حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي الثامن والستون

بداية فاترة لمسابقة ساخنة..

فيلم هوليوودى تجارى عن الانتخابات الأمريكية

بقلم   سمير فريد

للمرة الثانية على التوالى شرفتنى إدارة مهرجان فينسيا باختيارى ضمن النقاد الأجانب الـ١٢، الذين يشتركون فى الاستفتاء اليومى لمنح نجوم حدها الأقصى خمسة لأفلام المسابقة، وذلك باسم «المصرى اليوم» مع أهم صحف فرنسا وألمانيا وبريطانيا وغيرها من دول العالم، ويصدر الاستفتاء فى النشرة اليومية الرسمية للمهرجان التى تصدرها «فارايتى» بالإنجليزية والإيطالية، وإلى جانب استفتاء النقاد الأجانب، هناك آخر للنقاد الإيطاليين فى أهم الصحف الإيطالية، وهو نفس التقليد المعمول به فى مهرجان كان، وكانت «المصرى اليوم» أول جريدة عربية تشترك فى الاستفتاء العام الماضى.

وقد بدأ نشر الاستفتاء فى عدد اليوم الثانى من أيام المهرجان، أمس الأول، ومنحت فيه نجمتين فقط للفيلم الأمريكى «منتصف مارس»، إخراج جورج كلونى، الذى عرض فى الافتتاح داخل المسابقة، جاء الفيلم من الأفلام الهوليوودية العادية، وهو مناسب لـ«الافتتاح» لاشتراك عدد من نجوم هوليوود العالميين والطالعين فى تمثيله بمن فيهم مخرجه، وفيليب سيمور هوفمان، وهو من ممثلى الطراز الأول النادر، ودعك من النجومية، مثل شارلز لوتون ولورانس أوليفييه، وغيرهما من جبابرة التمثيل، وهناك من الطالعين ريان جوسلينج، الذى يقوم بأحد الدورين الرئيسيين مع إيفان لاشيل وود، وربما هما سبب عرض الفيلم فى المسابقة أيضاً.

جورج كلونى من نجوم هوليوود البارزين فى العقد الأخير من القرن الميلادى الماضى، وقد بدأ الإخراج إلى جانب التمثيل منذ نحو عشر سنوات عام ٢٠٠٢، و«منتصف مارس» فيلمه الرابع كمخرج، ولكن يظل أفضل ما أخرجه فيلمه الثانى «ليلة سعيدة وحظ سعيد»، الذى عرض فى مسابقة فينسيا عام ٢٠٠٥، وفاز بجائزة أحسن سيناريو «كلونى مع جرانت هيسلوف» وأحسن ممثل «دافيد ستراثاريان».

يأتى الفيلم فى العام الذى بدأت فيه إجراءات انتخابات الرئاسة الأمريكية الجديدة العام المقبل، ولكنه لا يقدم أى جديد حول ما يحدث فى الحملات الانتخابية من صراعات غير أخلاقية، ومنافسات شرسة بين العاملين فى فريق هذا المرشح أو ذاك، وبحث مستميت عن الفضائح، ودور وسائل الإعلام الباحثة عن الإثارة بدورها، كما أن الفيلم من ناحية أخرى لا يقدم أى جديد حول ما يسمى «النجاح»، والتطلع إلى النجاح فى المجتمع الأمريكى، خاصة عند الشباب، فالشخصية الرئيسية فى الأحداث التى تدور فى الزمن الحاضر شاب ولد عام ١٩٨١ يعمل سكرتيراً صحفياً للمرشح الديمقراطى، الذى يقوم كلونى بدوره، والفتاة التى يعيش معها علاقة مركبة، وتعمل معه فى فريق المرشح بدورها ولدت عام ١٩٩١، وهى التى تدفع ثمن الصراعات الحادة على نحو مليودرامى، وذلك بانتحارها بعد أن حملت من المرشح.

وينتهى الفيلم كما بدأ بالسكرتير الصحفى يمثل دور المرشح فى بروفات الخطابات، وبحضور فتاة أخرى لتحل محل الضحية، وبالنسبة إلينا لا أحد يرى أن «الانتخابات» نظام يصنع «الجنة» على الأرض، فالجنة فى العالم الآخر فقط، وقد قال لى يوماً أحد الأصدقاء إن الديمقراطية نظام كاذب، وكان ردى ولكنه أفضل من ديكتاتورية «صادقة».

وينتمى «كلونى» إلى يسار هوليوود، وتأتى على لسانه فى الفيلم شعارات مثل «لست مسيحياً ولا يهودياً ولا مسلماً، ولست ملحداً، ولكن أؤمن بالدستور الأمريكى» - «لا نعرف ماذا سيحدث بعد أن نموت، ولكن علينا أن نترك العالم أفضل لأولادنا» - «الأثرياء فى هذا البلد لا يدفعون ما يكفى من الضرائب، وهدفى إعادة توزيع الثروة» - «لا يمكن أن نواجه التطرف بتطرف من نوع آخر» - «يجب ألا ندفن رؤوسنا فى الرمال.. رمال السعودية، أو رمال العراق»، ولكن هذه الشعارات تأتى على لسان مرشح لا أخلاقى.

وعنوان الفيلم خادع، فهو مستمد من عبارة العراف لقيصر فى مسرحية شكسبير «احذر منتصف مارس»، وهو اليوم الذى يتم فيه اغتيال قيصر بالفعل، ولكن علاقة العنوان مع فيلم كلونى تقصد بها الانتخابات التمهيدية فى ولاية أوهايو، وتأتى على لسان مراسلة «تايم» عندما تسأل «ماذا سيحدث يوم ١٥» إن استخدامها نوع من التلاعب بمسرحية شكسبير فى فيلم هوليوودى ميلودرامى من تجارى.

«تحرير ٢٠١١ فى الكتالوج»

صدر كتالوج المهرجان عشية الافتتاح، وجاء فيه عن الفيلم المصرى «تحرير ٢٠١١».

إخراج: تامر عزت - أيتن أمين - عمرو سلامة مع مساهمة خاصة من أحمد عبدالله.

تصوير: حسين آسر - أحمد يعقوب - صلاح يعقوب - محمد عبدالرؤوف - أحمد جابر.

مونتاج: أيمن التونى - دعاء فاضل - وائل فرج - إريك ماجريو.

إنتاج: محمد حفظى - فردريك شيللر.

«فيلم كلينك وأمانا كيرياتيف»

استيقظ المصريون يوم ٢٥ يناير، ولم يكن هناك من يتوقع أن يتحول يوم إجازة رسمية إلى ثورة تطيح بالنظام السياسى، من خلال وسائل الاتصال الاجتماعية، تمكنت الأجيال الجديدة من العرب والمصريين من الشهادة على نظام حسنى مبارك المتسلط الذى استمر ثلاثين عاماً، وعلى مدى ١٨ يوماً شاهد العالم مسيرات المصريين يطالبون فيها بنهاية الظلم والفقر والفساد، ومن هذه الأجيال الجديدة ثلاثة من المخرجين: تامر عزت وأيتن أمين وعمرو سلامة وقرروا تقديم القصة من خلال وجهة نظر سينمائية متفردة.

تامر عزت مع مساهمة من أحمد عبدالله يقدمان شخصيات متعددة كانت قد ساعدت شجاعتهم لتكون الثورة ملهمة لمن حولهم. أيتن أمين تروى القصة من خلال رحلة شخصية مع البوليس وقوات الأمن التى لم تلتق بأى منهم قبل الثورة. عمرو سلامة يحلل عقل وسيكولوجية الرئيس السابق مبارك من خلال الحوار مع العديد من الشخصيات المعروفة والسياسيين، الذين اقتربوا منه وعملوا معه، إنها قصة الثورة فى ثلاثة فصول بعنوان الطيب والشرير والسياسى.

تصريحات المخرجين الثلاثة عن الفيلم

إننى فى دهشة من تحولات المصريين قبل أيام قليلة من ٢٥ يناير كانوا بصفة عامة متفرقين ويائسين، ولكن فى خلال أيام قليلة اتحدوا من أجل هدف عام واحد، وأصبحوا محاربين.

تامر عزت - ٢١ مارس ٢٠١١

فى وسط ميدان التحرير، هناك مساحة لبناء لحظات فى ذكرى ضحايا وشهداء الثورة المصرية، إننى أتساءل كانوا يرتدون أزياء البوليس المصرى.

أيتن أمين - ٢١ مارس ٢٠١١

إنها رحلة استكشاف عقل ديكتاتور، تثير الأسئلة وتبحث عن الإجابات عما جعل منه ديكتاتوراً، وكيف نمنع أنفسنا من صنع ديكتاتور جديد.

عمرو سلامة - ٢١ مارس ٢٠١١

جورج كلونى

تصحيح معلومات

جاء فى رسائل التعريف بالمهرجان قبل وبعد ويوم الافتتاح أن فيلم «مفكر وترزى وجندى وجاسوس» فيلم إيطالى، والصحيح بريطانى، وأن جائزة بيرسول لأفلام ٣D تمنح للمرة الثانية، والصحيح أنها المرة الثالثة.

وفي جوائز المهرجان هناك جائزة لأحسن إسهام فني، والصحيح أنها لأحسن تصوير.

المصري اليوم في

03/09/2011

 

"البندقية 68"

السينما في زمن التغيير!

البندقية ـــ هوفيك حبشيان 

65 فيلماً، من بين أفضل ما أُنتج في الأشهر الماضية، تشق طريقها الى "جزيرة السينما"، الليدو، منذ الأربعاء الفائت، لتجد عيوناً مراقبة وآذاناً صاغية ملقاة عليها من اهل الصحافة والمهنة والمشاهدين المتوافدين من كل أنحاء ايطاليا. السؤال: كيف تكون الدورة الأخيرة تحت ادارة ماركو موللر، الذي أعلن ان السينما مكّنته من الانتماء الى العالم!؟

هذا العدد فقط في التشكيلة الرسمية، أما خارجها فالمجال لا يتسع هنا لتعداد العناوين. انها مسابقة على تمثال يجسد ملك الغابة، انها سلّة عروض، انه ديكور رومنطيقي فريد للاستمتاع والعمل ولقاء صنّاع الأفلام والآمال المنبعثة من قلوبهم. كلٌّ منّا يستطيع ان يسمّي "موسترا (معرض) البندقية" كيفما يشاء، وأن ينعتها كيفما يحلو له، فالتسمية لن تغير الكثير في حجم الكيمياء الذي سيتولد بين المهرجان ومَن يأمل بمجيئه الى هنا أن يحلّق عالياً في فضاءات الفنّ السابع. ولا سيما هذه السنة، حيث الرهانات عالية جداً والأعصاب مشدودة والأنظار متجهة نحو مدير هذا المهرجان السينمائي الأبعد زمنياً، ماركو موللر، لنرى الكيفية التي سيختم بها عهده الذي استغرق ثمانية اعوام.

تمسكوا جيداً: 5208 هو عدد الأفلام التي شاهدتها لجنة الاختيار ليستقر قرار اعضائها على 65 عملاً في الأقسام الثلاثة الرئيسية: المسابقة الرسمية (22)، خارج المسابقة (19)، وقسم "أوريزونتي" / "آفاق" (24) الذي يُعتبر مختبراً لسينما الغد، المقابل الفينيسي لـ"نظرة ما" التابع لمهرجان كانّ. نصف الأفلام المرسلة الى البندقية أفلام طويلة، والنصف الثاني موزع بين متوسط الطول وقصير. برغم كلّ ما يشهده العالم من أزمات اقتصادية وسياسية وأخلاقية وبيئية، فالانتاج السينمائي الى صعود ولا يهدأ. صنّاعه مؤمنون بضرورة كشف المستور، ويتفاعلون مع شؤون الدنيا والمستجدات، التي سرعان ما تتحول نصوصاً مصورة، ولا يقفون مجرد متفرجين سلبيين لما يدور من حولهم. فمن ميدان التحرير الذي يحضر في فيلم تامر عزت "تحرير 2011" الى الإسلام المتزمت الذي يقاربه الفرنسي المولود في المغرب فيليب فوكون في جديده "الاضمحلال"، مروراً بـ"حياة بلا مبادئ" لجوني تاو الذي يهتم بانعكاس الأزمة الاقتصادية على حياة البشر، فمهرجان البندقية لا يدير ظهره الى ما يجري في عالمنا اليوم. ثم ان الأرقام التي اعلنها تدلّ على تلك الحيوية. فعدد الأفلام المرسلة هذه السنة ازداد نحو ألف فيلم مقارنة بالعام الماضي. في المقابل، بقي عدد الأفلام المختارة هو هو.

خاصية الدورة أنها الأخيرة لماركو موللر. المدير الذي أعاد الى البندقية بعضاً من الروح، ومعها أفكاره وتطلعاته وامتداداته الثقافية، التي كانت بدأت تتلاشى في عهد موريتز دو هالدن. لا بدّ من التذكير هنا بأنه جرى تمديد عهده عام 2008 لأربع سنوات جديدة. ولا نعرف اذا كان ممكناً تمديده مرة ثالثة. لكن ما من اسماء جديدة مرشحة الى الآن. والرجل، الذي لم يكن متحالفاً مع الحكومات البرلوسكونية التي تعاقبت خلال عهده بل على عكس ذلك، فرض الاحترام من كل الجهات، وجعل من موضوع بقائه أو رحيله شغل المهرجانيين الشاغل. وهؤلاء لم يتأخروا في اعطائه المكان الأبرز في لائحة مديريهم المفضلين. موللر هو ايضاً الاداري الفذّ الذي استطاع ان ينتشل المهرجان من براثن التسييس الباهت.

أياً يكن المستقبل الذي ينتظر المهرجان، مع موللر أو من دونه، فالرجل وجّه كلمة مهمة على الموقع الالكتروني للموسترا، في ما يشبه "الوصية"، قائلاً فيها ان هدف المهرجان البقاء على حاله، وانه، باختصار، يريد للصور ان تبهر المُشاهد، تجعله يحلم ويشغل تفكيره في آن واحد، مضيفاً: "(...). معاصر لا يعني بالضرورة آنيّاً (...). عندما تُفهم السينما كمصدر قوة، كمجموع من الطاقات، فهذا يخلق طريقاً جديداً في الشعور والتلقي. لهذا السبب نقول أحياناً عن مخرج فلاني وفيلمه، انهما معاصران لزمننا، ذلك انهما يتناسبان مع النحو الذي نشعر به مع معاصرينا".

تأخذ كلمة موللر شكل بيان تأسيسي عندما يقول ان السينمائيين الذين يبلورون افكاراً جديدة وغريبة ليسوا دائماً موضع ثقة، معلناً انحيازه، على طريقة أنصار "سياسة المؤلف"، الى الخلاّقين الذين يعملون دائماً على الأفكار عينها. بالنسبة إليه، سينمائيين راحلين من أمثال روبرتو روسيلليني ونيكولاس راي أكثر معاصرة لنا من بعض الذين لا يزالون ناشطين اليوم. انطلاقاً من هنا، يطرح موللر فكرة أننا لا نزال في حاجة الى هذين المخرجين كي نفهم العالم كما هو عليه في 2011. يقول: "بالنسبة الى البعض منّا (وأنا منهم)، تاريخنا الشخصي يختلط مع تاريخ الأشكال وفصول السينما. هذا الفنّ تبنّانا، نحن الذين كنا يتامى اليقين والحقائق، وقدم إلينا مكافأة عظيمة: الشعور بأننا ننتمي الى العالم".

هذا كله يندرج في سياق تحديثي سيتيح للمهرجان أن يسلك شيئاً فشيئاً درب الخروج من الترهّل الذي يعاني منه على صعيد البنى التحتية، بعدما بدا واضحاً انه مُسانَد من وزارة الثقافة. أهم هذه الأعمال: اعادة هيكلة الصالة "غراندي"، وفق طراز هندسي جديد يحافظ على جانبها "الأربعيني" لكن، وفي الحين نفسه، يتناسب مع المتطلبات التقنية للعرض. أعمال أخرى، من تحديث وتوسيع وترميم وتخصيص أماكن اقامة للطلاب وتسهيل تنقل الضيوف، في انتظار الـ"موسترا"، في السنوات المقبلة. لكن المشروع الأب، يبقى تشييد المبنى، بالقرب من القصر، والذي تحول دخول مقر البندقية بسبب الاشغال فيه، ثكنة عسكرية، الداخل اليها مفقود والخارج منها مولود. بيد ان المشروع مؤجل ريثما ينوجد حل لمادة الأميانت التي تم العثور عليها في ورشة البناء.

تبقى أفلام الدورة 68، يعني أهم ما في المسألة. ما جديد البندقية هذه السنة؟ الأسماء براقة ومعروفة ومنتظرة. منهم مَن يواظب على المشاركة في المهرجان، وآخرون يحلون ضيوفاً عليه لمرة أولى. دائماً في البرنامج الرسمي، نجد 35 بلداً مشاركاً. الولايات المتحدة تأتي بأكبر عدد من الأفلام (12 فيلماً طويلاً في الأقسام الرسمية)، يليها البلد المضيف الذي يقدم ثمانية شرائط. العدد نفسه هو الأفلام الآتية من فرنسا، تتبعها المملكة المتحدة بخمسة أفلام. أما بقية البلدان، فكلّ واحد منها يشارك بفيلم أو اثنين أو ثلاثة حداً اقصى.

نجوم هذه الدورة ليسوا قلائل. هناك أولاً السينمائيون الجهابذة، أصحاب الباع الطويل في السينما. أسياد مهرجانات وسمعة عريقة: رومان بولانسكي، فيليب غاريل، ديفيد كروننبرغ، ألكسندر سوخوروف، أبيل فيرارا، جوناتان ديمي، ايرمانو أولمي، وليم فريدكين، وآخرون. نكتفي بالأسماء وبالتأكيد سنعود الى كلّ فيلم من أفلام هؤلاء على حدة. قبالتهم يقف جيلٌ أثبت قدراته، وبات يعوَّل عليه للفوز بسينما حقيقية تنبذ الاستسهال والخفة: اندريا أرنولد التي تقدم نسخة جديدة لأحد كلاسيكيات الأدب البريطاني "مرتفعات ويذرينغ" لأميلي برونتي، وكان سبق للسينما الأميركية أن أفلمت ذلك في عمل شهير لوليم وايلر (1939). مشروع يبدو من بعيد كتحدٍّ تتولاه مخرجة "حوض الأسماك" البديع. تود سولوندز، فضّاح خفايا العائلة الأميركية وصورتها اللماعة، يتجاور في هذه الدورة مع واحد من اشطر سينمائيي جيله ستيفن سادربرغ (خارج المسابقة) صاحب الافكار الغزيرة والمتنوعة، الذي شكّل ظاهرة كونه نال "السعفة الذهب" عن فيلمه الأول "جنس، أكاذيب وفيديو"، قبل أكثر من عشرين عاماً، وكان الأصغر سناً من بين كل الذين نالوا الجائزة العظيمة.  

امير نادري، الايراني المجنون، المنفي طوعاً من طهران منذ سنوات، والذي يعمل خارج الاطر التقليدية (فيلمه السابق انتجه بمال مقامرين)، يعود بعد ثلاث سنوات، بـ"اقطع"، من انتاج ياباني، في افتتاح قسم "أوريزونتي". زميله ايمانويل كرياليزي، الايطالي الممتاز، من الرعيل الذي ينير عتمة السينما الايطالية ويضم ماتيو غاروني وفينشينزو مارا وباولو سورينتينو. وهناك ايضاً، وخصوصاً، البريطاني ستيف ماكوين الذي اقتحم نهائياً ميدان الكبار مع فيلمه "جوع" (أو "إضراب عن الطعام") قبل ثلاثة اعوام في مهرجان كانّ السينمائي. اذاً، المشهد من هنا يبدو ملوناً، قاسياً، مزهواً، حافلاً بالتناقضات، لكن ليس بالوضوح الذي نتأمله. ومَن يعرف مهرجان البندقية يعرف انه قائم على خليط عجيب من الـ"غلامور" وسينما طليعية صافية. فالمهرجان انطلق مساء الأول من أمس، وعلى مدار الأيام التسعة المتبقية، ستتكون الآراء النقدية حول دورة، من الصعب ادراك اي شيء عنها حتى هذه اللحظة. لكن الأكيد ان هناك بعض المفاجآت خلف الستار الجامد للأسماء والعناوين. هذا كله سيمشي دربه المعتاد تحت عين دارن أرونوفسكي، رئيساً للجنة التحكيم، الذي نال عام 2008 جائزة "الأسد الذهبي" عن فيلمه "المصارع".

حذار الهامش! هذا الهامش الذي قد يتحول متناً. فهناك على الأقل اثنان في المسابقة الرسمية كانا أثارا حماسة عند عرض أعمالهما السابقة. أولهما الاسرائيلي ايران كوليرين الذي عرفناه من خلال "زيارة الجوقة الموسيقية". وها انه يعود مع "التبديل". أما زميله في الهامش المحبب، فليس أقل من الرجل الذي أنجز "أنياب كلب": اليوناني يورغوس لانتيموس. وكيف من الممكن الا نأتي على ذكر مارجان ساترابي التي ستخوض هنا الامتحان الأكبر، وهي تستعد لعرض تجربتها الاخراجية الثانية بعد "برسيبوليس" الذي اطلقها من كانّ؟ كما ان مهرجان البندقية استطاع في دورته الحالية أن يعيد الى الواجهة الممثل الكبير آل باتشينو، ليس تمثيلاً بل اخراجاً، في "سالوميه"، وهو فيلمه الثالث.

لا نعرف، حتى الآن، ما السبب الحقيقي، خلف اختيار آخر اعمال مادونا، في تشكيلة تغلب عليها الرصانة. الفيلم، للتذكير فقط، الثاني لها بعد "حقارة وحكمة" (2008). فهل هو مجرد اهتمام بموضوع "يشدّ" (حكاية رومنطيقية بين الملك البريطاني ادوارد الثامن واميركية اسمها واليس سيمبسون)، ام حاجة الى تزيين السجادة الحمراء بعطر النجوم وصراخ المراهقات؟ من المفترض ان يُختتم هذا العرس السينمائي الذي يستغرق احد عشر يوماً واحد عشر ليلاً على ضفاف بحر الأدرياتيك، بتكريم ماركو بيلوكيو، بعد أيام قليلة على اعلان واحد من آخر معلمي العصر الذهبي للسينما الايطالية، ايتوري سكولا، البالغ الثمانين من العمر، اعتزاله السينما، خشية "أن يتحول الى واحدة من تلك النساء المسنات اللواتي يضعن احمر الشفاه ويلبسن الكعب العالي ليبقين في رفقة الشباب".

 (hauvick.habechian@annahar.com.lb) 

ثلاثة سينمائيين في رياح الـ"موسترا"

ثلاثة معتادون على البندقية، مدينة ومهرجاناً، وعائدون اليها هذه السنة، يروون تجربتهم الانسانية والمهنية في المقال الآتي:

لا يذهب فريديريك وايزمان، المشارك في المهرجان بـ"كرايزي هورس" (خارج التشكيلة الرسمية) الى التصوير بأفكار مسبقة مكونة من خلال ما قرأه هنا وهناك. يذهب مجرداً وأعزل. وهناك تبدأ المغامرة. نظريته بسيطة: لا يعرف شيئاً عن مكان لم يكن فيه. يغوص في تفاصيل ما يصوره مستخدماً عينيه واذنيه الكبيرتين، معلناً كرهه للشرح. الجمال لا يحتاج الى تفسير؛ يكفي أن تبينه، كما يردد.

"أظنّ أن الكثير من الناس يعتقدون اليوم أن إنجاز فيلم عمل سهل. في الواقع، انه لعمل مضنٍ وشائق في الحين نفسه. لا تكفي معرفة اشغال كاميرا وتمني الحظ. ما أحبّه في الوثائقي هو أنه يتطلّب مزيجاً من العمل الفكري والبدني القائم على استخدام الذكاء والحدس. أفلامي ليست جدلية. هذا ما يتردد في شأنها لكنني أخالف هذا القول. فالجدل بالنسبة إليَّ له جانب بروباغندي وأحادي النظرة. عندي اقتناع قناعة أنه من المهم أن يكون المرء عادلاً تجاه الأشخاص الذين يصورهم وتجاه من منحوه الثقة. عندما يثق بك الناس كفاية ليمنحوك هذا الإذن، يجب الا يكون فيلمك متحيّزاً لطرف دون الآخر.

يشغلني كثيراً إظهار تعقيد التجربة الإنسانية. فهي ليست جيدة ولا سيئة. لا أظن أن الأفلام تساهم في تغييرات اجتماعية، خصوصاً في الولايات المتحدة ذات المساحات الشاسعة. لا أذكر أن فيلماً أحدث تغييراً ما في أميركا. ولو كنت ارغب التوصل الى حلول سياسية لكنت دخلت معترك السياسة. لا أعرف أمثالاً جيدة عن فنانين أحدثوا تغييراً في المجتمع. لست مخرجاً وثائقياً على نسق مايكل مور. أحاول عدم إنجاز أفلام بروباغندية. لستُ ميّالاً الى الكذب والخداع. هذا لا يعني أنني لا أملك وجهات نظر سياسية ولكني استخدمها على طريقتي. اسعى الى انجاز أفضل فيلم ممكن. إذا أراد الناس أن يروا فيه رسالة سياسية فيسعهم ذلك".

# # #

أمير نادري (اقرأ المادة اعلاه) مولود في مدينة ابادان الكوزموبوليتية، يأتي من ثقافة مزدوجة حاضرة بقوة في صلب عمله، وقد تأثر، علاوة على المعلمين الأميركيين، بأنطونيوني ورونوار قبل الانطلاق في السينما في سبعينات القرن الفائت. أفلامه تشير أيضاً الى ثقافة بصرية، هي خلاصة عشقه للانطباعية. اكتشاف "موشيت" لبروسون كان مفصلاً محورياً بالنسبة اليه، لكنه تفادى التقليد خشية ان يتهم بالتعاطف مع الثقافة الغربية في بلاد، ايران، سبق ان منعت أكثر من فيلم له.

"لم أهاجر الى أميركا لأسباب سياسية. ذهبت لأنه كان فيها الكثير من الفنانين ممن يعجبني عملهم. أين يذهب المسلم عادة؟ يذهب الى مكة المكرمة. وأين يذهب اليهودي؟ يذهب الى القدس. وأين يذهب الكاثوليكي؟ يذهب الى الفاتيكان. كنت مأخوذاً بحبّ السينما. حياتي كان يملأها أورسون ويلز، جون فورد، راوول والش، هاورد هوكس، دون سيغل. وكنت أحب أيضاً كتّابا مثل ميرفيل وفوكنر. كل هؤلاء كانوا يأتون من أميركا. هؤلاء تكلموا عن الأرض والطموح. عن الطموح والعائلة. عن الطموح والمعتقدات. لكن هذا الحبّ للسينما ليس أبدياً: في لحظة من اللحظات تقول لنفسك لا يمكن أن يكون الحب الحافز الوحيد. وأميركا بالنسبة اليّ كانت رمزاً للسينما. الآن اعيش في نيويورك. وعندما ذهبت الى فيغاس للتصوير، ذهبت بصفتي مخرجاً نيويوركياً. فالمخرج الايراني فيَّ رحل منذ زمن بعيد. قطعتُ الصلة مع جذوري الايرانية على رغم انني أحبها.

لديَّ حياة مزدوجة. كان عليَّ الانتقال من ثقافة الى أخرى، ومن عالم الى آخر. من السهل على الألماني أو الانكليزي أن يعيش في أميركا. لكن العراقي، الايراني، السوري، اللبناني، التركي، لن يجدوا السهولة نفسها. أربعة الآف سنة من الارث الثقافي تثقل كاهل فنان مثلي (…). كنت أعمل في ايران في ظروف جيدة جداً. كان لي من المال ما أريده. لكني بدأت أشعر بالملل ازاء هذه الحالة. فقررت أن أصبح مخرجاً "سنوباً" ومثقفاً. لم يكن يهمني الا مال المنتجين وايرادات شبّاك التذاكر. لكن قلت لنفسي: “لا لا لا!”. أريد تغييراً. ذهبت الى تجربة حياتية جديدة، آخذاً معي معرفتي بالحياة. هذه الحياة التي أعتقد انها متشابهة الى حدّ ما أينما كنّا (...)".

***

يعتقد ايمانويل كرياليزي (في المسابقة مع "أرض مغلقة") أنه إذا أمعن النقاد النظر، فسيجدون نقاطاً مشتركة في افلامه الثلاثة. ولكن ليس هو مَن ينبغي له أن يقول ما هي هذه النقاط.

"في فيلمي الأول أتحدث مثلاً عن الهجرة، وكذلك الأمر في فيلمي الثالث. وأميل الى وصف عالم ليس العالم الذي نعيش فيه. هو دائماً عالم شخصي، وفي أعمالي دائماً تشويه لرؤية الواقع. لذا أنا في حاجة الى إنجاز الأفلام من أجل الخروج من الواقع الذي لا أفهمه. كفرد، أشعر بغضب لا يقاس إزاء العالم الذي أعيش فيه، والسينما تساعدني على الخروج الى عالمي الخاص قليلاً، وليس على الهرب من الحاضر، بل لإعادة تفسيره تفسيراً آخر. لذا تشكل السينما حياتي كلها. لا أستطيع أن أقسم نفسي رجلاً ومخرجاً، فالاثنان هما الأمر نفسه بالنسبة اليَّ.

في نظري، قبول الآخر مشكلة عالمية وليست ايطالية فحسب. وأفلامي تتحدث عن ذلك. قبل 50 أو 70 عاماً، كان الرجل في حاجة الى الآخر للعمل والعيش. ونحن نميل أكثر فأكثر الى الانعزال والى الحصول على وسائل للانتاج والعمل بعزلة تامة. تواصلنا وهمي وليس حقيقياً، وهنا تدخل مشكلة عدم تقبل الآخر. نراه منافساً وليس جزءاً منا أو شخصاً نحتاج اليه للعيش. من دونه، من يشهد لوجودنا على الأرض؛ كيف نعيش منعزلين؟".

هـ. ح 

كلوني نجم "ايطالي" يكتفي بالسينما!

كانت الساحة الخارجية لقصر المهرجان أول من أمس حافلة بالناس كالعادة. والجميع في انتظار الساعة السابعة مساء، موعد افتتاح الدورة الـ68 وصعود فريق فيلم "الخامس عشر من آذار"، وفي مقدمهم مخرجه وممثله جورج كلوني. أكثر النجوم الأميركيين حباً لإيطاليا، لمطبخها وفتياتها، حضر، كما تردد، بالحافلة، مباشرة من بحيرة كومو حيث يملك مسكناً كبيراً. ويبدو انه بعد انفصاله عن حبيبته اليزابيتا في حزيران الماضي، قرر كلوني قضم الحياة بأسنانه كلها، اذ ترافقه الى البندقية هذه المرة مجموعة أصدقاء يتجاوز عددهم العشرين، لا ينوون الا الخير لعزيزهم جورج. وخشية ان يتحول طريدة البابارازي والمتطفلين، فضّل أن يقطن فندق تشيبيراني، الواقع على جزيرة يصعب الوصول اليها لـ"الناس العاديين".

في رابع أفلامه كمخرج، يلاحق كلوني "من الداخل" مرشحاً ديموقراطياً للانتخابات. اذا كان هذا الفيلم يعكس ميلاً واضحاً لدى الـ"بلاي بوي" الفذّ الى اقتحام خفايا السياسة الأميركية، فهو ايضاً يثير تساؤلات حول فنان قد يمشي على خطى رونالد ريغان يوماً ما، مع ان كلوني ينفي اي رغبة في تولي منصب سياسي رسمي، مكتفياً بالنشاطات الانسانية. وفي المؤتمر الصحافي الذي عُقد بعد عرض الفيلم، قال ان الرجل الموجود الآن في البيت الأبيض (أوباما) يفعل ما يلزم وان لا حاجة ليحلّ أيٌّ كان مكانه. ثم نكّت بالقول انه لا يحب موقعاً كهذا لأنه يرغب في تمضية بقية حياته برفقة ناس لطفاء، معلناً انه ميال الى التفاؤل برغم ان اللؤم صار يسود اليوم الحياة السياسية.

لا يستند شريط كلوني الى نصّ اصلي، بل مقتبس من مسرحية لبو ويليمون. في العرض الصحافي الذي جرى صباح الأربعاء، كانت طبيعة تلقي النقاد للفيلم أكثر ميلاً للإيجابية. يبقى أن كلوني، في الخمسين منذ أيار الماضي، ليس فقط صاحب كاريزما تغوي المراهقات والنساء الطاعنات في السنّ، انما هو ايضاً اسلوبيّ في مقاربته للأشياء، سواء على الشاشة أو خارجها، فهو صاحب بصمة، من دون ان يرتقي في الضرورة الى مستوى بعض المخرجين الذين يتسابق واياهم هنا على "الأسد الذهبي".

أما ريان غوزلينغ الذي يشارك في الفيلم فلم يحضر الى الافتتاح لانشغاله في عملية التقاط مشاهد لفيلم في نيويورك. لكن غيابه عوّضه الممثلان الكبيران بول جياماتي وفيليب سايمور هوفمان، مثلما كان لأيفان راشيل وود وماريزا توماي، تألق خاص على السجادة الحمراء.

النهار اللبنانية في

03/09/2011

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2011)