Our Logo

  ما كـتـبـتـهأفلامدراساتروادنجومترجماتبرامج 

نشر هذا المقال في مجلة هنا البحرين في نوفمبر 1992

حسين كمال

البوسطجي

إنتاج عام

1968

بطاقة الفيلم

شكري سرحان + زيزي مصطفى + صلاح منصور + سهير المرشدي + سيف عبد الرحمن

سيناريو: صبري موسى, دينا البابا ـ حوار: صبري موسى ـ قصة: يحيى حقي ـ تصوير: أحمد خورشيد ـ مناظر: حلمي عزب ـ موسيقى: إبراهيم حجاج ـ مونتاج: رشيدة عبد السلام ـ إنتاج: شركة القاهرة للإنتاج السينمائي

عن للفيلم

شاهد مقطع من الفيلم

استمع للحوار/ الموسيقى
أكتب رأيك عن الفيلم
إقرأ آراء الآخرين

حول الموقع

رؤية نقدية

  في موضوعنا هذا، سنتحدث عن أهم أفلام حسين كمال، ألا وهو (البوسطجي ـ 1968)، حيث يؤكد حسين كمال مقدرته كمخرج صاحب رؤية فنية وفكرية، في التعامل مع التخلف الشديد الذي تعاني منه القرية المصرية.
يحكي الفيلم عن عباس (شكري سرحان)، الشاب القادم من القاهرة لإستلام وضيفته كناظر لمكتب البريد في قرية "كوم النحل" في الصعيد. والفيلم يطرح عدة خطوط درامية منسجمة ومتداخلة في بعض، إلا أن هناك خطان رئيسيان مهمان.. الأول يخص البوسطجي القاهري، والذي يعيش صراعاً حاداً بين تصوره للواقع الإجتماعي وتصور أهالي القرية المتخاف لهذا الواقع. فهو يعيش في عزلة إجتماعية قاسية ومملة، فرضها عليه أهالي القرية. وفي عزلته هذه، يحاول كسر حدة الوحدة والملل ، فيلجأ الى فتح رسائل أهل القرية، يدفعه الى ذلك حرصه الشديد لمعرفة مايدور في هذه القرية.
أما الخط الدرامي الثاني، فهو قصة حب بين فتاة من القرية (زيزي مصطفى) وبين شاب من خارجها، لذا تكون الرسائل هي حلقة الوصل الرئيسية بينهما. ومن خلال إطلاعه على رسائل القرية، يفاجأ البوسطجي بهذه العلاقة ويتعاطف معها كثيراً. إلا أنه، وبسبب خطأ غير مقصود منه، يتسبب في إنقطاع خط الإتصال بينهما، وذلك بعد أن أثمرت هذه العلاقة جنيناً غير شرعي، فتكون نتيجة ذلك مقتل الفتاة على يد والدها الصعيدي (صلاح منصور)، لمحو هذا العار. لينتهي الفيلم بلقطات قوية ومعبرة لعباس البوسطجي وهو يبكي ويقطع الرسائل وينثرها في الهواء، وذلك لإحساسه العميق بالذنب لحدوث هذه الفاجعة المأساوية.
قصة الفيلم مأخوذة عن قصة للأديب يحيى حقي بعنوان "دماء وطين"، إلا أن السيناريو إستطاع أن يحولها الى فيلم سينمائي متماسك ، به كل مقومات الفيلم الناجح ، وإن الإضافات فيه مدروسة بعناية ، ولاتشعر المتفرج بالإطالة أو الإفتعال .
يعقب حسين كمال في هذا الصدد ، فيقول: (...أنا حريص باستمرار على إبراز فكرة الؤلف ثم إضافة فكري الخاص . وفي البوسطجي قلت وجهة نظري ، في الجملة التي جاءت مع المشهد الأخير "مملكة ثانية".. ولكن لا بد أن أقدم يحيى حقي ، وإذا كانت لدي فكرة أخرى أكتبها وأقدمها للناس. وعموماً إن إختيار موضوع معين والإحساس به ثم إخراجه ، يعني إنني متفق معه...).
أما عن كتابة الفيلم ، فيقول: (...من المؤكد بأنني وجدت نفسي فعلاً في فيلمي الثاني ( البوسطجي ) ، فبعد عامين من التفكير الطويل والتأمل العميق ، كان هذا الفيلم مثل لحظة تنوير ، فقد كتبته مع صبري موسى ودنيا البابا ، دون علم صلاح أبوسيف ، ثم ذهبت اليه ، وقلت له لن أصنع إلا هذا...).
بهذا الفيلم ، إستطاع حسين كمال أن يحقق إستخداماً متقناً للمونتاج بقيادة المونتيرة رشيدة عبدالسلام ، والتي عملت معه في أغلب أفلامه فيمابعد . كذلك إستفاد كثيراً من التفاصيل الصغيرة والشخصيات الثانوية ، في إغناء الخط الدرامي الرئيسي وتعميقه . وحقق أيضاً توازناً موفقاً وملحوظاً بين السيطرة على أدواته الفنية والتقنية كمخرج ، وبين المضمون الذي يطرحه الفيلم .
ففي بيت البوسطجي ، الذي إستأجره من العمدة ، وكان مهجوراً في السابق .. هذا البيت كان يمثل سجن البوسطجي في القرية . فالبيت واسع جداً ، إلا أن جدرانه متهدمة ، والمكان مشبع بالرطوبة ، مما ساهم في إحساس البوسطجي بالكآبة ، وإنزوائه في ركن من أركان هذا البيت الكبير . كما إن الصور الإباحية التي لصقت على الجدران ، ومشهد الغازية ، إضافة الى هذا الجو القذر الذي يعيشه ، كل هذه العناصر تمثل حرمانه الإجتماعي والجنسي ، وتحول هذا الحرمان الى وسيلة خاطئة للإشباع . كذلك مكتب البوسطة ، بتكوينه وشباكه الحديدي ، يمثل سجناً آخراً والبوسطجي سجيناً فيه .
أما مشهد الإغتصاب في برج الحمام ، فيتحدث عنه حسين كمال ، ويقول: (...أنا أنفذ اللقطة أو المشهد ليعطي معنى محدداً.. فمثلاً عندما قرأت مشهد البرج في السيناريو أول مرة ، كنت أسمع طبولاً تدوي في المكان ، وبنيت تصوري للمشهد على أساس توضيف الكاميرا والموسيقى والديكور والإكسسوار لخدمة مضمون محدد . فمع الطبول قدمت سلامة ومريم بثلاث زوايا رئيسية مختلفة ، تهدف الى تعريف المتفرج بالمكان الذي يجمع بين الحمام الأبيض رمز البراءة والطهر ، في حركة متواصلة من أعلى ومن أسفل ، ثم الرجل والفتاة على أرض البرج ، وكان الميزانسين مرسوماً ، في محاولة لعجنهم مع بعض ، أو تذويبهم داخل بعض . ثم بزاوية منخفضة مع صرخة الإغتصاب ، وتسكن الحركة فجأة ، لتبلور موقف الرفض والإدانة...).
ثم يأتي مشهد المجلات الإباحية في مكتب البوسطة ، والذي أعطى فكرة سيئة لأهالي القرية عن البوسطجي ، وأستغلال هذه الفكرة لتحطيم شخصيته . وبالرغم من رفضهم لمافي هذه المجلات ظاهرياً ، إلا أن أمنيتهم هي ما بداخلها .. هنا إبراز لذلك التناقض في شخصياتهم .
يتحدث حسين كمال عن أسلوبه السينمائي ، فيقول: (...أسلوبي أستمده من العمل نفسه ، آخذ المشهد وأذوب فيه ، فالمشهد هو الذي يفرض عليّ الطريقة التي أنفذها به .. العمل المكتوب هو الذي يفرض ويحدد أسلوب المعالجة ، حيث إنني أترك نفسي له تماماً...).
إن حسين كمال، عندما أراد إخراج فيلم (البوسطجي)، سافر الى أسيوط وأقام ثلاثة أسابيع هناك، إضافة الى ذهابه الى قرية النحيلة، والتي تبعد ساعة ونصف عن أسيوط، يراقب ويتعليش مع جو الفيلم قبل البدء في الإخراج . فقد كان حسين كمال شديد الحرص على إظهار القرية بشكل واقعي صادق ، ومختلف عن الشكل الذي ظهرت فيه فيما سبق من أفلام قدمتها السينما المصرية . كذلك إستطاعت شخصيات الفيلم أن تقنعنا بمصداقيتها وذوبانها في هذا الواقع ، وكانت موازية لكافة العناصر الفنية الأخرى .
وختاماً.. ليس بوسعنا إلا الإشادة بما قدمه حسين كمال في فيلمه (البوسطجي)، والذي إستطاع من خلاله أن يحطم بعض قيود السينما التقليدية وتقديم شكل فني وسينمائي جديد ومغاير، قد وضعه في مصاف المخرجين المجددين آنذاك.

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)