زياد الخزاعي

 
سيرة كتابة
 
 
 

كتابة

مهرجان كان السينمائي الدولي الـ 75

Directors’ Fortnight Review

"نصف شهر المخرجين": سُلالات الطليعيّة تتقوَّى ولا تُهادن

بقلم: زياد الخزاعي

 
 
 
 

يعكس ملصق الدورة الـ54 (الفترة ما بين 18 ـ 27 مايو 2022) لتظاهرة "نصف شهر المخرجين" (أو إسبوعا المخرجين) المُشع بواحدة من اللقطات الفوتوغرافية الهجينة لفنانة التجهيز والمتعددة الإختصاصات البيروفية سيسيليا باريديس، وتُدعى "طيران أزرق" (2021)، المُتساءلة حول كيفية تأثير بيئتنا على هويتنا. تجمع فيها بطبقات متراكمة بين صنيع صورة ونسيج وفن بدني وتمويه كائن  داخل كادرات طبيعية وبين موضوعات زخرفية شديدة الإتقان والخَلْق.

يحتفي الإعلان، بصيغته الإستفزازية، تلك الروح الطليعيّة الغامرة التي شكلت فلسفة هذه الخانة المميّزة منذ تأسيسها في العام 1969، بإعتبارها رحماً رياديّاً لقول سينمائيّ إنقلابيّ، قاده شباب متّنور ومغامر، أصبحوا لاحقا قامات خلّاقة وضعت أسساَ بصرية ثورية، قاربت إشكالات سياسية وإجتماعية وإيديولوجية عصفت بمجتمعات تقليدية، هاجمتها ليبرالية متوحشة بحروب مجحفة وإستعمارات آفلة وطبقيات متنمرة، ما دفع بحشود من الفتية الى شن إنتفاضات ساخطة، خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، أدت الى وقوع إضطرابات إجتماعية وسياسية وثقافية عميقة، قلبت موازين، وغيرت أخلاقيات، وأنتجت ثقافات صداميّة وشبه متحررة.

هذه التظاهرة التي تديرها "نقابة المخرجين الفرنسيين"، وتغطي فعالياتها فترة أسبوعين "تعج برؤى جديدة وحوار دائم مع العالم المعاصر"، وليدة تلك التحولات. قامت أسسها على جهود "صانعي أفلام أثروا بعمق في السينما الحداثية، وساهموا في تطور لغتها، وإعادوا إختراع رموزها"، حسب مؤسسيها.

 قبل كل شريط مشارك، يعرض مقتطف دعائي يحتفي بإسمائهم مع لقطات من منجزاتهم، كدليل وتحية على الأهمية القصوى لهذه الخانة الموازية لفعاليات مهرجان "كانّ" السينمائي، ودعمها الفني على مدار 54 عاماً للإبتكار والجرأة والدهشة السينمائية، والتي تنتقي إدارتها وبإختيار حر وغير تنافسي أشرطة عالميّة تمتاز بأشكال مستحدثة تستجيب الى أزمنتنا المتغيّرة.

من هنا، جاء العنوان الرسمي لإنطلاق دورتها الأولى "سينما حرّة"، ليعبر عن حيّز تجديديّ يقوم به مؤلفون سينمائيون، توافرت لهم بصائر نافذة وموهبة لا تُنكر، وجدت لها صديات شعبية وإمكانات تجارية لافتة في سوق العروض الدولية.

هكذا، تم التعريف بجهابذة أمثال الفرنسي روبير بريسون والإميركيين مارتن سكورسيزي وجوج لوكاس والياباني ناغيزا أوشيما والألماني راينر فِرنر فاسبندر ومواطنه فِرنر هيرتزوغ والبلجيكية شانتال أكرمان والإيطالي برناردو بيرتولوتشي والإيراني داريوش مهرجوي، ولاحقا ميشائيل هانكه وسبايك لي وجيم جارموش ويوسف شاهين وغلوبير روشا وهمبرتو سولاس وجان بيير ولوك داردَن وصوفيا كوبولا، ومؤخراً كل من ألبرت سيرا وكليو بارنارد وسيلين سياما وروبن أوسلوند وكزافييه دولان وكلوي جاو وروبرت إغرز، وعلاء الدين سليم وحيدر رشيد وإيلي داغر, من بين عشرات لامعين أخرين.

* * * * *

تُفتتح الدورة الـ54 بشريط "قرمزي" (100 د)، وهي فانتازيا تاريخية للمخرج الإيطالي بيترو مارسيلّلو الذي ذاع صيته مع باكورته الرائعة "مارتن إيدن" (2019)، حول صبية متوحدة وشغوفة بالغناء والموسيقى، تلتقي ذات يوم بساحرة تُخبرها أن أشرعة قرمزية ستُبحر بها بعيداً عن قريتها وعالمها الجاف. تصبح النبؤة هاجساً يعصف بكيان الفتاة جولييت، ويدفعها للإيمان بقوة التغيير. يستدعي الشريط واقعية سحرية، يُضفيها على نصّ شديد الرومانطيقية للكاتب الروسي ألكسندر غرن بعنوان "الأشرعة القرمزية" (1923). هذه هي الأفلمة الثانية بعد إقتباس أٌنجزه في عام 1962 مواطنه ألكسندر باتوشكو.

أما ليلة الختام، فخُصصت لجديد صاحب "اللعبة الكبرى" (جائزة لوي ديلوك لأول فيلم، 2015) و"أليس والعمدة" (جائزة العلامة الأوروبية، 2019) الفرنسي نيكولا باريزيه "العطر الأخضر"(101 د) الذي تدور أحداثه بين أروقة مسرح "الكوميدي فرانسيز". كوميديا متداخلة حول الشك والمغامرة والصداقات بطلها ممثل شاب (الموهوب فنسان لوكوست الذي شع في تحفة مواطنه كزافيه جيانولي "أوهام ضائعة"،2021)، تدور حوله الظنون إثر موت زميله على الخشبة مسموماَ. تقوده تحرياته الى عمليات مشبوهة لمنظمة سرية تحمل أسم الشريط. بمساعدة غير متوقعة من رسامة كاريكاتير غريبة الأطوار تدعى كلير، يختبر الثنائي حنكتهما في إفشال مخططات هذه المنظمة الغامضة.

 
 
 
 

عربياً، هناك باكورة الفنان البصري وصانع الأفلام اللبناني المقيم في باريس علي شري "السد" (84 د)، عن عامل شاب في مصنع طّوب تقليديّ تغذّيه مياه النيل، "يترك في كلّ مساء، وبسريّة تامّة، حرفة صناعة الطّوب، وينطلق إلى واد عند حافّة الصّحراء، للعمل على هيكل غامض مصنوع من الطين. وعلى رّغم جرح أَلَمّ بالجزء السّفليّ من ظهره، إلا أنه يواصل عمله الدّؤوب، بلا كلّل أو ملل. في هذه الأثناء، ينتفض الشعب السوداني من أجل إنتزاع حريّته، فتدبّ الحياة في ذلك الهيكل الطيني الغامض" (مرجع إنتاجي).

من تونس، يشارك المخرج يوسف الشابي (1984) بباكورته "أشكال" (92 د) التي تدور أحداثها في حي حدائق قرطاج في تونس، وهي أحدى المناطق الجديدة في العاصمة، و"تضمّ بين أطرافها تناقضاً، تجتمع فيها أبنية حديثة ومواقع بناء مهجورة وأراضي بور. يجد سكّانها جثّة محترقة لحارس مبنى في قلب إحدى مواقع البناء، ويُوكّل إلى فاطمة وزميلها بطل الكشف عن ملابسات القضيّة، فيبدآن بإستجواب العاملين في مواقع مجاورة. وسرعان ما تغلق الشّرطة ملف القضية مؤكدةً أنّ المجني عليه إنتحر، بعد فقدانه الأمل من الحياة. ولكنّ هذه النتيجة لم تقنع المحققين، فلماذا تفعل الضّحية ذلك في مكان مهجور؟، سيما أن أموراً كهذه يفعلها أصحابها عادةً في مراكز المدن على أمل إستثارة الرّأي العام. تزداد القضيّة تعقيدًا عندما تجد الشّرطة جثّة محروقة أخرى تعود إلى مراهق. تتوالى الجرائم وتكون هناك مفاجآت أخرى وصادمة في إنتظار الشخصيتين الرئيستين" (مرجع إنتاجي).

الى ذلك، تعرض مواطنته أريج السحيري (1982) عملها الطويل الأول "تحت أشجار التين" (أو "تحت الكرموس") (92 د)، الذي كتبته بمشاركة غالية لاكرو وبيغي همانّ، والحائز على ثمانية جوائز ما بعد الإنتاج، إحداها في منصة "فاينل كت"، مهرجان فينيسيا السينمائي (2018).

يوميات الفتيات ملك وسنا وفيدي ومريم اللواتي يترقبن "قدوم الأيام الطويلة الشاقة في الحقول، إذ أنها تعطيهنّ فرصة ليكنّ معاً بعيداً عن رتابة الحياة الريفية. وتجد هؤلاء الفتيات دائماً طريقة للاستمتاع بوقتهنّ على حساب الآخرين. وعندما يتسبّبن بضرّر، مثل كسرهنّ غصناً أو إتلافهنّ بعض التين، فهنّ يعرفنّ تمام المعرفة أن إبتسامة رقيقة نحو صابر، وهو أصغر أرباب عملهنّ، ستمحو كل ذنوبهنّ، بيد أن الأمر يختلف مع الآخرين الذين يكبرونه عمراً. صابر هو الآمر الناهي، فهو من يختار مَنْ سيعمل في بساتينه الشاسعة ومقابل أيّ ثمن. يستغلّ الشاب سلطته ليشتري إحترام النساء، ويتقرّب منهنّ ولو أنه أحياناً يتجاوز الحدّ، خصوصاً مع ملك. تعمل النساء من الفجر حتى المغيب تحت مرأى العاملين البالغين والذين لا تفوتهم حتى أصغر التفاصيل مما يحدث بين أشجار التين من قصص ومشادات كلامية وشكاوى ونظرات هيام وغزل" (مرجع إنتاجي).

أما صاحب "فاطمة" (2015) و"أمين" (2018) الفرنسي المولود في مدينة وجدة المغربية فيليب فوكون (1958)، فيعود الى التظاهرة المرموقة مع "الحركيون" (82 د)، وهم المتطوعون الجزائريون الذين تعاونوا مع الإحتلال الفرنسي للبلاد خلال حرب التحرير (1954-1962)، ويعتبرون محلياً من الخونة. حكاية صلاح وقدور اللذان يجدان نفسيهما تحت قيادة الملازم باسكال وأوامره الزجرية التي لا تنقطع. لكن مع إقتراب الحرب الدامية من نهايته، تلوح آفاق الإستقلال في الأفق، تبدو مصائر الحركيين وما ينتظرهم مستقبلاً قاتمة. يواجه الملازم باسكال رؤساءه، ويصر على ضرورة إجلاء كل فرد في فصيلته إلى فرنسا.

 
 
 
 

* * * * *

من بقية العناوين (من أصل 23 فيلماً و 12 فيلماً قصيراً)، نختار الآتي من الأشرطة التي أخرجتها نساء مبدعات كبواكير أو عمل ثان:

"صباح يوم رائق" للفرنسية ميا هانسن ـ لوف (1981)، حكاية ساندرا (الممثلة ليا سيدو)، وهي أم شابة تربي ابنتها وحدها، تقوم بزيارات منتظمة إلى والدها المريض. بينما تقاتل هي وعائلتها للحصول على الرعاية التي يحتاجونها، تعيد ساندرا الإتصال بكليمان، وهو صديق لم تره منذ فترة. على الرغم من أنه متزوج، تزهر علاقة عاطفية بينهما. شاركت هانسن ـ لوف في هذه الخانة بباكورتها "كلّ شيء يغتفر" (2007)، بعد سنوات من الكتابة النقدية للمجلة الشهيرة "كاييه دو سينما" (كراسات السينما).

"مخلوقات ربانيّة" (94 د) للأميركيتين سيلا ديفيس وآنا روز هولمر. هو فيلمها الأول كمخرجتين مشتركتين بعد عملهما "قبضات" (فينيسيا 2015)، حكاية سيكولوجية وعاطفية متوترة لعائلة تقطن قرية ساحلية تعصف بها الرياح. تقع فيها "أم شابة في حيرة شخصية بين حماية ابنها الحبيب وإحساسها بالصواب والخطأ، لإن الكذبة التي ترويها له، تمزق أسرتهما ومجتمعهما المتماسك".

"الشياطين الخمسة" للمؤلفة والمخرجة الفرنسية ليا ميزوس (1989). صاحبة شريط "أفا" الحائز على أحدى جوائز خانة "أسبوع النقاد" (كانّ 2017)، تحضر الى الكروازيت ثانية مع حكاية غرائبية عن فيكي، وهي فتاة صغيرة ومستوحدة، تمتلك موهبة سحرية، حيث يمكنها إستنساخ أيّ رائحة تحبها، وتجمعها في سلسلة من الجرار المصنفة بعناية. تستولي فيكي سراً على رائحة والدتها جوان التي ترعاها بحب جامح ومفرط. عندما تقتحم خالتها جوليا حياتهما، تستنسخ فيكي رائحتها، وتنتقل عبرها إلى ذكريات مظلمة وعتيقة، تكشف لها أسرار قريتها وعائلتها ووجودها.

إشتهرت ميزوس بكتاباتها المميزة لكبار المخرجين الفرنسيين منهم جاك أوديار "باريس، الضاحية 13" (2021)، وأرنو ديبليشان وشريطيه "أو شكراً" (2019) و"أشباح إسماعيل" (2017)، أندريه تيشيني "وداعاً لليل" (2019)، وكلير دوني "نجوم في الظهيرة" (2022).

"ذكريات باريسية" (العنوان عن الإنكليزية، 105 د) للفرنسية أليز فينوكور. محنة سيدة (فيرجيني إيفيرا) تجد نفسها ضحية إعتداء إرهابي هزّ باريس في أحد أمسيات يوم سبت خريفي. بعد ثلاثة أشهر من الحادث، لا تزال مايا غير قادرة على إستعادة حياتها وأمانها الشخصي مرة أخرى، وتتذكر أجزاء فقط من تلك الليلة. تقرر المرأة الوحيدة التحقيق في ذكرياتها لإيجاد طريقة ما للعودة إلى سعادتها التي إغتالها فعل غادر.

"الماء" للإسبانية إلينا لوبيز ريرا (1982)، إمثولة سينمائية عن قرية صغيرة في جنوب شرقي إسبانيا خلال الصيف، يواجه سكانها عاصفة تتسبب في فيضان النهر الذي يمر عبرها مرة أخرى. هناك إعتقاد قديم شائع يدعي أن بعض النساء مقدر لهن "الاختفاء" مع كل فيضان جديد، لأن لديهن "ماء في دواخلهن". تحاول مجموعة من الشباب التغلب على ضجر موسم ثقيل تفوح منه رائحة الموت بالتدخين والرقص والشهوات. في هذا الجو المثير، تعيش آنا وخوسيه علاقة غرامية حتى ينفجر كلّ شيء.

"1976" للتشيلية مانويلا مارتيللي، هي السنة التي تتغير فيها حياة سيدة وأم تُدعى كارمن، حين يكلفها كاهن العائلة وراعي أبرشية البلدة الساحلية، الإعتناء شاب هارب من مطاردات الطغمة العسكرية في تشيلي، ويحميه سراً. مع الوجود الطاغي لهذا الناشط السياسي المتخفي، تخطو كارمن نحو مناطق غير مستكشفة، بعيداً عن حياة هادئة إعتادت عليها، ويتحرك في داخلها جذوة عاطفية تخيلت إنها خبت منذ زمن طويل.

شاركت مارتيلي في أكثر من 15 فيلماَ كممثلة. عرضت أول فيلم قصير لها في عام 2014، قبل أن تشارك زميلتها أميرة تاج الدين في إنجاز شريط "أواصر الأرض" الذي عرض ضمن فعالية "تشيلي فاكتوري" الخاصة بتظاهرة "إسبوعا المخرجين" (2015). "1976" باكورتها الروائية الطويلة.

"فالكون ليك" (بحيرة فالكون) للممثلة وعارضة الأزياء ومقدمة البرامج التلفزيونية السابقة اكندية الفرنسية شارلوت لو بو (1986)، دراما عائلية حزينة مقتبسة عن كتاب مصور ذائع الصيت لباستيان فيفس "أخت" (نشرت في العام 2021)، عن صبي باريسي يبلغ من العمر 13 سنة، يقضي إجازة الصيف مع عائلة كندية في ريف كيبيك القصي، حيث يوطد صداقة مع كلوي (16 عاماً)، وهي ابنة صديقة قديمة لوالدته، توقظ في كيانه رغبة المراهقين، تغيرهذه العلاقة حياته ورؤيته الى العائلة والحياة والإيمان والطبيعة الى الأبد.

سينماتك في ـ  18 مايو 2022

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004