إن ولادة مخرج جديد في
السينما المصرية ، ليس حدثاً عادياً ، خصوصاً إذا كان هذا القادم الجديد
على الفن السينمائي يملك رؤية سينمائية جادة ، يبعث بها روحاً جديدة لهذه
السينما العجوز . ومناسبة ما سبق من قول ، هو فيلم ( إشتباه ـ 1989 )
الفيلم الأول لمخرجه »علاء كريم« ، هذا القادم من السينما التسجيلية ، بعد
أن قدم مجموعة من الأفلام حازت على الإهتمام والتقدير في المهرجانات
الداخلية والخارجية . وقد عرض هذا الفيلم على شاشة تليفزيون البحرين في
الفترة الأخيرة . قام ببطولة الفيلم نجلاء فتحي أمام محمد منير وأحمد عبد
الوارث وسعاد نصر وعبد الله محمود ومحمد توفيق .
يبدأ الفيلم بمشهد يجمع بطل الفيلم مدحت ( محمد منير ) مع نادية ( نجلاء
فتحي ) على سفح الهرم يغني لها ويقوم بتصويرها بالفيديو تارة وتصوره هي
تارة أخرى ، وسنعرف لاحقاً بأن بقية الشريط يتضمن فعلاً فاضحاً بينهما ، هو
ذروة الفيلم .
ومدحت هذا يحب نادية منذ أن كانا زميلين في كلية الفنون التطبيقية ، إلا أن
نادية كانت تعطيه إهتماماً بصفته زميل دراسة فقط ، إلا أن هذا الزميل ـ
ونتيجة للتربية غير السوية والبيئة التي نشأ فيها ، وما تعرض له من متاعب
في طفولته ـ أصبح يتخيل بأن زميلته تحبه حباً جارفاً دون غيره ، وعاش في
وهم الحب الكاذب ، في الوقت الذي لا تفكر فيه زميلته بأكثر من الزمالة مثل
الآخرين . حتى بعد أن تتزوج نادية لتعيش حياتها الزوجية السعيدة مع زوجها
حسين ( أحمد عبد الوارث) ، يظل مدحت يطاردها وهي تصده .
نرجع لذروة الفيلم ، وهو شريط الفيديو الذي صوره مدحت ، الذي بدأ الشباب
يتداولونه فيما بينهم ، وبالتالي يقع في يد شرطة الآداب ، والتي بدورها
تحقق في الموضوع وتتعقب مدحت بمراقبته من جهة ، ومن جهة أخرى يصل الشريط
الى صديقة نادية محاسن ( سعاد نصر ) فتكاد تجن عندما شاهدته ، فتطلب من
نادية أن تأتي إليها حالاً . وعندما تشاهد نادية الشريط ، تنتابها نوبة
هيستيريا ، تزداد عندما تعرف بأن صديقتها لا تنكر بأن التي في الشريط ليست
هي . وتقرر أن تواجه مدحت ، فتذهب الى شقته . ومن الطبيعي أن تكون الشرطة
هناك تراقب شقة مدحت ، فيكون ذلك صيداً ثميناً للشرطة . بعد دقائق ، تقتحم
الشرطة ، وعلى رأسهم الضابط ( صلاح قابيل ) ، ويتم القبض على مدحت ونادية .
وفي غرفة التحقيق ، تحاول نادية أن تنكر قيامها بهذا الفعل الفاضح ، لكن
الصورة ـ في الشريط ـ أصدق أنباء من الكلمات ، هذا من وجهة نظر جميع من
شاهد الشريط طبعاً .
ومن الطبيعي أن نرى ردود الفعل على عائلة نادية . فالزوج نراه منهار يبدو
كما لو أن قلبه ينزف بغزارة ، ولا يستطيع أن يفعل شيء سوى أن يطلق نادية
وهو في حالة هيجان عاصف . أما الأب العجوز ( محمد توفيق ) فيبدو أقل
إنهياراً من الزوج ويحاول أن يمنع الزوج من التعرض لنادية بالضرب ، ولكنه
في نفس الوقت مصدوم بما حدث . هناك أيضاً شقيق نادية ( عبد الله محمود )
الطالب في كلية الطب ، يحاول أن يكون أقوى ، إلا أن زملائه في الكلية
يستفزوه ، الى أن يشتبك مع أحدهم في معركة ينقل على أثرها الزميل الى
المستشفى بين الحياة والموت . رد الفعل الوحيد المختلف ، يأتي من محاسن
صديقة نادية ، حيث نراها ـ بالرقم من إعتقادها بأن نادية تورطت في العلاقة
مع مدحت ـ تعاملها بمنتهى الرحمة ، وتجد نادية عند محاسن مرفأ الأمان ، وفي
صدرها محبة لا حدود لها .
وإزاء كل ردود الفعل هذه ، تتكشف الحقيقة في النهاية ، وهي أن التي في
الشريط إمرأة أخرى تلبس قناعاً لوجه نادية صنعه مدحت لحبيبته التي لم ينلها
قط . وكل هذا يتكشف بوجود ضابط الشرطة ، الذي بدوره يقبض على مدحت وهو في
حالة من الجنون .
ينجح فيلم ( إشتباه ) في شد إنتباه المتفرج بسبب موضوعه الجديد والمثير ،
إضافة الى صناعة السيناريو المحفزة ، والإهتمام بالتفاصيل داخل المشاهد
خصوصاً بالنسبة لحركة الممثلين . فالفيلم يقدم نقداً لاذعاً وجريئاً للرأي
العام والصحافة المدمرة التي تسعى الى الإثارة ، لدرجة أنه قد إتخذ موقفاً
معادياً للمجتمع كله نتيجة ردود الفعل التي صورها تجاه هذه المرأة وبقية
أسرتها . وكما أشرنا سابقا ، بأن هذا الفيلم هو الأول لمخرجه ، فقد وضع فيه
كل ما يستطيع من جماليات ونقد إجتماعي وتفسيرات نفسية وميلودراما ومطاردات
بوليسية وأغاني ورقصات ومشاهد تخيلية . وكل هذه العناصر ، وإن لم تشعرنا
بأي تناقض ، إلا أنها قد أثقلت كاهل الفيلم . أما بالنسبة لمشاهد »الفلاش
باك« ، فقد أسرف الفيلم في تقديمها بكميات ضخمة ، في محاولة لتعميق شخصية
مدحت ، وكان أغلبها لا ضرورة له على الإطلاق ، وكان من الممكن الإكتفاء
والتركيز على بعضها . هذا إضافة الى أغاني محمد منير التي صورها الفيلم
بشكل تقليدي ليس فيه أي جديد .
وأخيراً .. لابد أن نشير الى أن فيلم ( إشتباه ) ، بالرغم من حشوه بالكثير
من الأمور وضعفه في بعض المشاهد ، فهو بموضوعه وحسن نيته وتدفقه بالحيوية
في أحيان كثيرة ، يدعونا الى إنتظار الأكثر من مخرجه الجديد في المجال
الروائي ، هذا المخرج الذي أثبت ـ من خلال أول أفلامه ـ بأن لديه الكثير
لكي يقدمه في مشاريعه القادمة ، فدعونا نترقب جديده .