوميدي الغنائي . بينما كان عماد يرى في هذه الفنانة
كنوزاً كانت خافية على الجميع لم تكشف بعد ، ولا تحتاج إلا لنبشها وإظهارها
للعلن . لذلك عقد العزم على أن يخوض تجربة الإنتاج مهما كانت نتائجها
وعواقبها . وأول إسس النجاح هو إختيار القصة المناسبة ، حيث وفق عماد في
العثور على قصتين جيدتين ، هما : »شاطئ الذكريات« و »ليلة من عمري« . ونجح
هذان الفيلمان ، اللذان أرخا لبداية جديدة في مشوار شادية السينمائي ، ومن
ثم إتجهت لأداء الأدوار التراجيدية ، وقدمت فيلمي ( موعد مع الحياة ) و (
المرأة المجهولة ) اللذان حققا لها أكبر النجاح الفني والشعبي .
فجأة ، توقف الحب بسرعة ، كما أتى بسرعة . فقد بدأت الفوارق في وجهات النظر
بين عماد وشادية تظهر الى السطح ، وأدى ذلك الى ثورة شادية ، وإستسلام عماد
لهذه الثورة ، ثم الى توقفه عن العمل لفترة طويلة ، نتيجة للمشاكل العائلية
الكثيرة إن كانت من الزوجة الأولى أو الزوجة الثانية . ويمكن القول بأن تلك
الفترة كانت بمثابة النكسة في حياة عماد حمدي ، حيث تم الطلاق بينه وبين
شادية بعد ثلاث سنوات .
بعد توقف عماد حمدي عن التمثيل لفترة طويلة ، عرض عليه المنتج رمسيس نجيب
بطولة فيلم ( حتى نلتقي ) ، وكانت قصة هذا الفيلم مشابهة لقصة حياته مع
الزواج . في البداية ، رفض عماد القيام بهذا الدور ، إلا أن رمسيس نجيب
إستطاع أن يقنعه ، بإعتباره قد لعب هذا الدور في الحياة . وإنه سيكون الدور
الهام في مشواره السينمائي . وبالتالي إستطاع رمسيس نجيب أن يخرج عماد حمدي
من عزلته التي فرضها على نفسه ، بعد أن أفهمه بأن فاتن حمامة ستلعب دور
شادية ، وزهرة العلا ستلعب دور زوجته فتحية شريف . ولعب عماد دوره في هذا
الفيلم كما لم يلعب دوراً في حياته .
وبدأ عماد يعمل بكثرة متفانياً في عمله لكي ينسى ، يخرج في الصباح ولا يعود
إلا بعد منتصف الليل ، منهكاً ومستنزفاً كل قواه ، من أجل الحفاظ على لقب
الفتى الأول ، هذا اللقب الذي لازمه سنوات طويلة ، وهو يمثل مع فاتن حمامة
ومديحة يسري ، وبقية نجمات السينما المعروفات . فتى أول من نوع مختلف ، فيه
وقار الكبار الذين لا يعتمدون على صغر السن أو وسامة الملامح ، بل على حسن
الأداء والإنغماس في الشخصية .
لم يعد عماد حمدي شاباً ، لقد تقدم به العمر ، وتسللت الشعرات البيض الى
رأسه ، والتجاعيد أصبحت واضحة فوق وجهه . لكن المخرجين لم يقتنعوا بذلك ،
ظلوا يصرون على ترشيح عماد حمدي كفتى أول مدة عشرين عاماً وأكثر . ولكن زمن
هذا الفتى قد تغير ، ولا بد من الإنعطاف نحو أدوار أخرى .
وفي عام 1960 ، إختاره المخرج حسن الإمام للمشاركة في بطولة فيلم ( زوجة من
الشارع ) . وكان ضمن طاقم الفيلم الوجه الجديد نادية الجندي ، والتي لم
يسمع عنها عماد حمدي من قبل ، وعندما رآها رأى فيها وجه الشابة الجميلة
والشديدة الحيوية . ومن خلال العمل أمام الكاميرا والظهور معها في عدة
لقطات ، كان لا بد أن يجري بينهما حوار جانبي ما ، وتعليقات وإرشادات فنية
، كأي ممثلة جديدة تحتاج الى العون . وفي فترات الإستراحة ما بين التصوير ،
بدأ عماد ـ للمرة الثالثة ـ يفكر بعمق في حياته المجدبة والموحشة مثل صحراء
قاحلة ، ليس فيها خضرة ولا ماء ولا حياة . الضمأ للحنان يقتله ، والشعور
الحاد بالوحدة يعذبه . فبعد الأربعين تشتد حاجة الإنسان الى شريكة لحياته .
إنتابته كل هذه الهواجس ، لحظة شاهد نادية الجندي ، لم يفكر بفارق السن
بينهما ، ولم يفكر بمصيره معها في المستقبل . إنحصر تفكيره في عواطفه فقط .
ومع إنتهاء تصوير فيلم ( زوجة من الشارع ) كان عماد يتأبط ذراع نادية ،
وبعد عام من زواجهما أنجبت له نادية إبنه »هشام« .
بعد الزواج الثالث ، عاد عماد حمدي يفكر في الإنتاج مرة ثانية . كان قد
أنتج لزوجته السابقة شادية فيلمين ، وها هو يستعد لإنتاج فيلم ( بمبة كشر )
لزوجته الثالثة نادية الجندي . والفيلم من النوع الإستعراضي ، أي إنه يتطلب
نفقات غير عادية . لكن عماد حمدي لم يبخل على الفيلم بشيء ، كان يريده
فيلماً ناجحاً . ولكي يتحاشى متاعب الضرائب كتب الفيلم بإسم زوجته . فقد
بلغت التكاليف خمسين ألف جنيه ، وإتفق الزوج وزوجته على أن تأخذ هي نسبة من
الإيرادات . وبعد عرض ( بمبة كشر ) حقق نجاحاً كبيراً ، وإستمر عرضه أسابيع
متواصلة وحقق إيرادات كبيرة . وبالرغم من أن عماد حمدي هو الذي صنع إسم
نادية الجندي بهذا الفيلم ، إلا أنه لم يحصل على شيء من إيراداته ، والتي
أخذتها الزوجة »المصونة« . ولم يحزن عماد بسبب هذه الخسارة المادية ، بل
حزن لأن الوفاء لم تكتمل فصوله ، وإن الزوجة التي إختارها لم تكن على مستوى
تضحية الزوج ورغبته في دفعها الى الأمام . ومن الطبيعي أن يشب الخلاف بين
الزوجين ، حيث حزم عماد حقائبه وخرج من بيت الزوجية . لم يندم عماد حمدي
على شيء ، لا على الإنتاج السينمائي الذي كلفه الألوف ، ولا على شقة
الزمالك التي كتبها سابقاً بإسم نادية ، والتي يبلغ ثمنها حوالي الربع
مليون جنيه . فقط غرق في الحزن والصمت ، وآثر راحة البال . فقد علمته
الحياة أن من يخسر المال هو أسعد من الذي يفقد نفسه وحريته وإرادته .
في مرحلة الشيخوخة ، لم يكن غريباً من أن يستكمل عماد حمدي تألقه الفني في
الأدوار الجديدة ، أدوار الأب أوالجد ، فلكل مرحلة أدوارها . بل إن عماد
حمدي يعتبر هذه المرحلة ... من أهم وأخصب سنوات عمري ، إنها سنوات النضج
والإكتمال ، قدمت فيها أهم وأنجح أفلامي ... . ومن أفلام عماد حمدي الهامة
في مرحلة الشيخوخة ، أدواره في أم العروسة ، ميرامار ، ثرثرة فوق النيل ،
المذنبون ، سونيا والمجنون ، أسياد وعبيد .
أما بالنسبة لآخر أدواره ، فقد كان فيلم ( سواق الأتوبيس ) ، حيث رشحه
المخرج عاطف الطيب لهذا الدور الذي أعجبه فيه المغزى الإنساني الذي يقدمه (
الوفاء المفقود في عالم مادي ، ضاعت فيه كل القيم الإنسانية ) . وبالرغم من
شعور عماد حمدي بالإجهاد والإرهاق أثناء فترة التصوير ، إلا أنه كان يحاول
التماسك حتى إنتهاء التصوير . وتحامل على نفسه وهو يصور المشهد الأخير ،
مشهد الوالد الملقى على فراش الموت . وقد أدى عماد حمدي هذا الدور بإقتدار
وثقة ، وكان نهاية المشوار الفني الطويل للفنان الكبير عماد حمدي .
وقبل أن يموت عماد حمدي بعامين ، وبعد أن تآمرت عليه أمراض الشيخوخة ، بدأ
يصاب بالإكتئاب ، لذا آثرت زوجته الأولى أن تكون بجانبه في أيامه الأخيرة ،
إلا أن الموت خطفها قبله ، وشاء القدر أن يشهد نهايتها ويحرم من اليد
الحانية الوحيدة . مما أدى ذلك الى زيادة إكتئابه ، والى المزيد من الإحباط
وحب العزلة والبعد عن الناس . وهذه هي الأمراض الحقيقية التي كان يشكو منها
النجم الكبير حتى وفاته في الثامن والعشرون من يناير عام 1984 ،لينهار صرح
كبير من صروح الفن السينمائي في مصر والوطن العربي .
|
|
|