جديد حداد

 
 
 
 
 

المخرجة هالة خليل:

فكر وثقافة مجتمعة في تحقيق فن وجمال خلاق

بقلم: حسن حداد

 
 
 
 
 
 
 
   
 
 
 
 
   
 
 
 
 
 
 

أحلى أوقات السينما المصرية

المخرجة هالة خليل منذ فيلمها الأول (أحلى الأوقات ـ 2004) نبأت عن فنانة جادة تحب السينما وتعشقها كالحياة التي تناولتها.. فيلم يقدم لنا شخصيات تمارس الحياة بطبيعتها وبساطتها.. تلك الشخصيات التي تحاول أن تتأقلم مع مجتمعها.. هذا المجتمع الصعب.. القاسي..!! وهو في نفس الوقت فيلما يتحدث عن الصداقة.. الصداقة بمعناها الجميل.. بكل ما تحمله من سلبيات وإيجابيات.. صعود وهبوط.. وبكل تناقضاتها الحياتية..!!

وهالة خليل مخرجة من جيل التسعينات من القرن الماضي، حاصلة على بكالوريوس قسم الإخراج من المعهد العالي للسينما في القاهرة، فضلاً عن كونها خريجة كلية الهندسة التي مثلت وأخرجت فيها بعض الأعمال الفنية. ومنذ مشروع تخرجها عام 1993، أخرجت العديد من الأفلام التسجيلية والروائية القصيرة من بينها "أصحابك عشرة"، "جمال الثورة"، "هيليوبليس" و"طيري يا طيارة"، الفيلم الروائي القصير الذي مثل مصر في بعض المهرجانات العربية والعالمية وحاز على عدة جوائز. بعدها جاء باكورة أعمالها (أحلى الأوقات) الذي ذاع صيته وأضحت شهرته تسيطر على ما تقدمه السينما المصرية فيما بعد.

ففي (أحلى الأوقات) نحن أمام ثلاث صديقات تعرفن على بعضهن منذ أيام الدراسة المبكرة.. سلمى (حنان ترك)، يسرية (هند صبري)، ضحى (منة شلبي).. ثم اختلفت بهن السبل.. إلا أن الذكريات وظلال الصداقة المتلاشية بفعل انقطاعهن عن رؤية بعضهن، يكون لها فعل السحر لتتكشف هذه الصداقة وتنتعش من جديد.. فعندما تموت والدة سلمى (مها أبوعوف).. تبدأ في الشعور بالوحشة، وتكشف عن انطوائها الذي سبب لها ذلك الشعور بالوحدة القاسية.. هذا الانطواء الذي جعلها تعيش بمفردها وتحاول قدر الإمكان العيش بعيداً عن الآخر.. فتبدأ باستلام رسائل مجهولة وصور وأشرطة للمطرب محمد منير من مجهول تذكرها بحي شبرا.. الحي الذي عاشت فيه سنوات طويلة، لتعيدها لذكريات الطفولة وسنوات الدراسة وتلك الأحلام الصغيرة التي بدأت تكبر في مخيلتها، ذكريات اعتبرتها أحلى أوقاتها.. مع صديقاتها.. هنا نشاهد سلمى وقد جذبها الحنين لتلك الذكريات وذلك الحي الشعبي..!!

فنتابع كيف أن هذه الصداقة بين الثلاث قد بدأت في التجدد على نحو أعمق بعد أن تكون الحياة قد أنضجت هذه الشخصيات.. بالرغم ما شاب مشوار كل منهن من صعاب.. في ظل مجتمع مليء بالمعوقات الاقتصادية والأخلاقية.. ساهم في فقدانهم للمتعة الشخصية بأشياء الحياة الجميلة.. لذا نراهن قد صممن على خوض تجربة أخرى للتمتع بما لديهن وانتزاع اللحظات الجميلة واختبار معدن صداقتهن.. مشاهد سجلها الفيلم بعذوبة مؤثرة.. أثناء مرحهن ولعبهن بالكرة وغنائهن لأغاني محمد منير.. أكلهن لطبق الكشري اللذيذ..!!

ومن المؤكد بأن أحداث الفيلم جاءت متماسكة ومحبوكة وتكشف عن موهبة فذة في كتابة السيناريو والحوار.. إنها الكاتبة (وسام سليمان).. في أول فيلم لها أيضاً.. حيث قدمت رؤية نقدية لواقع الشخصيات الثلاث، ولمسات درامية موفقة ومتقنة على الصعيد الفني والدلالي المتناسب مع كل شخصية.. فشاهدنا أحداثاً متقنة تعتمد على مبدأ المفارقة الفنية اللماحة.. مع مصاحبة حوار جذاب رغم بساطته.. يضيف الكثير لتلك الشخصيات الواقعية.. في ظل ذلك الانسجام الجميل بين رؤية الكاتبة ورؤية المخرجة.. فكانت النتيجة مذهلة..!!

هالة خليل قدمت في فيلمها الأول هذا، مشاهد تنبع بالصدق والواقعية الرومانسية.. ونجحت في التعاطي مع فريق التمثيل وإدارته بشكل ملفت، بحيث استطاعت الكشف عن إمكانيات دفينة لحنان ترك وهند صبر ومنة شلبي.. هذا إضافة إلى بقية الأدوار الثانوية التي جاءت بمثابة المفاجأة للمتفرج..!!

فيلم "أحلى الأوقات" سيمفونية عن المشاعر وتحكي عن صداقة حقيقية تربطها علاقات إنسانية وظروف محددة.. هي الحياة الحاضرة بقسوتها وبساطتها.. شخصيات تعيش الواقع ولا تنفصل عنه.. شخصيات تجسد مشوار حياتي قاسي.

إن فيلما بهذه العذوبة.. لكفيل بشد الانتباه لما ستقدمه مخرجته المتميزة هالة خليل فيما بعد..!!

 

 

قص ولصق.. رومانسية العلاقات الإنسانية..!!

وها هو فيلمها الثاني (قص ولصق ـ 2006)، ـ بعد عرضه مباشرة ـ قد حضي بردود فعل إيجابية.. فيلم من بطولة حنان ترك وشريف منير..!! لتثبت هالة خليل للجميع بأنها مخرجة تمتلك حساً وفكراً سينمائيين متفردين.. وذلك من خلال ثلاثة أفلام فقط.. فيلمين قدماها بشكل جديد، وحصلت عنهما العديد من الجوائز، في أغلب المهرجانات التي شاركت فيها..!! وها هو "قص ولزق".. قد حضي بردود فعل إيجابية من الجميع..!!

وفيلم ثالث (نوارة ـ 2015)، أبهرت به الجميع، وأضحت كل مشاركاتها به في المهرجانات، بمثابة تأكيد على أحقية هذا الفيلم بالجوائز.

في فيلمها الثاني "قص ولصق"، تناقش هالة خليل (وهي كاتبة السيناريو أيضاً)، مشاكل الشباب المستعصية، وأهمها البطالة، وسعيهم المستميت للعثور على فرصة عمل.. وهي مشكلة حقيقية تقضي على أحلام وطموحات بسيطة للشباب وهي الزواج والاستقرار والشعور بالأمان، أحلام بسيطة، ولكنها ضرورية.

ويقدم لنا الفيلم شخصيات حقيقية من الواقع.. لديهم سلبيات مثلما يحملون صفات إيجابية.. لديهم طموحات مثلما تنتابهم المخاوف.. يتنفسون في مدينة كبيرة قاسية، يتفشى فيها الزيف والنصب، ومضطرين للتعامل والمشاركة في كل هذا، لأجل الاستمرار في العيش.

فالنماذج التي تختارها هالة خليل، متباينة ومختلفة في اتجاهاتها وتفكيرها.. إلا أنها تلتقي وتتشابك في نفس الهموم.. فنرى جميلة (حنان ترك) التي تفكر بل تحلم في الهجرة بشكل جدي، متخلية عن حياتها العاطفية في سبيل تحقيق هذا الحلم.. لذا نراها تقضي معظم وقتها تشتري وتبيع لتوفير ثمن الرحلة.

أما يوسف (شريف منير) فهو شاب هادئ يعمل في تركيب وتصليح أطباق القنوات الفضائية لسد حاجته وتوفير لقمة عيشه مع أخيه يحيي (أشرف سرحان).. وفي نفس الوقت يسعى لإيجاد فرصة عمل أفضل تنقله إلى مستوى آمن من العيش.. وهناك صديقه سامي (فتحي عبدالوهاب) الذي نراه يتسكع ويحتال لمجرد العيش، بسبب البطالة التي يعشها هو أيضاً.. ولكنه عندما يحب زينب (مروة مهران)، البنت الريفية التي القادمة إلى المدينة للبحث عن الحب والزواج، لكنها تصدم بواقع صعب وقاسي، يجعلها تعمل كبائعة في محل للأطعمة السريعة.

شخصيات فيلم (قص ولصق) الرئيسية، نراها تتقاطع وأحداث الفيلم، بشكل هارموني جميل.. يكمن في تلك المشاهد الرومانسية الحميمية في العلاقة فيما بين الشخصيات، تلك التي تأتي طبيعية من غير افتعال ومبالغة.. كمشاهد تعطل المصعد فجأة، أو طيران طبق القنوات وغرقه في النيل، ومحاولة بيع الهاتف المحمول.. وغيرها من المشاهد التي لا تكتمل فيها القصة. مشاهد قدمت الشخصيات برهافة شديدة، تدعم مواقفها وتصرفاتها، وتبرز محاولاتها لتجاوز أزماتها بشتى الطرق، والابتعاد عن إدانتها، كل ذلك جعلنا نتعاطف مع هذه الشخصيات ونشعر بمعاناتها إلى حد كبير..!!

ولولا ذلك الطرح المباشر في بعض المشاهد التي تتحدث عن أزمة الشباب والبطالة والبحث عن السكن.. والتي جاءت كخطب ومواعظ جافة، على لسان الشخصيات.. وتوقفت فيها الصورة عن الحكي.. هذا إضافة إلى تطعيم بعض المشاهد بأغاني مهمتها شرح الحالة وليس زيادة الشحنة العاطفية.. وكم تمنيت أن تكون هالة خليل (كاتبة ومخرجة) حذرة أكثر في تعاملها مع الأغنية المصورة.. حيث تؤكد هذه المشاهد على عدم ثقة في المتلقي..!!

في فيلم (قص ولصق)، تؤكد هالة خليل على امتلاكها لأدواتها كمخرجة واعية، قادرة على اختبار الممثل وإدارته، هذا إضافة إلى امتلاكها للوعي بهموم ومشاكل شبابية ملحة، تناقشها بهدوء وأمانة.. وهي كفنانة قادرة على إمتاعنا وإثارة مشاعرنا لأغلب الشخصيات التي قدمتها منذ خطت لنفسها هذا الأسلوب السينمائي الجاد.. وليست كل تلك الجوائز (أفضل فيلم عربي وأفضل عمل ثان في مهرجان القاهرة 2007 ـ أفضل فيلم من المركز الكاثوليكي الـ56 ـ أفضل فيلم وأفضل ممثل في مهرجان روتردام 2007) التي حصلت عليها، إلا دليلاً على صحة مسارها التي اتخذته..!!

******

أما فيلمها الثالث (نوارة ـ 2015)، فقد وصلت به إلى مراحل متقدمة من الوعي والجمال الفني.. وبالطبع لم يكن مفاجأة للوسط الفني والسينمائي، بل جاء تتويجاً لمشوار زاخر بالإنجازات الفنية في السينما والتلفزيون.

(نوارة)، رغم أن أحداثه تدور في ظل أحداث ثورة يناير، إلا أنه لم ينخرط في الهم السياسي، بل كان الهم الاجتماعي والمعيشي للفقراء والمهمشين هو محور العلاقات والأحداث.. والتي بالطبع ذات تأثير حقيقي على الإنسان المصري.

المخرجة هالة خليل، بعد هذا الفيلم، تحاول تقديم أعمال أبت العجلة الإنتاجية التقليدية أن تساعدها في مواصلة مشوارها السينمائي، فلجأت إلى التلفزيون، وقدمت أعمالاً درامية كمخرجة وكاتبة أيضاً. ولديها سيناريو فيلم جاهز منذ سنوات، تحت اسم (شرط المحبة)، إلا أنه مازال ينتظر تصريح الرقابة على المصنفات الفنية... تقول هالة خليل: (...لا أعلم سببا واضحا لمنع فيلمي فكل ما هو مطلوب مني فعلته تماما، واستجبت لكل التعديلات التي طُلبت مني، وكنت متعاونة بشكل كبير. واجتمعت مع اثنين من كبار الرقباء بجهاز الرقابة على المصنفات الفنية، وتناقشنا في كل تفاصيل السيناريو، وتم مراجعة كل التعديلات المطلوبة. وانتهى اللقاء بالحصول على إشادة هذين الرقيبين وثنائهما على الموضوع وقيمته، ووعداني بعرض تقرير على رئيس الرقابة خالد عبدالجليل ومنحي تصريح نهائي للموضوع. ولكن كانت المفاجأة أنه رفض إعطائي التصريح، وهو ما دفعني لكتابة مناشدة لرئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسي على حسابي الخاص بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" للتدخل وحل أزمتي، خاصة وهو الداعم الأكبر للإبداع وللمبدعين في مصر، الذين يقدمون أعمالا هادفة ترتقي بالأخلاق والقيم...).

 

مجلة نقد21 المصرية

عدد مايو 2023

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004