حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي الثامن والستون

من محاربى قبيلة «سيديك بالى» إلى حياة يونج وعلاقته مع فرويد

بقلم   سمير فريد

حسب «السائد» فى المهرجانات، فإن فيلماً مثل الفيلم التايوانى «محاربو قوس قزح: سيديك بالى» إخراج وى تى شينج، كان مكانه خارج المسابقة، لأنه فيلم من الإنتاج الكبير من النوع التاريخى، مثل «عمر المختار، مصطفى العقاد»، ولكن حسب «مفهوم» ماركو موللر مدير مهرجان فينسيا منذ ثمانى سنوات، فكل الأنواع فى المسابقة طالما كانت متميزة فى نوعها.

الفيلم هو أكبر إنتاج فى تاريخ السينما التايوانية، وتدور أحداثه عام ١٩٣٠ عندما تصدى ٣٠٠ من محاربى قبيلة «سيديك بالى» لثلاثة آلاف ضابط وجندى من جيش اليابان، التى احتلت الجزيرة منذ عام ١٨٩٥ حتى ١٩٤٥، وقد قمعت اليابان «الانتفاضة» بعنف، بل ولم تتردد حتى فى استخدام الغازات السامة. وهذا هو الفيلم الروائى الطويل الثالث لمخرجه، وهو إنتاج تايوانى ـ صينى مشترك، ويبدأ عرضه فى بلاده يوم ٩ سبتمبر، وليس من المتوقع أن يرضى اليابان ولا حتى الصين التى تطالب بعودة تايوان إليها.

فرويد ويونج

فنان السينما الكندى العالمى الكبير دافيد كروتنبرج هو أحد أضلاع المثلث الذهبى الذى وضع السينما الكندية على خريطة السينما العالمية منذ ثلاثة عقود مع دنيس أركان وآتوم إيجويان، ويتميز كروتنبرج بمساهمته القوية فى سينما ما بعد الحداثة، خاصة فى تحفته «تصادم» عام ١٩٩٦وميله إلى التوغل داخل النفس البشرية، ولذلك لم يكن غريباً أن يعبر فى فيلمه الجديد «منهج خطر»، الذى يعرض فى مسابقة المهرجان باسم ألمانيا، عن حياة كارل جوستاف يونج وعلاقته مع فرويد، وكلاهما من مؤسسى علم النفس الحديث. وكما هو معروف، لم يعد التفكير فى الإنسان والعالم بعد فرويد كما كان قبله.

هذا هو الفيلم الثانى الكبير عن علماء النفس بعد الفيلم الأمريكى «فرويد» الذى أخرجه جون هيوستون عام ١٩٦٢، ومثل فيه مونتجمرى كلينت دور فرويد، وكما كان سيناريو فيلم هيوستون من تأليف جان بول سارتر، جاء سيناريو فيلم كروتنبرج من تأليف كريستوفر هامبتون، وهو من كبار كتاب المسرح البريطانى المعاصر، وله دور بارز فى السينما ككاتب سيناريو ومخرج، وقد كتب الفيلم عن مسرحية من تأليفه حيث مثل دور يونج على المسرح الممثل الكبير رالف فينيس.

تدور الأحداث عشية الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ ـ ١٩١٨) بين زيورخ حيث يعيش ويعمل يونج، وفيينا حيث يعيش ويعمل فرويد، وذلك فى الفترة من ١٩٠٤ إلى ١٩١٣ ويكشف عن دور سابين سبيليرين فى حياة يونج وفرويد معاً، ويبدأ بها الفيلم وهى تنقل إلى المستشفى مصابة بالهيستيريا حيث يعالجها يونج، ويرتبط معها بعلاقة جنسية تكشف عن مازوكيتها (حب التعذيب) وينتهى بها وقد أصبحت من علماء النفس بدورها، ويونج لا يدرى هل أصبح مريضاً، ولكنه يحلم بـ«الدماء فى أوروبا».. وفى الفيلم محاورات ممتعة بين فرويد الذى يقول إنه مثل كولومبس، لم يكن يعرف عندما بدأ ماذا سوف يكتشف، ويونج الذى يرى أنه لا شىء فى العالم يحدث مصادفة، وإنما هناك دائماً سبب محدد، وفى مجلس جامعة فيينا يدور حوار حول موسى وإخناتون ويؤكد يونج أن إخناتون كان أول الموحدين.

وكل مشاهد الفيلم موثقة بالتواريخ باليوم والشهر والسنة ويقدمه السيناريو على المراسلات المنشورة بين الثلاثة (فرويد ويونج وسابين)، والحقائق المنشورة عن المريض أوتو جروس الذى أرسله فرويد إلى يونج، ولكن الفيلم ليس «تاريخياً» رغم ذلك، وإنما فيلم «فكرى» أى يثير عقل المتفرج، ويدفعه إلى التأمل بعمق.

اختار كروتنبرج الأسلوب «الكلاسيكى» لإخراج الفيلم، وهو اختيار موفق تماماً، لسنا أمام «تحفة» ولكن عمل فنى كبير سوف يبقى فى تاريخ السينما، مثل أغلب أفلام جيرمى توماس وهو منتج من الطراز الرفيع النادر فى السينما العالمية، ومثل كل مخرج فنان سينما كبير يعمل كروتنبرج مع مجموعته الفنية الأثيرة، مثل مدير التصوير بيتر شوشتيزكى، والمونتير رولاند ساندرز، والموسيقى هوارد شور.

وفى الفيلم مباراة أخرى رائعة فى التمثيل بعد مباراة الأربعة الكبار فى فيلم بولانسكى «مذبحة» بين كيرا نايتلى فى دور سابين، ومايكل فاسبندر فى دور يونج، وفيجو مورتينسين فى دور فرويد، والذى قدمه كروتنبرج إلى السينما العالمية فى أغلب أفلامه فى السنوات الأخيرة.. ونايتلى فى دور سابين مرشحة بقوة للفوز بجائزة أحسن ممثلة.

تحيا الأرض

وخارج المسابقة، عرض الفيلم التسجيلى الطويل «تحيا الأرض» إخراج فيكتور كوساكوفسكى باسم ألمانيا أيضاً، ومخرجه من كبار مخرجى السينما التسجيلية فى روسيا فى عصر ما بعد حل الاتحاد السوفيتى.. وقد أخرج أول أفلامه عام ١٩٨٩ ومن أشهرها «الأربعاء ١٩ يوليو ١٩٦١» عام ١٩٩٧ عن الـ٧٤ شخصاً الذين ولدوا فى هذا اليوم فى مدينة ليننجراد (الآن عادت سان بطرسبرج) مع المخرج!

«تحيا الأرض» الترجمة الصحيحة لعنوان الفيلم عن الإسبانية حيث يبدأ فى الأرجنتين ثم فى الصين، ثم فى شيلى وروسيا، وفى هاواى وبوتسوانا، وفى نيوزيلندا، وإسبانيا، أى فى كل قارات الأرض، مصوراً الحياة فى القرى والمدن المختلفة فى هذه البلاد بكل اختلافاتها وتناقضاتها، بين الفقر والثراء، والزراعة والصناعة، والحياة الطبيعية والحياة على حساب الطبيعة، وبين الزحام والخلاء، على ذلك الثلث من الأرض الذى يعيش عليه البشر، فثلثا الكرة الأرضية مياه الأنهار والمحيطات.

وينتمى هذا الفيلم إلى ما يمكن أن نطلق عليه سينما الكرة الأرضية التى ابتكرها فنان السينما الأمريكى الكبير جود فرى ريجو فى فيلمه «الحياة على الأرض» الذى عرض فى مهرجان برلين عام ١٩٨٨، وكان الجزء الأول من ثلاثيته الفريدة فى تاريخ السينما، وعرض الثانى فى فينسيا ١٩٩١ والثالث فى فينسيا ٢٠٠٢ وهى السينما التى تتمثل أيضاً فى «بركة» إخراج رون فريكى.

ولكن الفيلم الذى أخرجه وصوره وقام بمونتاجه كوساكوفسكى ـ ومن البديهى أنه من دون سيناريو مسبق ـ لم يأت على نفس مستوى الأصل (ثلاثية ريجو) ففى الأصل استخدام لما تتفرد به لغة السينما، حيث ننتقل من قارة إلى أخرى فى أقل من ثانية بالمونتاج وليس هناك تعليق ولا حوار ولا شخصيات، وإنما صور وموسيقى فيليب جلاس، أما هنا فنحن أمام مجموعة من الأفلام التسجيلية القصيرة عن ثمانية بلاد فى أربعة أجزاء، وكل جزء منها عن بلدين، وهناك شخصيات حقيقية فى كل فيلم تتبادل الحوار مثل أى فيلم تسجيلى، ومقارنات فى مونتاج متواز وليست لها دلالات شاملة. هناك لقطات جميلة ولكن لا شىء أكثر من ذلك.

samirmfarid@hotmail.com

المصري اليوم في

05/09/2011

 

«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي 5

جيسيكا شستين والموت يلمعان على شاشة المهرجان العتيد

فينيسيا: محمد رُضا  

* اليوم الخامس من مهرجان «فينيسيا السينمائي الدولي» كان حافلا بالأفلام المثيرة للاهتمام وبالنشاطات الموازية. لكنه جاء أيضا كما لو كان احتفاء بالموت. عدد من الأفلام تعاملت مع موضوع الموت من زوايا مختلفة، وأحدها حفل بأكثر من ستة ملايين وفاة في فيلم يفتح العين على أنه إذا ما انتشر فيروس ما لا دواء ضده، فإن الضحايا هم أكثر من مجرد بضعة مئات، كما حدث في السنوات القريبة الأخيرة.

في البداية، وفي الصباح المتثاقل، تم عرض أفضل أفلام المسابقة إلى الآن. الفيلم الجديد لستيفن سودربيرغ وعنوانه «عدوى». يفتتح بغوينيث بولترو وهي تسعل وتخرج من الفيلم وأنت تحذر أن تسعل حتى لا يعتقد من حولك أنك التقطت عدوى.

ما بين البداية والنهاية أكثر من إحدى عشر مليون قتيلا، بسبب عدوى لم يعرف فيروسها أحد، وسبعة أشهر من السعي لفهم ماهية هذا المرض العضال، وكيفية التغلب عليه. ما يقدمه المخرج المعروف سودربيرغ هو فيلم كوارثي، مثله في ذلك مثل أي فيلم كوارثي من تلك التي تتحدث عن نهاية العالم القريب بفعل وحوش فضائية أو طوفان بحري أو فيروس قاتل، الفارق الأهم هو أن هذا الفيلم يخلو من المؤثرات الخاصة والرغبة في التحول إلى عرض سينمائي وهاج ومدوٍ تتساقط فيه ناطحات السحاب أو تتصاعد فيه مياه المحيطات لتغطي اليابسة وتطمر المدن. كذلك يحرص على عدم استخدام الفيروس عذرا لصنع فيلم رعب نرى فيه الضحايا وقد تحولوا إلى «زومبيز».

لكن ما يصنعه سودربيرغ من فيلمه لا يقل إرعابا، وذلك لأنه بتحوله عن المجاني والمتوقع أنجز ما هو قابل جدا للتصديق. في حقيقته هو دراما واقعية حول فريقين أساسيين من الناس؛ فريق يهوى ضحية الفيروس وفريق آخر يحاول إيجاد العلاج وبينهما شخصيات أخرى تتخبط في قراراتها وجماعات من الناس سوف تقدم على القتل والسرقة إذا ما وجدت نفسها محاصرة.

ليست هناك قصة من ألف إلى ياء، والنهاية بحد ذاتها ليست جوابا على ما هو مطروح. ما هناك هو انتقال بين شخصيات ومواقع ومفارقات وعلاقات. شيء كان سودربيرغ عمد إليه سابقا حين أخرج «تجارة» أو «Traffic»، لكنه هنا يعمد إلى ذلك بسلاسة أفضل جاعلا من معالجته نموذجا لمن يريد أن يحتذي به (التفاصيل أدناه).

الحياة حلوة بفضل جيسيكا على عكسه تماما في كل شيء فيلمان آخران هما اليوناني «الألب» ليورغوس لانتيموس و«دجاج مع خوخ مجفف» لمرجان ساترابي وفنسنت برانو. وربما تتذكر هذين الاسمين من فيلميهما الكرتوني السابق «بيرسبوليس»، الذي نال نجاحا لافتا لبضعة أسباب؛ أحدها أنه عكس رأي المشاهدين في كل مكان في القمع السلطوي الإيراني.

في «الألب» تلعب الدراما الداكنة حول توظيف الموت لخدمة مؤسسة تقوم على توفير بديل مؤقت لمن فقد عزيزا في أسرته. أما في «دجاج مع خوخ»؛ فهو كوميديا تتحدث عن العازف الموسيقي ناصر علي (إيراني) الذي حاول فهم معنى الحياة وعاصر وضعا اجتماعيا لم ينجح في احتوائه، فأخذ يفحص سبل انتحاره. إنه فانتازيا تخلط السيرة باتجاهات خيالية ومشاهد كاريكاتيرية، على الرغم من أنه ليس فيلم «أنيماشن»، كما كان حال الفيلم السابق لمخرجيه.

في مقابل هذا الحديث عن الموت، هناك الحياة الجميلة متمثلة بالممثلة جيسيكا شستين التي يحاول الجميع معرفة من أين جاءت هذه الممثلة مندفعة مثل تيار هوائي منذ أن قدمها ترنس مالك في «كان» عبر فيلمه الأعجوبة «شجرة الحياة» في «التجأ» Take Shelter «الدَين» The Debt و«المساعدة» The Help.

يوم الجمعة تم تقديمها بجائزة خاصة من المهرجان باسم «جائزة غوتشي للمرأة في الفيلم» قامت المخرجة مادونا بتقديمها لها وسط احتفال إعلامي حاشد. هذا لا يعني أن الممثلة باتت معفاة من أن تتنافس على جائزة أفضل ممثلة (عن دورها في الفيلم المقبل «حقول القتل التكساسية»)، بل ربما عزز هذا موقفها ولو إلى حد معين.

كما في فيلمين معروضين هنا هما «وايلد سالومي» (أو «سالومي حسب وايلد») Wilde Salome و«حقول القتل التكساسية». فهذه الأفلام هي دائما جيدة. ليس من هفوات في حرفتها وليس من ضعف في تمثيلها. أكثر هذه الأفلام سذاجة «المساعدة» لكنها تنجو من سخافة النص، وأكثر هذه الأفلام بعدا عن شخصيتها الفنية «الدين»، لكنها تقوى على التوقعات المناطة بها.

في أفضل أدوارها التي شاهدناها حتى الآن، هي شابة متألقة؛ سواء أكان ذلك في سموها النفسي في فيلم مالك «شجرة الحياة» أو في تجسيدها شخصية سالومي في تلك المسرحية التي وضعها أوسكار وايلد وتناولها آل باتشينو في فيلم جديد.

في الميزان هناك صراع حياة أو موت بالنسبة لمستقبل المهرجان بعد ماركو موللر الذي ينجز نهاية عقده هذه السنة. لكن هذا الصراع سيتبلور أكثر خلال الأيام القليلة المقبلة حيث يردد صحافيون إيطاليون أن الحكومة الإيطالية التي تدعم البيانيللي (وهي المؤسسة الفنية الثقافية التي تشرف على هذا المهرجان) لم تكن ترغب في مهرجان يخرج من نطاق سيطرتها ويكبر حجمه إلى حيث لا تستطيع تمويله، كما هو الحال هنا. حقيقة هذا الأمر يتطلب بحثا، لكن بصرف النظر عن النتيجة فإن هناك من يتوقع انكفاء في السنوات المقبلة، إلا إذا وافق مولر علي البقاء، وهذا مرتبط بإذا ما تقدمت له إدارة البيانيللي بالطلب أصلا.

1. Jessica Chastain.jpg جيسيكا شستَين 2. Chicken with Prunes.jpg من: دجاج مع خوخ مجفف

* مفكرة

* الغياب العربي مرة أخرى

* يؤكد اثنان من مبرمجي الأفلام العربية في اثنين من أهم المهرجانات السينمائية التي تقام في العالم العربي، وهما دبي وأبوظبي، أن هناك الكثير من الأفلام العربية الجيدة المتاحة هذا العام؛ انتشال التميمي، مبرمج الأفلام العربية في مهرجان أبوظبي، وعرفان رشيد مبرمج الأفلام العربية في مهرجان دبي يؤكدان، كل بمنأى عن الآخر، أن السينما العربية هذا العام في حالة جيدة. عرفان رشيد يضيف هزة رأس، مؤكدا، ولو أن كليهما لا يكشف عن عناوين وأسماء لأسباب معروفة.

هذا ما سيترقبه المرء في الحقيقة. المهرجانان المذكوران بالإضافة إلى مهرجان الدوحة السينمائي الكامن في منتصف الطريق بينهما، يعتمدان، على عكس مهرجان مراكش، على إنتاجات السينما العربية، وما يعرض في دبي يختلف عما يعرض في أبوظبي، والعكس بالعكس صحيح. ما يعني أن المهرجانين المذكورين، على الأقل، سيحتاجان إلى قدر كبير من الأفلام لملء أيامهما السينمائية.

لكن السؤال الدائم هو: إذا كان هناك كثير من الأفلام العربية الجيدة، لم لا نرى منها شيئا يُذكر على شاشات المهرجانات الدولية؟

نعم، هناك فيلم آخر من المخرج محمد الدراجي عنوانه «أمي»، وفيلم رضا الباهي «دائما براندو»، وفيلم وثائقي من مصر بعنوان «تحرير»، وكلها معروضة في تورونتو (فقط «تحرير» يُعرض في فينيسيا أيضا)، لكن ماذا عن «كان» الماضي و«فينيسيا» اليوم و«برلين» الغد؟ بل - وفي الأساس - ماذا عن وجود فاعل يحتل مساحات دائمة في المهرجانات الدولية، ويفوز بالجوائز؟! لماذا علينا أن نسقط أرضا مترنحين تحت تأثير وجود فيلم فلسطيني من هنا ولبناني أو مصري أو مغربي من هناك يتسلل إلى مهرجان ما مرة كل عام، فنعتبر ذلك نصرا للسينما العربية، ويستل الكتاب أقلامهم ويعرضون ويستعرضون مرات ومرات.

300 مليون نسمة في العالم العربي أكثر من 60 في المائة منهم من دون الثلاثين، ولا توجد عشرة أفلام من دول هذا الجزء من العالم تستطيع الاعتماد عليها لتشكيل حركة دائمة ومتعافية؟

كل شيء يبدأ بالتكوين، وتكوين السينمائيين العرب ليس إبداعيا. ناهيك عن المشكلات المتراكمة الاجتماعية والاقتصادية، هناك قلة اعتبار لما تستطيع السينما القيام به من إنجازات في الميادين كاملة.

يوم أمس، حين بوشر عرض «عدوى»، فيلم ستيفن سودربيرغ الجديد، حاملا قبل العنوان اسم شركة «إيماجناشن» مصحوبا بكلمتي «أبوظبي» بالإنجليزية، شعرت بأن جزءا مما يطالب الناقد به من دخول السينما العربية الإنتاجات الدولية عبر أسماء فنانيها الكبار، وهي دعوة عمرها سنوات، قد تحققت. لكن وعلى الرغم من صناديق الدعم، فإن تكوين السينمائي الجديد القائم على الثقافة والخروج من التقليد البصري والذهني لا يزال مشكلة. على ذلك، لنا أن نتصور ما كان الوضع سيكون عليه لولا هذه الصناديق الداعمة.

كل هذا ويُقال لنا إن السينما العربية بخير وأفلامها الجيدة متوفرة ووفيرة، وأن المشكلة هي أننا نطالب بالكثير.. بالكثير؟ 123 سنة على إنجاز أول فيلم (سنة 1888) ولا تزال السينما العربية عاجزة عن تكوين واجهة أو صناعة (باستثناء الفترة الذهبية للفيلم المصري) أو، على الأقل، حيز إبداعي ملموس يفرض نفسه على المشهد السينمائي العالمي.

* بين الأفلام

* «Wilde Salome» إخراج: آل باتشينو مع: آل باتشينو، جيسيكا شستَين الولايات المتحدة - خارج المسابقة

* سيعمد بعض النقاد لاعتبار هذا الفيلم وثائقيا؛ كونه يتحدث عن المخرج والممثل آل باتشينو ومحاولته إخراج مسرحية مقتبسة عن نص أوسكار وايلد مصحوبا بفيلم سينمائي عنه، وعن محاولته تلك. لكن في أفضل الحالات، هو فيلم تسجيلي (تسجيل الشيء ليس كتوثيقه) مرتب، مما يصلح معه القول إنه فيلم يروي، وبالتالي، وفي جانب منه على الأقل، روائي.

العنوان متلاعب من حيث إن كلمة Wild وحدها تعني «متوحش» وبذلك فإن معنى العنوان نفسه يصبح «سالومي المتوحشة»، لكن Wilde هو اسم الشاعر والكاتب أوسكار وايلد وبالتالي فإن العنوان يصبح: «سالومي حسب وايلد». في الواقع فيلم باتشينو هو أكثر من ذلك، وتبعا لوصف يطلقه في مطلع الفيلم، هو رحلة ثلاثية: في المسرحية وفي كاتبها وفي شخصية مخرج الفيلم باتشينو نفسه.

في النهاية، ها هو باتشينو يرتدي غطاء رأس قد يكون شبيها بغطاء رأس الملك حيرود فوق بذلة عصرية ويمشي في صحراء ماهوفي في كاليفورنيا، وقد قرر أن شيئا لا يزال ينقص الفيلم (كما يقول لمنتجيه في المشهد السابق). ما يفعله هذا المشهد هو أنه يعيد لمن شاهد فيلم باتشينو السابق «البحث عن رتشارد» ما يتفاعل في ذات هذا الفنان من أهمية البحث عن نفسه ودوره. رسالة نجدها في أكثر من فيلم أو نسمعها معلنة من أكثر من مخرج هذه الأيام.

صنعة باتشينو هنا، ونظرا لما يريد إنجازه، مركبة ولا تخلو من الصعوبة: إنه بحث بالفعل على أربع جبهات. هناك الذاتي حيث يحاول باتشينو معرفة موقعه بين وايلد وشخصية الملك حيرود التي سيقوم بتمثيلها بنفسه. الجبهة الثانية هي المسرحية التي يتم تقديمها (من دون جمهور) طوال خمسة أيام، والتي سيعالجها المخرج باتشينو كحالة إنتاجية أولا، ثم، وفي ثلاثة أرباع الساعة الأخيرة، كنص مقدما ذلك المشهد من الفصل الذي يدور حول سالومي (جيسيكا شستَين) وهي ترقص لزوج أمها حيرود رقصة فاتنة، حسب النص الإنجيلي المعروف.

الجبهة الثالثة هي شخصية أوسكار وايلد حيث يوفر باتشينو هنا بحثه الخاص عن ذلك الكاتب الذي مات مبكرا (عن 47 سنة)، والذي وصف نفسه قائلا بأن شهوته العاطفية هي التي أدت به إلى تدمير حياته. وهو بذلك يتحدث عن علاقته بشاب تحولت إلى أسباب المحاكمة التي تعرض وايلد إليها في العصر الفيكتوري، مما أدى إلى الحكم عليه بعامين في السجن.

الجبهة الرابعة والأخيرة هي باتشينو نفسه. هنا تتكاثر الصور. هو كله حياة ونشاط حين نراه يبحث في حياة وايلد، وكله تعب وإنهاك خلال العمل المسرحي. وفي بعد ثالث.. كله باتشينو كما عهدناه ممثلا جديرا بالموهبة التي كانت تجلت في السبعينات، حين بدأنا نتعود على أدائه في أفلامه المبكرة. مع ذلك، هناك شيء في ذلك الأداء حين يلعب شخصية حيرود لا يبدو مقنعا أو مجسدا الشخصية بمفهومها التاريخي. حتى وإن كان هذا التجسيد يتبع نص وايلد (الذي قرأ الحكاية التاريخية بعيدا عن فحواها الإنجيلي)؛ فإن هناك مسافة بعيدة عن باتشينو المعهود وباتشينو الماثل، خصوصا أن نطقه ولحنه الموسيقي لعباراته يقتربان من الأداء الصوتي للورنس أوليفييه في بعض محاولات الممثل المسرحي الراحل تقليد شخصية ألمانية تنطق بالإنجليزية.

* Contagion إخراج: ستيفن سودربيرغ تمثيل: غوينيث بولترو، مات دايمون، جود لو، كايت ونسلت. روائي - المسابقة

* لا يبتعد ستيفن سودربيرغ عن الواقع والحقيقة كثيرا في فيلمه «عدوى»: الحياة المعقدة اليوم مهددة دائما بالفيروسات. هناك فيروسات تم الاعتقاد أنها انتهت من الحياة على الأرض لكنها عادت، وأخرى جديدة لم نسمع بها من قبل كـ«إنفلونزا الطيور» و«عدوى الخنازير» إلخ.. سودربيرغ في هذا الفيلم، الذي يقدمه سكوت بيرنز خصيصا للشاشة، يتعامل ومخاوف الناس العاديين بطريقة مثلى: عوض توظيفها لصياغة استهلاكية في فيلم كوارثي معتاد، يوظفها مباشرة لكي تصبح هي الصياغة التي يتعامل معها الفيلم. فهو يتحدث عن وباء ينتشر بالسعال وباللمس ويحصد مباشرة من جمهور مشاهديه امتناعا ملحوظا عن السعال، خلال العرض. هذا ليس للمزاح، فعادة ما تتردد في أرجاء قاعات السينما في المهرجانات كلها سلسلة سعال غير ممنهجة من مشاهدين عدة. تسمعه من مواقع مختلفة في القاعة، وعلى نحو شبه متواصل. خلال عرض هذا الفيلم ساد الحذر، فالفيلم يأخذ ما هو معتاد (سعلة خفيفة من غوينيث بولترو في مطلع الفيلم) ليتحدث عن نتائج غير معتادة وأنت، كمشاهد، لا تريد لفت النظر إليك بإطلاق سعلة «بريئة» (معظم السعال المسموع مرده الشرب أو التدخين وبعضه فيروسات كامنة). الوباء ينتشر في الفيلم، بعد لحظات من مطلع الفيلم: بولترو التي عادة تمثل وهي حية، تجد نفسها محمولة فوق سرير متحرك وتموت، وما زال الفيلم في مطلعه، في المستشفى الذي نُقلت إليه.

لكنها ستعود في صور وفي «فلاش باك»، فهي عادت من هونغ كونغ واللعبة اللامعة في هذا السيناريو الجيد المكتوب، هي أنها قد تكون مرت على شقة صديقها القديم في شيكاغو، قبل عودتها إلى منزلها الزوجي. بريء من معرفة هذا التفصيل، يهرع الزوج (مات دايمون) بها إلى المستشفى لكنها تموت على أي حال. وبعد لحظات أخرى يموت ابنها من زواج سابق. عن طريق متابعة محطات توقف الزوجة سيكتشف الزوج احتمال أن من يحب ربما كانت خائنة.

هذا الجانب يمر مثل تفصيلة (ولو مهمة) لأن الحديث الشامل هو قيام مؤسسة «U.S. Centers for Disease Control and Prevnetion» التي يرأسها دكتور شيفر (لورنس فيشبورن) بمحاولة سباق الوقت لتصنيع مصل مضاد ينقذ حياة البشرية التي تتساقط يوميا حول العالم بأعداد خطيرة. بعض نحو ثلاثة أرباع الساعة على رحيل بولترو، ترحل البطلة الثانية كايت ونسلت، التي تعمل في تلك المؤسسة لكنها تلتقط المرض العضال خلال ذلك وتموت على سريرها وهي تمد يدها لمنح مريض آخر سترتها حين تسمعه يشكو من البرد.

يتمدد الفيلم في اتجاهات متعددة لكنه لا يضيع وسطها. كل شيء محسوب بدقة والعناصر الفنية والإنتاجية أكبر رصيد له؛ إذ هي مستخدمة في ضبط نموذجي لعمل ينتقل بين الشخصيات والمفارقات في سلاسة رائعة. في القلب اتهام مبطن للحكومة، لا يقوم على نظرية مؤامرة، بل على أنه في حياة بات كل شيء محتمل فيها، ليست هناك من خطط موضوعة لمواجهة مثل هذا الوباء أو مثل هذا الطارئ أو ما يحدث كردة فعل عليه.

الشرق الأوسط في

05/09/2011

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2011)