- نحن اليوم في 19 تشرين الأول 2004. فلنبدأ مع بداية جانيت
فغالي في وادي شحرور، والجو الذي تربيتي فيه.
صباح: ولدت في بدادون، قرب وادي شحرور. البنت الثالثة، وأمي
زعلت كتير. كنا نعيش في غرفة، مش إنه آخدين قصر، فلم ترضعني. مرة كان عمّي
(الشاعر الزجلي شحرور الوادي) عندنا، وأنا أبكي، قال لها: "طالع صوتها حلو
كتير، رضّعيها حرام". وعندما كبرت كنّا نروح إلى مدرسة بالضيعة. لكن بقي
الفنّ في قلبي.
- وما كان اسم المدرسة؟
مدرسة معلّم سبع فغالي. وكان يرسلني إلى البيت جبله الطعام
بمطبقيّة. وكنت آكل نصفه على الطريق. بقينا ثلاث سنوات تقريباً فيها، حتى
انتقلنا إلى بيروت (الأشرفية)، وأدخلنا أبي مدرسة حكومية، لكنّ عمي لم
يوافق، فنقلنا إلى المدرسة اليسوعيّة.
- هل تذكرين في الطفولة تأثّرا ما بعمّك (الميجانا أو
العتابا)؟
أكيد كنت حبّ كون مشهورة مثله. لكنّ الموهبة بالدمّ. وكنت
كلّ سنة بالمدرسة أعمل حفلة (غنائيَّة) للأهالي. كنت أغنّي بعض مواويل
عمّي، والراهبة كل شوي تعطيني بيضة نيّة، لكي أصير أقوى (كرمال صحتي). طول
عمري كنت رفيعة، بس الراهبة كانت تريد أن أصير قوية من أجل المسرحيّة، وكنت
أوقات غنّي للراهبات من الطاقة (أبو الزلف، وميجانا، ع الروزانا).
- والدك كان يقول زجل؟
والدي ليس كثيراً، جدي (لويس الخوري) نعم، كان صوته حلواً،
وكان يقول زجلاً كلّه شتائم، وحين تقرأه بالعكس، يبدو مديحاً. كان خوري،
وعندما كنت أقول له إنني أريد أن أصبح فنانة كان يضربني. الفن كان عيباً.
ولما قلت للراهبة أريد أن أسافر إلى مصر، قالت اذهبي وإياكِ أن تقبّلي
مسلمين، فقلت لها لن أفعل، وبستن كلّن، ما خلّيت حداً منهم.
- متى بدأت تنوعين بثقافتك الموسيقيّة؟
عملت أول أغنية لبنانية في لبنان اسمها: "يا هويدا هويدا
لك" (ألحان: نقولا المنّي)، ثم كرّت الأغاني. كان ذلك في الخمسينات (بعدما
ذهبت إلى مصر).. وعندما صرت في مصر صرت أغنّي المواويل وأغاني لبنانية كي
يفهمها الناس.
- قبل مصر، ما هي مكوناتك الثقافية في الموسيقى والشعر؟
الشعر الزجلي بدمنا، عشنا عليه، مات عمّي ومات الزجل معه.
مرّة دعانا أصدقاء إلى الضبيّة، عندهم كنيسة صغيرة. دخلت وصرت أبكي وأطلب
من العذراء أن أمثّل في الأفلام. وفي اليوم الثاني قلت لزوج أخت آسيا داغر،
المنتجة اللبنانية: دخيلك حابة أعمل أفلام. حكي مع الست آسيا وقال لي أعطني
صورتك. أحبني من ضحكتي. كان ذلك في سنة 1943، السنة التي ذهبت فيها إلى
مصر.
علّمتني آسيا
- أين التقيت بزوج أخت آسيا داغر قيصر يونس (من تنّورين)؟
كانت بناته معي في المدرسة. شاهدني أمثّل، فتحدثت إليه بعد
يوم من صلاتي للعذراء، فحققت لي حلمي. أخذ قيصر يونس صورتي وأرسلها إلى
الست آسيا فدعتني.. ومن البداية بدأت بأدوار البطولة. لها فضل كبير على
الفنانات اللبنانيات، وعلى الإنتاج المصري أيضاً. ماري تويني وآسيا امرأتان
لبنانيّتان منتجتان بذلتا مجهوداً في السينما. أمر ليس سهلاً.
- أخبرتنا نور الهدى أنّك ذهبت إلى مصر بعدها بثلاثة أشهر،
بعدما تبنّاها فنياً يوسف وهبي، وأنّهم أجروا قرعة لاختيار اسم فنّي لها
غير اسمها الحقيقي الكسندرا بدران، فحظيت باسم نور الهدى، وأنّ الاسم الآخر
في القرعة كان صباح. هل الرواية صحيحة؟ من اختار اسمك؟
كنت أحبّ نور الهدى كثيراً رحمها الله، وفي ذلك الوقت كتبوا
أنّ صوتها أفضل من صوت أم كلثوم. كامل الشناوي كان صحافياً مهمّاً، وكتب
ذلك عنها. وأنا كنت أحبّ أن أكون مثلها. أما مثلي الأعلى فكان ليلى مراد.
كنت أحبّ أن أكون مثلها. ولكن بالعودة للاسم، لا، آسيا نشرت صورتي في مجلّة
"الصباح" لمصطفى القشاشة، وطلبت من القراء اختيار اسم، فكان الإجماع على
اختيار اسم صباح. ومشي حال الاسم عليّ.. منيح كان.
- عندما سافرت إلى مصر مع آسيا داغر، هل ذهبت لتخضعي
للاختبار، أم كان هناك فيلم بانتظارك؟
كان هناك فيلم بانتظاري، ودعت آسيا أهم الصحافيين للقائي،
مثل إحسان عبد القدوس، علي أمين، مصطفى أمين، إلى جانب رياض السنباطي
وزكريا أحمد. جمعتني بأحلى ناس، فتعوّدت أن أعرف أحسن ناس طول عمري. هكذا
عوّدتني آسيا، وكانت مثالاً لي. عندما كانت تحضّر لفيلم، كانت أوّل من يذهب
إلى "البلاتو" لتكنسه، وترتّب الأمور قبل أن يأتي العمال. تعلّمت منها
أشياء حلوة. وفيلمي "القلب لُهْ واحد" اشتغل لوقت طويل، ما أعطى دفعاً
مادياً لآسيا. وطبعاً الشيخ بيار الجميّل ساعدني، وأرسل معي مكاتيب
لصحافيين في مصر، ورياض الصلح حكي مع ناس كرمالي، وأوصى بي.
- مع احترامي لمجهودهم، أنت لم يكن يلزمك واسطة أبداً يا
ستّ صباح.
كنت لا أزال جديدة على الساحة، ويلزمني بعض الدعم. ولكن
الذكاء هو أهمّ شيء بالنسبة للفنان. الموهبة من عند الله، لكنّ الذكاء قبل
الموهبة. كنت ذكيّة جداً، ولا أزال حتى الآن. وإمي كانت تقف حدّي. إمي بتحب
الفن. أبي كان ضد إنه اشتغل بالفن. بتعرف زمان الأهل كيف كانوا. وكان عنّا
بيت بالضيعة. لو أردنا بيعه اليوم، لكنّا بعناه بنحو مليونين، يومها بعناه
بأربع آلاف ليرة، كي أشتري ملابس، وأسافر إلى مصر.
- من كان أهمّ من تعاونت معه في فيلمك الأوّل؟ ومن وجّهك؟
المخرج هنري بركات. كان مهمّاً. الفيلم كان أيضاً أول عمل
لأنور وجدي، ولاسماعيل يس، وكان معنا سليمان نجيب (هو بيك وأخوه باشا)،
كانت أفضل عائلات تشتغل في الأفلام، وميمي شكيب أيضاً. أديت دور منى التي
تعاني من تعذيب زوجة أبيها. زكريا أحمد قدّم لي أغنية "أروح ما روحْشِ"
ونجحت.. ولحّن لي السنباطي أيضاً في ذلك العمل. يا لطيف شو نجح. كتير كتير.
يعني مهما أوصف لك... زرت العراق من بعد الفيلم، لم أستطع دخول السينما
بسبب الزحمة. والعراقيين كُرماء، بعد خمس سنوات اكتشفت أنهم أرسلوا لي
مبلغاً كبيراً في البنك، بعدما اتصلوا بأخي المحامي روجيه.
- كان أخوك مدير أعمالك؟
نعم، ولا يزال حتى الآن، لكنه مقيم في الولايات المتحدة،
وعنده ابنة اسمها ريبيكا تشبهني.
- وبحسب علمي أنت ساعدت إخوتك كثيراً.
صحيح. عندما سافرت إلى مصر، رافقني أبي، وكذلك نور الهدى،
رافقها والدها. وأبي كل ما يكون فيه بوسة بالفيلم، المنتج ياخده لبرّا
يشربه قهوة، وبعد ما يحضر الفيلم آكل قتلة. كان قاسي شوي. بس إمي كانت غير
شكل الله يرحمها. مرة كنت بمصر وصرت أبكي، أريد أن أرى أمّي على عيد
الميلاد، ولم تكن معي، ولكي يسكتني، قرّر أبي أخدي لرؤيتها. وفي الطائرة
أخبرونا أنّ أمي ماتت، كأن قلبي كان حاسسني. توفيت في الخمسينيات، كان
عمرها 35، ولا تزال حتى الآن حرقة في قلبي.
- في سنتك الأولى في مصر أنجزت فيلماً واحداً (1944-1945)،
وفي السنة الثانية خمسة أفلام، والسنة التي بعدها سبعة أفلام... كلّها
سينما غنائيّة؟
صح، الناس لم تتقبّل أفلامي من دون أغانٍ، لذلك كانت غنائية
100 في المئة، مع الوقت صرت أضع أغنية لبنانية، وأغنّي الموّال وأفسّره،
فصاروا يفهمونه كأنّه موال مصري.
بين العمالقة
- في مجال الغناء والترغلة بمن تأثرتي؟
ليلى مراد.. والمدّة الطويلة في الصوت هي خلقة من الله،
لأنّي بنت جبليّة، وذلك النمط يجري في دمي. خلقت لوحدي هيك. من دون ما قلّد
حداً.
- اشتغلت مع محمد عبد الوهاب عددا من الأفلام والأغاني. متى
تعرفت عليه؟
أعرفه منذ كنت صغيرة. مثّلت في فيلم من إنتاجه، بعنوان
"إغراء". وكان أخاً لكلّ الفنانين، وخصوصاً لي أنا. كان يحبّني لأنّ شخصيته
تقريباً مثلي، يعرف متى يحكي، ومتى يمشي. كنت أحبّه كثيراً. كنّا مثل
الأهل، وزوجته كانت صديقتي، وعندما زرت مصر في المرّة الأخيرة، زرت أولاده،
وأقاموا عشاءً على شرفي. أول فيلم لي مع عبد الوهاب كان "سيبوني أغنّي"،
و"إغراء" كان من إنتاجه. لم يكن مقتنعاً بي كثيراً في البداية، لأن صوتي
كان صغيراً. لاحقاً عندما غنيّت "مال الهوى يمّا مال"، مختارات الإذاعة
وتلحين كمال الطويل، عندها صرت مطربة.
- زكريا أحمد، ما الذي يعنيه لك هذا الاسم؟
كان يعرف أنّي أحبّ الملوخية، فيتصل بي، ويقول لي: "عاملّك
ملوخيّة، تعالي". أولاده كانوا يتكلمون الانكليزيّة، فقال لهم "يا ولاد
اتكلّموا عربي، دا أنا دافع للانكليزي". سعاد محمد سارت على طريق زكريا.
أمي عرّفته على سعاد عندما كان في لبنان، دعتهما للغداء، وكانت سفرتها
مشهورة. وذهبت سعاد عن طريق زكريا إلى مصر، ونجحت، وصوتها كان بجنّن. الشيخ
زكريا كان يعلّمني اللحن من دون عود، بينما عبد الوهاب على العود، ورياض
السنباطي على العود، ومحمد القصبجي على العود.. ومحمد القصبجي أراد أن
يتزوّج من أم كلثوم، لكنّ أهله لم يرضوا، لأنّ الفن عيب، تزوّج أربع مرّات
ولم ينجب.
- أنجزت مع محمد فوزي أفلاماً كثيرة وناجحة مثل "الآنسة
ماما"، و"الحب في خطر"، و"عدو المرأة"...
صحيح أنا وفوزي كنّا أنجح ثنائي. كان فناناً عظيماً جداً،
وهو شقيق الستّ هدى سلطان. لم يعرفوا قيمته إلا عندما رحل، وصاروا يعيدون
تقديم أغانيه، ويعيدون إحياءها. كان صديقي وكنا لابقين لبعضنا كثيراً.
- أخبرينا عن علاقتك الفنية برياض السنباطي.
كنت كل ليلة أزوره مع أنور منسي (عازف كمان وزوج صباح
حينها)، نسمع عنده موسيقى كلاسيكيّة. كان يسمع آرام خاتشاتوريان (موسيقي من
أرمينيا حين كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي). خلال تلك المدّة، عشقه
المصريون، لأنّ أعماله كانت تتضمن نفحة شرقيّة، وكنا نسمعه كلّ ليلة في بيت
السنباطي. وقد لحّن لي "راحت ليالي"، و "حاسديني على حبك ليه" و("الليل
لينا" و "يا هوايا ويا هوايا"...). قال لي مرّة، وحين كنّا نسجلّ "راحت
ليالي"، "لو أنا استلمتك" من الأوّل كان هيبقى صوتك أحلى صوت في الشرق.
- ومع فريد الأطرش مثّلتي أفلاما مهمّة أيضاً
أربعة أفلام.. فريد طبعاً موسيقار مهم، لكن في ذلك الحين،
كان هناك منتج فلسطيني اسمه جبريل تلحمي، قال لفريد: "عايز تنجح، مثّل مع
الشحرورة". لأن فريد في تلك الفترة، كان قد أصدر أكثر من فيلم لم تحقّق
نجاحاً. كان أوّل واحد شافني عندما ذهبت إلى مصر، وقال لأ، خليها بالمدرسة
صوتها ما ينفعش. لاحقاً لحّن لي فيلم "بلبل أفندي" (1947)، وضرب (نجح) فريد
الأطرش، وحطولي حتى اسمي قبل اسمه. ولحّن لي أكثر من أغنية ناجحة، مثل
"حبيبة أمها"، و "أكلك منين يا بطة"، و "الاقي زيّك فين يا علي"، و
"زنوبة".
- هناك مرحلة ثانية لك في مصر ستّ صباح، بعدما استلم عبد
الناصر الحكم، وعملت مع كمال الطويل، ومرسي جميل عزيز، ومحمد الموجي؟
طبعاً كمال الطويل ومحمد الموجي مثل أهلي.. ومحمد الموجي
كان لمّا يعجبني اللحن أبقى قاعدة بجانبه، ولما ما يعجبني قوم أمشي. فيقول:
"لا دا ما عجبهاش.. فياخد العود ويضل ماشي". ما فيه حداً ما عملي أغاني
حلوة، حتى الناس اللي طالعين جديد، يعني "ساعات ساعات" كانت أول لحن
للدكتور جمال سلامة.. ولهلق "ساعات ساعات" ما بتموت.
- منير مراد وسيّد مكاوي أيضاً؟
أول أغنية أديتها لسيد مكاوي "أنا هنا يا ابن الحلال"،
وأيضاً لا تموت. أغانيّ مع منير مراد كانت حلوة، ولكن لم تحقّق نجاحاً.
أحمد ورشدي وأنور
-هنالك ثلاث شخصيات فنيّة كان لها علاقة بفنّك وحياتك بشكل
كبير، أريد منك أن تحدّثينا عنهم. الأوّل المذيع أحمد فراج، والذي كان زوجك
في مرحلة من المراحل؟
أحترم أحمد فراج كثيراً حتى الآن، كإنسان ناجح ومباشر.
مثّلت معه في فيلم "ثلاثة رجال وامرأة"، وفيه تؤدّي سعاد حسني دور أختي.
لكنّ الفيلم لم ينجح كثيراً، لأن طلّة أحمد كانت جديّة. لاحقاً قال لي أنّه
يريد تقديم برنامج بعنوان "نور على نور". أعجبني الاسم كثيراً. حضرت تصوير
أوّل حلقتين وأنا أضع غطاءً على رأسي، لأنّه كان برنامجاً دينياً، ولاحقاً
نجح نجاحاً كبيراً، وجال على كلّ البلاد الإسلاميّة.
- الثاني هو رشدي أباظة، وكان زوجك أيضاً؟
ابن عيلة، وبيحكي كذا لغة ومتعلّم وراكز ومثقف كبير، إيه
كنت حبّه جداً.. مبارح لما كنت عم سجل للتلفزيون مع وسيم طبارة، قال: "ما
بتقول إلا بتحب رشدي أباظة، وهي قعدت معه 3 أيام".. قلت له: "لأني قعدت معه
3 أيام بحبّه، لو أكثر يمكن ما كنت حبيته".
- الشخص الثالث أعتبره مهمّاً في حياتك الفنيّة، وكان
فناناً كبيراً اسمه أنور منسي، وهو والد ابنتك، أكيد لا يمكن أن ينسى. مات
ميتة مأساوية (سقط عن ظهر الحصان في سفح الهرم العام 1961)، والتقيته حين
كان يعزف في فيلم لفريد الأطرش. وكان من العازفين النادرين الذين يترك لهم
عبد الوهاب التصرّف باللحن، لأنّه كان يثق بذوقه؟
حتى الآن يعزفون الكمان على طريقته، ويقلدونه، ولم تنجب
الموسيقى مثله في مجاله. وأعتقد أن ابنتي هويدا لم ترتح كثيراً في حياتها،
منذ رحيل والدها. كان معي في الفرقة كمان، ويعزف لي حين أغنّي. ومثّل معي
في فيلمين أو ثلاثة. عبد الوهاب كان يحبّه كثيراً. أم كلثوم لم تكن تحبّه،
لأنّه كان فاهم كتير. مرّة كانت تسجلّ معه أغنية. قالت له: اعدل الصوت.
فقال لها: حاضر، من عينيّا. فلمّا سجّلت، قال لها: أنا ما عدلتش في الصوت.
قالت له: يا ابن الكلب، ولحقته بالسرماية (الحذاء) على الدرج وبدها تضربه.
قتل حاله، ما كان يهدأ. ساعة يروح يلعب طاولة للصبح، ساعة يركب حصان.
العودة إلى "ضيعتنا"
- ما كان سبب تركك لمصر، وعودتك إلى لبنان؟ قيل حينها أنّها
مشكلة ضرائب.
لا لم تكن كذلك. مشكلة الجزائر لما نزلونا من الطيارة ما
عدت رحت على مصر، كنت بتمنى روح عالجزائر، بس كنت متفقة مع مهرجانات بعلبك
(1962) بعد وفاة أنور منسي.. وما عدت رحت.. آخر مدة كان حكم عبد الناصر
ظالم، مع إنه بالأول كان يحب الفنانين.
- شاركتِ في مهرجانات بعلبك قبل استقرارك في لبنان، منذ
العام 1957، في مهرجان بعلبك الأول، مع زكي ناصيف، والأخوين رحباني. كانت
بداية تاريخية لشيء جديد في الموسيقى العربيّة.
نعم، عدت إلى لبنان، وتنازلت عن جواز السفر المصري، ولاحقاً
أعاده لي السادات. أم كلثوم كانت حين تسمعني أقول الأوف تجنّ، وتقول لي "لا
دا مش طبيعي". وعبد الوهاب كان يقول لي "إنت واحدة مجنونة، ازّاي تقولي أوف
زيّ دي". ربما في مصر يحبونني أكثر من لبنان. لكن، عندما يبلغ أحدنا سنّاً
معيّنة، يحب أن يعيش في موطنه. مهرجانات بعلبك كانت أجمل جوّ، يوقف الفنان
متل الملك، يعني بعلبك ما بتتعوّض.. كنا ننبسط بالمهرجان.
في لبنان، نقولا المنِّة لحن لي أوّل أغنية: "يا هويدا
هويدا لك" من تأليف أسعد سابا، وساهمت في إطلاق نمط الأغنية اللبنانيّة.
وفي البدايات، قبل السفر إلى مصر، كان عاصي ومنصور الرحباني يعزفان الكمان
معي. عاصي طلب يدي من أبي. قال له أبي: "روح بالأول انجح واشتغل وبعدين خود
صباح". لكن له معزّة خاصة في قلبي حتى اليوم. ومع حليم الرومي أنجزت فيلماً
في مصر، بعنوان "أوّل الشهر". مرة لحّن لي شعر نحوي بالإذاعة هون، وما عرفت
غنيها منيح؟
- لا تتآلفين مع الغناء الفصيح؟
أتآلف مع الأغاني الكلاسيك مثل: "ساعات ساعات"، "أخدو
الريح"، اللغة الفصحى ما بتلبقلي، مش شخصيتي، بس حليم طبعاً فنان مهم.
- طبعاً ما فيه شك، وتاريخي، ومؤسس (حليم الرومي)، لأنه هو
من بدأ في الاتجاه النحوي للانتباه إلى الريف، منذ كان في يافا مع إذاعة
"الشرق الأدنى"، قبل العام 1948، بعدما جاء مع صبري الشريف إلى لبنان،
وأنجزوا "اسكتشات" إذاعية.
ألّفوا لي "الموسم الأزرق"، كنت أنا وعاصي أبطال ومنصور
وفيروز، كانت فيروز بعدها جديدة. يحكي "الاسكتش" حكاية فستان، وأنّي بقيت
فقيرة طول عمري، ولم أقدر أن ألبس الفستان الأزرق لحد ما صار معه زوجي
يجبلي الفستان.
- بعد مرحلة "الاسكتشات" الإذاعية، طلب أن يصير هناك ليالٍ
لبنانية وأنت اشتركت فيها، فبدأت مرحلة تمدين موسيقى الأرياف في العام
1957.
وكانت أوقات الأفكار سطحية، ولكن كان ينجح المهرجان كتير..
يعني إذا بتنفذ هلق هي الأفكار، يمكن ما تعجب العالم.. بس زمان كانت
تعجبهم.
- بدأت في العام 1957 مع الرحابنة وتوفيق الباشا وفيلمون
وهبة وروميو لحّود وكل هؤلاء الكبار الذين صنعوا ذلك الازدهار.
روميو هو من درّج اللّبس والديكور.. بالأول كان اللبس عادي.
- فيلمون وهبي مهمّ جداً في حياتك الفنية.
معلوم (طبعاً). ما كنا نفترق، تعرّفت عليه بالإذاعة. قدّم
لي أجمل ألحان على شعر توفيق بركات الذي كان مخلصاً للأغنية اللبنانية. كان
يقف على أبواب الملحنين المصريين المشهورين لكي يعطيهم كلام، ويبقى واقفاً
بالساعات حتى يأخذوا كلامه.
- ألم يكن هناك منافسة على الرحابنة بينك وبين الست فيروز؟
اشتغلتِ معهم حضرتك عدّة مهرجانات.
الست فيروز بتعزني كتير. ولم يكن هناك منافسة، هي لها لون،
وأنا لي لون. الست فيروز كان حولها الرحابنة، أمّا أنا فكنت لوحدي، ووحدي
شقيت طريقي، وما زلت حتى الآن لوحدي.
- وحضرتك بس تغنّي الميجانا والعتابا أمام وديع الصافي، لا
أحد يقدر أن يقوم بذلك.
نعم، عندي السحبات الطويلة. هو صوته أحلى من صوتي.. بس نفسي
بغطّي لأنه طويل. كان يقول لي أنت توأمي.
- هناك عمل قدّمته وزكي نصيف ووديع الصافي: "يا بلادنا مهما
نسينا"، أعتبره قمة بالدبكة في القرن العشرين.
هلّق على كل حال، الدبكة تقريباً انتهت.. وانشالله لأ..
يرجعوا يرجعوها.
- الفن العظيم لا يموت. هناك أيضاً أغنية أخرى مع وديع، سنة
1964 في فيلم "إنت عمري"، وفيه تغنون "اسكتش" بعنوان "الضيعة والمدينة".
وفي السنة ذاتها قدّمتم "أرضنا إلى الأبد"، وغنيتِ "يا بلادنا مهما نسينا"
مع الأستاذ وديع من ألحان زكي نصيف.
يخزي العين عنك كيف ذاكرهم.. وعندي مع وديع أيضاً فيلم اسمه
"موال". بتصدّق، هناك أشياء كثيرة غنيّتها ونسيتها، قاد ما غنيت بالأفلام
والمسارح. كلّها أعمال خلّت كل الأجيال تحبني، من الصغار للكبار. أنا ما
كنت أحلم صير بهيدا السن وتضلّ العالم تحبني.
- بعد بسنة من "أرضنا إلى الأبد"، حصل هناك مشكلة بينك وبين
وديع، بعد مهرجان "نهر الوفا". يومها تركت المهرجان وذهبت إلى لندن.
ولاحقاً اعترف الشاعر جورج جرداق، أنّه خرّب على وديع في ذلك العمل، بعدما
استقدم ضفادع.
نهر الوفا على طول كان فيه ضفادع. أنا بس رحت بدي غني، أول
شي القصة ما عجبتني، قلت لهم: القصة بدها تتغير، ما سمعوا.. ورحت بدي غني،
هونيك صوت الضفادع أقوى من صوتي.. حملت حالي وفليت.. وبعدين عادوا عملوا
المهرجان وفشل.
- ما سبب فشله برأيك؟
القصة مش حلوة. وبدهم يمشوا ناس بالنهر. ما كان عاجبني.
وبعدين قال انا بدي اطلع من ورا الصخرة. وشو إلها معنى أطلع من ورا الصخرة.
كنت هيك زمان بس شي ما يعجبني أهرب منه. بكتير أعمال كنت حط حالي بالطيارة
وأهرب.
- كنت أذهب دائماً إلى "إذاعة لبنان"، ونلتقيك هناك، وكان
عبد الوهاب يزور الإذاعة، وأحياناً أم كلثوم وفريد الأطرش.
في بدايتي، ذهبت إلى "إذاعة لبنان"، ومحي الدين سلام والد
نجاح سلام، وقّفني على طبلية، وغنّيت ورفضوني.. لاحقاً، صرت أغنّي في
الإذاعة في بثّ مباشر. بعد عودتي من مصر، عملت كثيراً في الإذاعة، بجانب
مهرجانات وحفلات ومسارح.. وجربنا نعمل كم فيلم هون ما مشيوا.. بس كانوا
معقولين.
- إذاعة "الشرق الأدنى" علاقتك فيها أقل؟
طبعاً، كانوا الرحابنة يصطحبوني لكي أغنّي فيها خلال
الخمسينيات.
- هناك مرحلة مهمّة من عملك في لبنان أيضاً، مع عبد الوهاب،
إذ لحّن لك "كل ما بشوفك"، "عالضيعة"، و "جاري أنا جاري"، و "كرم الهوى"، و
"سنة حلوة يا جميل". جعل من لبنان بلده الثاني، وكان يحبّك ووديع كثيراً.
وكان يحب فيروز والرحابنة، وكان يزورني في عاليه، ويجلس على
شرفة المنزل ينظم الألحان.
- زكي نصيف عملك مجموعة من الأغاني الظريفة جداً.
بكفّي "أهلا بهالطلة"
- تاريخياً، أريد أن أختم برأيك. هل أنت مقتنعة بما أقوله،
أنّه بالفعل لم يحقّق أيّ فنّان آخر ما حقّقته، لناحية أنّك اشتركت بازدهار
الفن في مصر وفي لبنان. برأيك، هل هناك أحد يشاركك هذا الإنجاز؟
ما بتصوّر. عندي ثقة بنفسي، وعارفة حالي شو عملت. طبعاً،
كنت راضية جداً عن حياتي الفنية، لكن حياتي الشخصية كانت متعبة قليلاً. لكن
تركت مدرسة لي: في اللبس، والكلام، والمغنى. كلّ الفنّانين ما زالوا يغنّون
أعمالي. أعرف من محبة الناس أني تركت بصمة مهمَّة في الحياة. |