( 6 )
هنا، لابد من الحديث عن أبرز المسلسلات التي
تابعناها، بشيء من التفصيل، أو تحديد مميزاتها وسقطاتها، وإبداء
الرأي عنها وعن صانعيها.. وبالرغم من هذا الكم الخرافي الذي بثته
تلك القنوات المنتشرة في الفضاء التلفزيوني (40 عملاً مصرياً، 22
عملاً سورياً، 16 عملاً خليجياً)، هذا إضافة إلى تلك الأعمال التي
أنتجت ولم تحصل على تسويق جيد يمكنها من البث هذا العام، وعليها
الانتظار حتى رمضان القادم، لتحصل على فرصة للعرض.
ومن الطبيعي، في زحمة هذه الدراما الكثيفة، أن يضيع
مجهود الكثيرين ممن أجادوا في أعمالهم، ويكون هناك أعمالاً تعرضت
للظلم، وأعمال نالت أكثر مما تستحق. وإن جميع تلك الأعمال غلب
عليها التطويل والمط في أحداثها، خصوصاً بأن المطلوب منها ملء
ساعات الإرسال الطويلة على مدى الثلاثين يوماً.. أي أن الجميع يعمل
على أساس الثلاثين حلقة، حتى ولو كانت مواضيعها لا تحتمل هذا الكم
من الحلقات.. فمنتجي الدراما أصبحت عيونها فقط على الكم الذي يبيعه
بالكيلو للمحطات التلفزيونية الفضائية.. مع أن الثلاثين يمكن
اختصارها إلى خمس عشرة حلقة، كما فعلت الفنانة ليلى علوي، وجمعت
حكايتين مختلفتين، كل منها خمس عشرة حلقة.. ليصبح عملها أكثر
تماسكاً، ذو إيقاع سريع ومشوق.. وهذا ما كان معمولاً به في السابق
مع بدايات التلفزيون، والدراما التلفزيونية.
دراما السير الذاتية:
بعد أن أصبحت مسلسلات السير الذاتية من طقوس رمضان
الدرامية، في السنوات العشر الأخيرة، يأتي هذا العام عملين
دراميين، أحدهم عن نجم الكوميديا إسماعيل ياسين باسم (أبوضحكة
جنان)، والآخر عن النجمة الشهيرة ليلى مراد باسم (قلبي دليلي)..
الجمهور العربي يعرف الكثير عن هاتين الشخصيتين، ولا يزال لهما
حضور كبير من خلال أعمالهما فقط، المعروضة على الشاشة الصغيرة من
حين إلى أخر.. لذا كان مهما بالنسبة لهذا الجمهور أن يتعرف أكثر
على هذين النجمين اللذين أدخلا السعادة والفرح إلى قلوبهم، وعلى
كواليس حياتهما اليومية وعلاقاتهما بالآخرين.. إلا أن العملين بشكل
عام لم يكونا على قدر من التميز، بل كانا عملان عاديان، مشحونان
بكم رهيب من الأحداث التاريخية المتلاحقة، من خلال سرد مباشر، وتلك
الدراما التقليدية المطولة والمملة.. وابتعدا كثيراً عن تجسيد
الإبداع الحقيقي لكلا الشخصيتين، ولنجد أمامنا دراما جافة بلا روح،
بعيدة عن الحالة الإبداعية الساحرة والجذابة..!!
إلا أن أبرز الملاحظات على العملين، يكمن في طبيعة
الشخصيات الدرامية وتصرفاتها، التي قدمها العملين، فأغلب المعاصرين
لهاتين الشخصيتين وما حولهما، أجمعوا على أن ليلى مراد كما بدت في
المسلسل ليست هي، لا شكلاً ولا موضوعاً، فلم تكن رفيعة الصوت
مثلاً، كما جسدتها صفاء سلطان، التي كان أدائها مبهماً، وخال من
التعابير الحقيقية. وكذلك الراحل أنور وجدي، الذي أظهره المسلسل
بشكل ساذج، مع حركة الرقبة التي جعلته وكأنه مهرج. أما النجم
إسماعيل ياسين، الذي أداه الفنان أشرف عبدالباقي، فقد ظهر بالشكل
الذي شاهدناه في أعماله، وهذا ليس صحيحاً (كما أجمع معاصروه)، فقد
كان شخصاً هادئاً ورزيناً في حياته اليومية، بل إنه كان يقود فريق
عمل جميع أعماله بحكمة وحزم ويرفض أي خلل مقصود.
( 7 )
ابن الأرندلي:
الفنان يحيي الفخراني، بلا منازع، هو نجم نجوم
التلفزيون، ففي كل عام يحرص على أن يكون حاضراً بعمل يشد به
جمهوره.. هذا العام قدم (ابن الأرندلي)، المسلسل الساخر من الجري
وراء المال لدرجة العبث بالمشاعر والأحاسيس. حيث يجسد شخصية محام
يتلاعب بالقانون وثغراته، لقضاء حاجاته ومصالحه. وتصل به الأحداث
بالزواج أكثر من مرة، ضارباً عرض الحائط بمشاعر كل من حوله وبالذات
زوجته الأولى المخلصة له ولأبنائه، وذلك لاسترداد ملايين الجنيهات
التي يعتقد أنها حقه الشرعي من تركة عمه صاحب الأملاك والملايين.
ينجح السيناريو في خلق تدفق طبيعي للمواقف والأحداث
المثيرة للضحك، بشكل يخدم فكرته بلا ملل أو تكرار، حيث أن هذه
المواقف التي تنتج عن شخصيات من لحم ودم، هي التي تصنع الفكاهة
والسخرية، بدون اللجوء إلى التلفيق، وتفجر الضحك الهادئ الموزون.
فيما عدا تلك الحلقات الأخيرة من المسلسل، التي بدت مملة ومكرره
بعض الشيء، وذلك بعد أن اتضح فيها تتابع الأحداث، وعرف منها الهدف
الذي يجري ورائه جميع الشخصيات.. ثم الحلقة الأخيرة التي حولت دفة
الأحداث بشكل مفاجئ، ولم تلقى العناية المرجوة من كاتب السيناريو.
الرحايا.. متخافوش:
الفنان المتميز نور الشريف، حاضر هذا العام بعملين،
الأول (الرحايا.. حجر القلوب)، والثاني (ما تخافوش)، في الثاني
يقدم دراما مباشرة عن قضايا سياسية واجتماعية، تشعبت فيها الخطوط
الدرامية، من قضية المخططات الصهيونية والاحتلال لأرض عربية، إلى
قصص أخرى تتعلق بشخصيات ثانوية تدور حول البطل.. هذا البطل الذي
تمثله شخصية مكرم بدوي (نور الشريف) صاحب القناة التلفزيونية
الفضائية، والمذيع لأشهر برنامج سياسي بعنوان "ما تخافوش"، والذي
حوله لمحاربة الفساد والإرهاب.. مشكلة المسلسل تكمن في تلك
المباشرة الفجة والشعارات الرنانة في تناول القضايا السياسية، هذا
إضافة إلى تلك القصص المتشعبة الأخرى، وسرد تفاصيلها بشكل ممل، هذا
علاوة على قصص التهديدات التي يتلقاها من القائمين على الإرهاب،
وحثه على التنازل عن مبادئه، أو كشف تاريخ عائلته غبر المشرف.. كل
هذا جاء بأشكال غير مبررة وبلا منطق..!!
أما نور الشريف في (الرحايا)، فهو محمد أبودياب، من
أثرياء الصعيد، يعمل له الجميع ألف حساب، سواء الهاربين في الجبل
أو الذين يحيطون به في القرية.. فهو يجمع بين الشدة واللين، يحب
أولاده ويقسو عليهم في نفس الوقت، يدخل معهم في صراع ليكشف عن بعض
الزيف في داخلهم من ناحية، ومن ناحية أخرى يسلمهم كل ماله وحلاله.
(الرحايا) نجح في اقتحام عالم الأسرة الصعيدية
والنبش في العلاقات فيما بينها، والصراع بين الأب وأبنائه من أجل
استقلالهم عنه، وجسد كيفية إدارة الأب لكل هذه العلاقات
والصراعات.. كل هذا جاء بصياغة محبوكة للسيناريو لينتج عمل جميل
شكلاً وموضوعاً.
ولم يأتي هذا إلا لنجاح الفنان نور الشريف في (الرحايا)،
الذي استطاع أن يقدم روح شخصية أبودياب الصعيدي، وجعلنا نتعاطف
معه، في هدوئه وغضبه، في حبه وكرهه.. وقدم أداء جميلاً ومبهراً، هو
ومن معه من الفنانين الكبار أمتعونا بأداء خلاق، أبرزهم (لطفي
لبيب) في دور أبوذكري، و(سوسن بدر) في دور بدرة.
( 8 )
حرب الجواسيس:
وهو المسلسل الذي أعاد إلى أذهان المتفرج فترة
الصراع العربي الإسرائيلي، بعد هزيمة 1967، وهي فترة حرب
الاستنزاف، التي امتدت لسنوات قبل رحيل الرئيس جمال عبدالناصر،
وتلك الحرب الضارية التي دارت بين جهازي المخابرات المصرية
والإسرائيلية.
وربما كان ذلك من أهم الأسباب التي جعلت المتفرج
يحرص على مشاهدة هذا المسلسل، ويلقى إقبالاً جيداً في المشاهدة، بل
ويجعله أكثر مشاهدة في إحصائيات رمضان عام 2009.. إضافة إلى ذلك،
فقد لعب السيناريو الجيد الذي كتبه بشير الديك بحرفية وخبرة، لولا
تلك المشاهد الخاصة بشخصية شريف سلامة، ومرحلة سفره لألمانيا ومن
ثم إلى إيطاليا، التي كانت مبالغة في السرد، لتبيان مدى المعاناة
والفقر الذي واجهه حتى انظم لجهاز الموساد.. غير ذلك نجح الديك في
نسج الشخصيات والأحداث بشكل ذكي ومتميز على مدى الثلاثين حلقة،
وقدم عملاً يشد المتفرج بقوة.. كما قدم المخرج السينمائي نادر جلال
خبرة سنوات طويلة في تجسيد هذا السيناريو الصعب، الذي يحتوي على
الكثير من الفلاش باك، والذي غالباً منا يضعف الدراما.. نجح في
إدارة فريقه الفني من فنانين وفنيين، وعلى رأسهم الأبطال منه شلبي،
وشريف سلامة، وهشام سليم، وباسم ياخور.
خاص جداً:
حرصت النجمة المتميزة يسرا على تقديم عمل كل رمضان،
وأصبح لها جمهورها الخاص الذي ينتظرها بفارق الصبر.. ومهما اختلف
معها البعض في اختياراتها، إلا أنها مازالت تمثل واحدة من عمالقة
التمثيل، ذكاء وحضوراً وموهبة..
في مسلسلها الجديد (خاص جداً) هي طبيبة نفسية تمتلك
عيادتين للأمراض النفسية، واحدة بالقاهرة، والأخرى في دبي.. وتحاول
بكل الطرق مساعدة مرضاها حتى إنها تتورط إثناء حل بعض مشاكلهم..
العمل يناقض الكثير من القضايا والمشاكل الزوجية والإنسانية..!!
يسرا في عملها الجديد بدت أكثر ثباتاً، وأكثر
تألقاً عن العام الماضي، وذلك لقدرة السيناريو الذي كتبه تامر
حبيب، على جذب المتفرج لمتابعة حلقاته لتعدد القضايا النفسية
المهمة التي تناولها.. هذا إضافة إلى إخراج غادة سليم، في أول عمل
تلفزيوني لها، والتي نجحت في خلق عالم مميز للبطلة، عالم يتسم
بالجمال والأناقة والرفاهية، إن كان في دبي أو القاهرة، ساعد على
ذلك الإضاءة الدرامية المتميزة لمدير التصوير سامح سليم.
المصراوية:
مما لا شك فيه بأن الكاتب والروائي أسامة أنور
عكاشة هو سيد الرواية الدرامية التلفزيونية في الوطن العربي،
وأعماله السابقة الكثيرة أكبر دليل على قولنا هذا.. كما يأتي الجزء
الثاني من عمله (المصراوية) هذا العام، ليؤكد بشكل تام هذا الأمر،
فنحن أمام عمل متماسك وحالة إبداعية خلاقة، توفرت له كافة العناصر
الفنية التي ساهمت في رقي المستوى الفني للعمل.. عناصر نجح المخرج
إسماعيل عبدالحافظ في إدارتها، بل وتألق في صياغة أسلوب إخراجي
متميز من خلال حركة كاميرا متيقظة، وزوايا تصوير وكادرات جمالية،
إضافة إلى الإضاءة الدرامية التي تخدم الحدث، بعيداً عن الإبهار.
ويعد (المصراوية) ملحمة درامية متكاملة (تتكون من
خمسة أجزاء)، تقدم لقضايا مهمة مقدمة على نحو درامي أخاذ، يناقش
فيها أهم الأحداث في قرية شبين كفر الشيخ قبل العام 1922، والتي
يدور فيها الصراع على السلطة بين العمدة فتح الله ومن حوله من
طوائف وملل. وهي وقائع حقيقية تجسد صوراً حية للتجاذب السياسي في
الصراع على السلطة في الصعيد، كما تجسد طبيعة التحولات الاجتماعية
الحادة التي تبلورت في تلك الأثناء من جراء الاحتلال البريطاني.
( 9 )
حكايات بنعيشها:
ليلى علوي، الفنانة المتألقة تعود هذا العام بعد
غياب طويل عن التلفزيون بعمل جديد في كل شيء، يتكون من حكايتين
مختلفتين، الأولى (هالة والمستخبي)، والثانية (مجنون ليلى)، 15
حلقة لكل جزء، وهي بهذا تتمرد على الموروث الثابت الثلاثين حلقة..
كما أنها تعود بهما لتقدم أداء شديد البساطة ومتميز في نفس الوقت..
كما نجحت بالفعل في جذب المتفرج منذ الحلقة الأولى حتى الأخيرة..!!
في (هالة والمستخبي)، نحن أمام قضية اجتماعية خطيرة
غير مسبوقة، تتعلق ببيع الأطفال من خلال عمليات الحقن المجهري، وما
يشوبها من أخطاء وممارسات غير أخلاقية.. فالأم هالة (ليلى علوي)،
تعيش معاناة في بحثها عن أطفالها الذين فقدتهم بسبب استهتار زوجها
(باسم سمرة)، عندما يقرر أن يبيعهم بالاتفاق من الدكتور وهم بعد
أجنة في بطن أمهم.. ونعيش مع هالة هذه المأساة، ومحاولاتها
لاسترداد أطفالها مهما كان الثمن.
في هذا الجزء نجحت ليلى علوي في جذب انتباه المتفرج
لأدائها الرائع والصادق والمليء بالعفوية، مع طاقم الممثلين
الآخرين، وعلى رأسهم باسم سمرة وأحمد راتب ورجاء حسين ومحمد
رمضان.. وتضافرت جهود المؤلف حازم الحديدي الذي يقدم نفسه ككاتب
تلفزيوني لأول مرة، مع جهود المخرجة الشابة مريم أبو عوف، والتي
تخرج للمرة الأولى أيضاً، في تقديم مستوى فني شديد التميز على صعيد
الصورة وإدارة الممثلين واختبار أماكن التصوير، والتي من خلالها
نجحت في تقديم مشاهد واقعية، خصوصاً في وسط الأحياء الشعبية، ساهمت
في التقاط أحاسيس ونبض هذه الأحياء واستثمارها في الدراما.
أما في الجزء الثاني (مجنون ليلى)، فقد نجح الكاتب
محمد رفعت، أن يأخذنا في رحلة درامية ممتعة مع ليلى (ليلى علوي)،
الطبيبة النفسية التي تعمل في التأمين الصحي بأحد المستشفيات.. وهي
امرأة حالمة وبالغة الرقة متزوجة، ولكنها لم ترتبط بقصة حب كونها
تفضل أن تبقى على الحياد في مشاعرها، دون جرأة الخوض في غمار تجارب
عاطفية، ولكنها عندما تقرر الانفصال عن زوجها، فهي تقرر أيضاً
ممارسة حياتها الطبيعية، وأخذ حقوقها من الجميع، بعد معاناة مع هذه
الحياة الصعبة.. فهي تقبل بالعرض الذي يقدمه لها أستاذها في
الجامعة (عبدالرحمن أبوزهرة)، بمواصلة الدراسة وإنهاء رسالة
الماجستير، والتي توصلها لدراسة حالة نفسية صعبة، مصابة بالاكتئاب
ثنائي القطب عند المريض (خالد أبوالنجا)، ولتكملة رسالتها لابد لها
من تسجيل عدد معين من الحالات المرضية، ورصد هذه الحالات على
الواقع.. هنا تبدأ علاقة عاطفية مع مريضها هذا، وهي تعرف بأن ذلك
أمر خطير.. إلا أن المشاعر من الصعب التحكم بها، خصوصاً وإنها
افتقدت مثل هذه المشاعر منذ فترة طويلة.
إنها حقاً علاقة صعبة، حيث تدخل في علاقات وأحداث
صعبة ولكنها في النهاية تصل لما تريده، من خلال سيناريو لماح وذكي،
قدم دراما بسيطة وتلقائية، بعيدة عن التقليد والمط والتطويل، وساهم
في نجاح ذلك أيضاً، الإخراج المتميز للمخرج (محمد علي)، والذي صنع
من قصتها، دراما رومانسية متقنة، ذات صورة لماحة وهادئة وإضاءة
درامية حالمة وحركة كاميرا سريعة تخطف عين المتفرج..!!
(حكايات بنعيشها)، حقق نجاحاً، وتفوق على الجميع
كتابة وإخراج وتمثيل وتصوير وموسيقى، ليس للشكل الفني المتميز الذي
قدم به فحسب، وإنما تميزه بالصدق في العطاء الفني الإبداعي.
( 10 )
"هدوء نسبي":
المسلسل الحدث
بالفعل يمكن وصف عرض مسلسل (هدوء نسبي)، بالحدث
الفني التلفزيوني.. فهذه الدراما بالرغم من تميزها في الكثير من
الأمور، إلا أنها ظلمت بعرضها وسط هذا الكم الرهيب من الأعمال
التقليدية الأخرى. وليس من المنطق أن يقارن أي شخص بينه وبين تلك،
باعتباره متجاوزاً إياها، في الشكل والمضمون والهدف والرسالة، وحتى
في القيمة الفنية، على المستوى الفني للصورة والديكور والماكياج
والأداء، ومجمل عناصر العمل الإبداعي.
وإن ما تركه هذا العمل من تأثير غير محدود في
المتفرج، له دليل على التزام فني وفكري واضح لدى صناع هذا العمل،
لتقديم واقع ما حدث ويحدث في العراق منذ عام 2003، ويصف له حقيقة
ما حدث لمدينة بغداد من تدمير، وانعكاس ذلك على علاقات أهلها بعضهم
ببعض.. مما أدى ذلك إلى خلق حالة من الغضب والتأثر لدى المتفرج بما
جرى في هذا البلد العربي، باعتباره قدم جوانب إنسانية حساسة لامست
الوجدان لدى المتفرج العربي، وحتى العالمي.
يتناول (هدوء نسبي)، ما واجهه العديد من الصحافيين
والمراسلين العرب والأجانب، أثناء تواجدهم في مدينة بغداد إثر
الغزو الأمريكي للعراق.. ويتابع عدد من الحكايات عن ناجي (عابد
فهد)، وناهد (نيللي كريم)، وشريف (بيار داغر)، ورشا (نادين سلامة)،
ويحكي عن معاناتهم ومواجهتهم للكثير من صعاب وأهوال الحرب ومخاوف
الاختطاف والاعتقال، نتيجة إصرارهم على توصيل الحقيقة وتقديمها
للناس في طبق من ذهب.. كما يرصد صراعهم الطبيعي ضد ثنائية الحياة/
الموت.. بالرغم من تمسكهم بالأمل في الحب والحياة المطمئنة.. هذا
إضافة إلى حكايات عشرات المراسلين العرب والأجانب الذين تابعوا
وغطوا الحرب والدمار في بغداد المحتلة.. فلكل واحد منهم حياة عاشها
أثناء الحرب، ويستعيد بعض من تفاصيلها قبل الحرب..!!
كما ناقش العمل مختلف القضايا المطروحة على الساحة
العراقية بشكل واضح وجريء.. وجسد تأثير هذه الظروف الصعبة على
الكثير من العائلات العراقية التي عاشت تحت الحصار وعانت ويلات
الحرب والدمار، ويحاول رصد سلوكياتهم وأخلاقياتهم.. وهو هنا يقدم
مثالاً قريباً على ذلك، من خلال عائلة الكاتب العراقي المثقف كاظم
(جواد الشكرجي)، الذي استمر بحلمه في تأسيس صحيفة مستقلة، تقول ما
لا يقال وتقدم الحقيقة مهما كانت قسوتها، ويحكي عن متناقضات هذا
المجتمع من خلال شخصيات أبنائه وأقاربه، وعلاقاتهم بمحيطهم العراقي
المتعدد الاتجاهات والطوائف.
وكما يعرف الجميع، بأن تعبير (هدوء نسبي)، هو الذي
يتردد كثيراً في نشرات الأخبار في متابعتها لأحداث واقعية عاشها
العراق وشعبه، إلا أن العمل يذهب بعيداً ليقدم قيمة فكرية أهم
وأعمق، عندما يمنحنا انطلاقة تتجاوز بكثير حدود السياسة.
المخرج التونسي المتميز شوقي الماجري، يعود بعمل
إبداعي مهم، تتنازع فيه الكثير من الأحاسيس المتداخلة فيما بين
الحرب والحب، ويغوص في عمق المأساة العراقية ليتناول متناقضاتها..
بين الحياة والموت، الخوف والقلق، التشرد والانتماء.. يشاركه في
الإبداع كاتب العمل السوري خالد خليفة، الذي نجح في رصد كل هذه
المعاناة والتحولات السياسية والفكرية المشحونة بمشاعر الحب
والأمل.. إضافة إلى تلك النخبة من الفنانين العرب والأجانب، من
فنانين وفنيين، والذي بلغ عددهم الـ 273 فناناً.. كما لا ننسى
الإشارة إلى تلك الميزانية الضخمة التي قاربت الأربعة ملايين دولار
أمريكي، ساهمت فيها أربع جهات إنتاجية عربية.. ليخرج لنا هذا العمل
كملحمة درامية عربية جريئة، مليئة بالتفاصيل البصرية والسمعية،
ومرتكزة على مستويات إبداعية استثنائية، إن كان من خلال تنفيذ
الديكور الواقعي، أو استخدام موفق لتقنية الكومبيوتر في مزج
التسجيلي بالدرامي، لإظهار التفجيرات والمشاهد الحربية بشكل شديد
الواقعية.. وتوفيق واضح من المخرج في ضبط حركة كاميراته ومواقعها
لتصوير مشاهد للحرب والدمار، مشابهة تماماً لما شاهدناه في نشرات
الأخبار والتحقيقات التلفزيونية الحقيقية.
نوفمبر
2009