سيناريو: سعيد مرزوق ـ قصة وحوار: سعيد مرزوق ـ
تصوير:
عبد العزيز فهمي ـ مناظر: عبد
المنعم شكري ـ موسيقى: إبراهيم حجاج ـ
مونتاج: عطية عبده صالح , حسين عفيفي ـ
إنتاج: عبد العزيز فهمي
في مقالنا هذا ، سنتوقف
كثيراً أمام فيلم هام ، يعد من بين الأفلام القليلة ـ بل والنادرة ـ التي
مازالت حاضرة في ذاكرة الجمهور والسينما على السواء . فيلم مازال يحتفظ
بنفس البريق الأخاذ ، ويشكل بحق علامة بارزة في تاريخ السينما المصرية .
فيلمنا هذا الأسبوع هو( زوجتي والكلب ـ 1971) للمخرج سعيد مرزوق .. هذا
الفيلم ، الذي أحدث إنقلاباً فنياً خطيراً في موازين لغة السينما المصرية
آنذاك ، فقد إستطاع سعيد مرزوق ـ بهذا الفيلم ـ أن يحطم الكثير من قيود
وتقاليد السينما المصرية المتوارثة منذ بدايتها ، وقدم فيه مستويات جديدة
في اللغة السينمائية ، من سيناريو ومونتاج وتصوير وإخراج .
وقبل الحديث عن هذا الفيلم ، لابد لنا من التعرف على مخرجه ، ولو بشكل موجز
. فالمخرج سعيد مرزوق إسم كبير في عالم الإخراج السيننمائي في مصر ، إستطاع
أن يجد له مكاناً مرموقاً بين أساتذته وزملائه المخرجين ، وأثبت بجدارة
موهبته وقدراته الفنية ، وذلك بأسلوبه المتميز والواعي لماهية وحرفية
السينما ، والذي بدا من خلال أفلامه القليلة، حيث حملها رؤية فكرية وفنية
قيمة وواعية .
وسعيد مرزوق ، لم يدرس السينما على يد أحد ، ولم يكن من خريجي أحد المعاهد
السينمائية ، وإنما كانت السينما نفسها هي مدرسته . فقد إعتمد على قراآته
ومتابعاته لكل ما هو جديد في تنمية وصقل موهبته السينمائية . وقبل أن يقدم
أول أفلامه ، إشتغل مساعداً لزميله المخرج إبراهيم الشقنقيري ، ثم بعدها
مباشرة قام بإخراج فيلمين قصيرين مدة كل منهما خمس دقائق . أما عمله الثالث
فكان إخراجه لأغنية »انشودة السلام« ومدتها عشر دقائق ، والتي أختيرت كأفضل
عمل تليفزيوني لعام 1965. بعدها أخرج فيلمه التسجيلي ( أعداء الحرية ـ 1967
) الذي حصل على الجائزة الثانية في مهرجان ليبزغ الألماني الدولي . كما نال
فيلمه ( طبول ـ 1968 ) جوائز الدولة التقديرية في الإخراج والتصوير
والمونتاج . وقد قام سعيد مرزوق بإخراج فيلم ( دموع السلام ـ 1970 ) ،
والذي أختير كأفضل فيلم عن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر .
وقد أكسبته مجمل هذه الأعمال التسجيلية القصيرة خبرة سينمائية ، أهلته
للتحضير لأول أفلامه الروائية الطويلة ( زوجتي والكلب ) ، والذي نحن بصدد
الحديث عنه في موضوعنا هذا .
لقد كتب السيناريو والحوار لفيلم ( زوجتي والكلب ) سعيد مرزوق ، إضافة الى
الإخراج .. ولكن لظهور مثل هذا الفيلم الى النور ، كان لابد من وجود منتج
فنان ، منتج جاد وجريء ، ليقدِم مخرجاً جديداً وفيلماً جريئاً كهذا .. فكان
هذا المنتج هو الفنان المبدع عبدالعزيز فهمي ، وهو منتج ساهم ـ من قبل ـ في
ظهور العديد من المخرجين الجدد والأفلام الجادة والجيدة .
إن سعيد مرزوق ، عندما أراد أن يقدم فيلمه الأول ، قد أخذ بعين الإعتبار أن
يكون هذا الفيلم كالحياة نفسها ، في قلقها وتنوعها وعدم تسلسلها ، وفي عدم
خضوعها لخطة منطقية على وتيرة واحدة . وكان حريصاً على أن تكون الصورة ـ
بكل مستوياتها وتدرجاتها ـ هي سيدة الموقف . حيث أننا نلاحظ ، في ( زوجتي
والكلب ) ، بأن السيناريو لم يكن إلا وسيلة لصناعة الصورة السينمائية
وتشكيلها ، خصوصاً إن مرزوق قد إبتعد عن السرد والحكاية التقليدية ، وأخضع
المعاني للغة الكاميرا . كما أنه إبتعد عن تراكم الأحداث والعلاقات ، وركز
على الإنفعالات والأحاسيس داخل الإنسان نفسه .. حيث أعتبر هذا الفيلم
محاولة ناجحة من سعيد مرزوق للدخول في أعماق النفس الإنسانية للشخصية
المحورية ، وذلك من خلال شخصية الريس مرسي ( محمود مرسي ) .. فنحن هنا أمام
شخصية مريضة نفسياً وأسيرة للهواجس وأحلام اليقظة القاتلة ، فهو في وحدته
يتصور بأن زوجته (سعاد حسني) تخونه مع أعز أصدقائه وزميله في العمل (نور
الشريف) ، رابطاً بين هذا الفعل وبين مغامراته السابقة مع زوجات أصدقائه ،
والتي رواها مرة لصديقه هذا . وحول هذه الشخصية تتشابك العلاقات وتدور
أحداث الفيلم ، والتي تجري في فنار مهجور ، يعمل فيه رجال قساة الوجوه ،
يحيون بعيداً عن بهجة المدينة وفرح الأهل والأصدقاء .. ومن الطبيعي أن تكون
هذه العزلة ، والتي تتطلبها ظروف عملهم ، سبباً في تكثيف حرمانهم وتصعيد
هواجسهم وقلقهم حتى الذروة .
أما بالنسبة للغة الإخراج في ( زوجتي والكلب ) ، فقد كانت جديدة ومبتكرة
الى حد كبير ، حيث إستطاع سعيد مرزوق ، من خلال لغة الصورة ، تقديم مشاهد
تمتاز بالبساطة في الشكل ، لكنه ضمَّنها شحنات فكرية عميقة ، ذات دلالات
رمزية أحياناً ، وأحياناً أخرى تحمل دلالات كوميدية ساخرة ، مبتعداً بذلك
عن أي إفتعال أو تعقيد . كما إنه ، وبأسلوبه الجديد هذا ، قد حطم ذلك
الأسلوب التقليدي التتابعي في الإخراج ، وحاول السير على نهج الفكر الجديد
في السينما ، والذي يعتمد أساساً على الصورة كسبيل لمخاطبة المتفرج ،
مستعيناً عن الحوار بإيماءات الصورة وتلميحاتها .
ومما لاشك فيه ، بأن تعاون سعيد مرزوق مع عبدالعزيز فهمي قد أثمر فيلماً
جديداً وجميلاً ، كان بمثابة مفاجأة حقيقية للوسط الفني والسينمائي المصري
آنذاك . فقد وجد عبدالعزيز فهمي في هذا الفيلم ـ أيضاً ـ ما يطمح أليه هو ،
حيث أن هذا الفيلم كان مناسبة لإبراز إمكانياته وقدراته الفنية في التصوير
، علماً بأنه يعد من أبرز وأهم مديري التصوير العرب وأكثرهم خبرة ، وهو
بهذا الفيلم يقدم نموذجاً هاماً وملفتاً بالنسبة للصورة السينمائية
ونطويرها في مصر والوطن العربي ، وهو ـ أيضاً ـ بإجتهاده الفني هذا ، يعطي
مفاهيم وموازين جديدة للصورة السينمائية في الفيلم العربي ، كما إنه يقدم
بلورة شاملة لفهمه بتكوين الصورة في السينما الحديثة .. حيث برز هذا بشكل
واضح في فيلم ( زوجتي والكلب ) ، فقد كان للصورة دوراً هاماً في إبراز
الحالة النفسية لشخصيات الفيلم وتجسيدها في كادرات قوية وجميلة وممتعة ،
كان للإضاءة فيها دوراً درامياً خلاقاً .
لقد إشترك الإثنان ، مرزوق وفهمي ، في تقديم فيلم متكامل يحوي مشاهد قوية
ومعبرة وجميلة كثيرة ، أهمها : المشاهد الشاعرية الشفافة التي تجمع الريس
مرسي وزوجته في الفراش .. أيضاً مشهد عودة الريس مرسي الى الفنار ، وفرحة
الأصدقاء برجوعه إليهم ، فهي ـ حقاً ـ فرحة يشترك فيها البحر والكلب
والأصدقاء ، بمصاحبة توليف متقن للمونتاج ، ساهم كثيراً في تجسيد هذه
الفرحة وصياغتها بشكل موحي ومؤثر . وهناك أيضاً مشاهد الفلاش باك ، التي
عاشها الريس مرسي مع زوجته ، ومقارنتها باللحظات الآنية التي يعيشها في بعد
وحرمان ولوعة في هذا المكان البعيد والمقفر . كما أن المشاهد التي تناولت
حالة الحرمان الجنسي لدى ( نور الشريف ) ، قد إستطاعت أن تجسد بحق أحاسيس
القلق والفراغ ، فقد كان التركيز على الصور العارية إيحاءً موفقاً للوسيلة
الخاطئة التي إتخذها نور لإشباع رغباته الجنسية . كما لاتفوتنا الإشارة الى
أن إستخدام سعيد مرزوق للجنس كان ذكياً ، ولم يكن ـ قط ـ مبتذلاً .. بل إنه
كان تعبيراً موفقاً عن الوحدة والحرمان وأزمة الإنسان في بُعده عن أقاربه
والمدينة ، ووجوده في عزلة قاتلة كهذه . ثم أن سعيد مرزوق قد إستحدث
تقليداً جديداً في الفيلم المصري ، وذلك عندما وصلت للريس مرسي رسالة من
زوجته ، فنراها وهي بجواره تقرأ له بصوتها وبجسدها .. دلالة على قربها منه
ومن واقعه ولاتنفصل عنه كإحساس وشعور . كذلك مشهد قصاصات الصور العارية وهي
عائمة على سطح البحر ، وتخيُل نور بأنها حقيقية قافزاً معها ومداعباً إياها
في البحر .. حقاً ، إنه أسلوب جديد ومعبر تماماً عن تلك الحالة من القلق
والحرمان الجنسي الذي يعيشه نور .
لقد إستخدم سعيد مرزوق شخصية الكلب بشكل موفق ، حيث أعطاها أبعاداً كثيرة ،
لتصبح رمزاً وبطلاً حقيقياً وهاماً في فيلمه هذا .. فقد كان رمزاً لوحشية
الإنسان وبدائيته مثلما كان رمزاً للإخلاص والوفاء والطيبة .. كذلك أظهره
للدلالة على الشبق الجنسي ، وذلك عندما يقارن ـ في مشهد معبر ـ بين لسانه
ولسان نور وهو يشاهد الصور العارية على مائدة الطعام . كما أن مرزوق عن،
دما يظهر الريس مرسي وهو يضرب الكلب بقسوة ، يشير الى أن الكلب هو أقرب
لمرسي مثل صديقه نور ، وبالتالي يكون بمثابة المتنفس الوحيد لقضبه من صديقه
وشعوره بالضياع والحرمان .
أما بالنسبة لإختيار مرزوق لأماكن التصوير ، فقد كان ذكياً وموفقاً ولصيقاً
بمضمون أحداث الفيلم ، ولم يكن مجرد خلفية إضافية تتحرك فيها الشخصيات ..
فالبحر ، بكل ما يحمله من رموز وإيحاءات ، قد أعطى إحساساً بجو الرهبة
والقلق والمجهول ، خصوصاً أثناء هيجانه وتلاطم أمواجه بأحجار الشاطيء ..
هناك ـ أيضاً ـ الفنار الذي يمثل دليل الهداية للسفن الضالة ويشكل ـ في نفس
الوقت ـ السجن والمنفى المعزول عن العالم بالنسبة لشخصيات الفيلم .. وهذه ،
في مجملها ، إيحاءات تناسب وتقوّي المضمون والسرد الدرامي للفيلم ، بل
وتساهم في تجسيد حالات القلق والتوتر والحرمان التي تعيشها شخصيات الفيلم .
كما لا تفوتنا الإشارة الى أن إستخدام سعيد مرزوق للمونتاج جاء موفقاً الى
حد كبير ، وكان له الدور الأساسي والبارز في تحليل الشخصيات وخلق حالات
وعلاقات متباينة بين المشهد والآخر ، أضافة الى خلقه لذلك الإيقاع المشوق
في الفيلم ومساهمته في تصاعد الحدث الدرامي .
حقاً ، نحن أمام فيلم سينمائي متكامل الى حد كبير ، فجميع عناصر الفيلم
الفنية والتقنية تجانست بشكل مدروس لتشكل وتعطي عملاً قوياً وجميلاً ذو
مستوى فني وتقني جيد ، إستطاع ـ بحق ـ أن يجد له مكاناً هاماً وبارزاً في
ذاكرة السينما المصرية .