(ايام الغضب) انتاج عام 1989 ، من
بطولة نور الشريف ويسرا وسعيد عبدالغني ، وهو اول اعمال الفنان منير راضي
كمخرج . ولان الفيلم يمثل ميلاد مخرج سينمائي جديد ، فهي مناسبة للحديث
أولاً عن هذا القادم الجديد لعالم السينما . منير راضي خريج المعهد العالي
للسينما بالقاهرة عام 1968 . عمل مساعداً للإخراج لابن عمه المخرج محمد
راضي في ثلاثة من افلامه وهي ( ابناء الصمت ، المقيدون الى الخلف ، الحاجز
) . كما عمل في الانتاج المسرحي وانتج عدة مسرحيات ، مثل : الملك لير ،
تاجر البندقية ، هاملت ، ومسرحية الشخص ، لشقيقته عفاف راضي . وقدم ايضاً
كمنتج مسلسل البخلاء للحاحظ ، ومسلسل بيت الدمية لهنريك أبسن في 13 حلقة .
هذا هو منير راضي ، المخرج الذي تأجل مشروعه السينمائي الاول مايقارب
العشرون عاماً . اما فيلم (ايام الغضب) ، فسيكون تناولنا له بعيداً عن كونه
الفيلم الاول لمخرجه ، والابتعاد عن النقد النسبي الذي يعتمد على ماهو
موجود في الوسط الفني .
فكرة الفيلم تعتمد على مقولة ذكرها المخرج في إحدى مقابلاته الصحفية ،
مفادها هو : (عندما يتحول المجتمع الى شكل مادي فلابد ان تنهار القيم
والاخلاق والمباديء) . الفكرة بالطبع جيدة ، الا ان تنفيذها درامياً جاء
مخيباً للآمال .
تدور احداث الفيلم في مستشفى للامراض النفسية ، كما فعلت الكثير من الافلام
، مثل : طار فوق عش الوقواق ، المستشفى البريطاني ، الهروب من الخانكة .
وربما يكون اختيار مستشفى الامراض النفسية تعبيراً عن المجتمع بشكل عام .
او جاء ليمثل صورة نقدية للنظام السائد وقوانينه من خلال بعض الاسقاطات
الدرامية الرمزية .
فعندما سئل مخرج فيلم (ايام الغضب) عن سبب اختياره للمستشفى للتحدث عن
المجتمع ، قال : لانه المكان الاكثر حرية من اي مكان آخر ، ففي المستشفى
المجانين لديها الحرية والقدرة لتقول اي شيء تريده على لسان المجنون .
واذا أردنا تطبيق هذا الحديث من خلال سيناريو الفيلم ، الذي كتبه بشير
الديك ، فسنلاحط انه لم بستطع التعبير عن المجتمع العام من خلال المجتمع
الخاص (المستشفي) ، إلا في حدود ضيقة . حيث بقى المستشفى مجرد مكان للامراض
العقلية ، لا اكثر ولا اقل ، خاصة ان صناع الفيلم قد استهوتهم مشاهد الصراخ
والضرب والتعذيب والاغتصاب وجلسات الكهرباء ، فاسرفوا فيها الى الدرجة التي
كاد معها الفيلم ان يحمل نزعة سادية فاشية تثير المتفرج وتشحذ حماسه
وتعاطفه مع الجانب الآخر . إضافة الى ذلك ، فان اسباب وتبريرات الفيلم ،
بوقوع الاحداث داخل المستشفى كانت غير منطقية وغير مقنعة تماماً . فالمقدمة
التي تظهر لنا بطل الفيلم راجعاً من سفر عمل دام اربع سنوات ينقصها الكثير
من المبررات المقنعة ، حيث لا يعقل لا واقعياً ولا درامياً ان بطل الفيلم
(نور الشريف) لايعرف ان كان اهله قد انتقلوا الى منزل آخر ، وان زوجته قد
ازوجت غيره . وحتى لو افترضنا انه من الممكن الا يعرف هذا امجارات الخط
الدرامي للفيلم ، فالدوافع التي قدمها الفيلم لزواج الزوجة غير مقنعة
تماماً . كذلك لم يستطع الفيلم اقناعنا بمبررات والد الزوجة باهدار حق زوج
ابنته وابن شقيقه على هذا النحو . هذا اضافة الى النواحي القانونية التي
تجاوزها السيناريو بسذاجة ، فاذا تجاوزنا نحن ماسبق من تلفيق واقتنعنا بان
الزوج الجديد قد دبر امر جريمة الزوجة بسرقة الشقة المحكمة ، فكيف يمكن
تجاوز موقف الشرطة والنيابة ، وموقف الاطباء والاخصائيين النفسانيين في
المستشفى وحكمهم على ان هذا الشاب مريضاً نفسياً ، لمجرد ان النيابة هي
التي حولته للمستشفى ولمجرد ان الزوج الجديد له علاقات ومصالح مشتركة مع
احد الاطباء بالمستشفى .
وامام كل هذا ، نصل الى اقتناع تام بان كل هذه المواقف والتصرفات قد خلقت
اصلاً لتبرير دخول البطل للمستشفى باية طريقة ، حتى تبدأ الاحداث في
المستشفى . وما يؤكد هذا الكلام مساعي تلك الاخصائية الاجتماعية (يسرا)
لاثبات ان زواج الزوجة باطل ، محاولة منها اخراج الشاب الذي لم يكن في يوم
من الايام مريضاً نفسياً في هذا المستشفى . وبالرغم من توصلها الى بعض
الحقائق والبراهين على ذلك ، فهي تفشل في اخراجه من المستشفى لمجرد انها
تختلف في وجهات النظر والمواقف مع ادارة المستشفى .
ورغم كل هذه السلبيات التي إزدحم بها السيناريو ، الا ان المخرج منير راضي
، في اول تجاربه الاخراجية ، قد حقق مستوى فني وحرفي متميز في اغلب مشاهد
الفيلم ولقطاته . وبدى ذلك واضحاً من اهتمامه ودقته في اختيار كادراته
وزوايا لقطاته . كما وفق في اختيار الديكور المعبر عن اجواء الاحداث
الدرامية داخل كل كادر . هذا اضافة الى درجات الاضاءة والظلال التي ابدعها
مدير التصوير ماهر راضي (شقيق المخرج) ، تلك الاضاءة التي ساهمت مع الديكور
والموسيقى التصويرية في توصيل الايحاءات التعبيرية النفسية . ثم لا ننسى
توفيق المخرج في ادارة ممثليه وعلى رأسهم نور الشريف وسعيد عبدالغني ، اما
دور الهام شاهين القصير ، فقد اثبتت من خلاله انها ممثلة قديرة ، فهذا
الدور القصير يعد من بين اهم ما قدمته على الشاشة .
احيراً ، يمكننا القول بان كل هذا الجهد الاخراجي الجيد قد ضاع هباء في
تنفيذ سيناريو ضعيف ومفكك وغير مدروس بعناية ، حيث جاء الفيلم ليمثل جسداً
بلا روح .