كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 

فارس السرد الروائي يترجل...

سيناريوهاته حققت إنجازات عريضة للسينما.. الأفلام المقتبسة من أعمال محفوظ تجاهلت طروحاته الفكرية

عدنان مدانات

عن رحيل صاحب نوبل

نجيب محفوظ

   
 
 
 
 

ترك الراحل الكبير نجيب محفوظ وراءه إرثا سينمائيا غنيا جدا بلغ، حسب إحصاءات النقاد المتابعين، ستة وعشرين نص سيناريو كتبها سواء عن أفكار له أو أفكار اقترحها عليه مخرجون مصريون او اقتبسها من روايات زملاء له من أدباء مصر، مثل فيلم “أنا حرة” عن رواية لإحسان عبد القدوس. بعض هذه السيناريوهات كتبها منفردا، وبعضها الآخر ساهم في كتابتها، بكل تواضع المبدع الذي لم تغره الشهرة، مع المخرجين الذين اقترحوا أفكارها عليه، أو مع كتاب سيناريو وأدباء آخرين.

يعزى الفضل في دفع الكاتب الكبير نجيب محفوظ للكتابة المباشرة لسيناريوهات الأفلام إلى المخرج الراحل صلاح أبو سيف، أحد أهم رواد ومؤسسي الاتجاه الواقعي الاجتماعي في السينما المصرية. ومن ناحية ثانية أدت مشاركة نجيب محفوظ في كتابة السيناريوهات إلى إنجاز بعض أهم الأفلام التي اعتبرت ولا تزال من كلاسيكيات السينما المصرية الكبيرة التي لم تفقد تأثيرها وقيمتها الإبداعية رغم مرور الزمن. وما يجدر التأكيد عليه هنا هو أن العدد الأكبر من أهم وأفضل هذه الأفلام التي كتب لها السيناريو، منفردا أو بالتعاون مع المخرج، هي الأفلام التي أخرجها صلاح أبو سيف. من أبرز هذه الأفلام “ريا وسكينة” (عام 1953) و”الفتوة” (1957). (وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فلا بد لي أن أشير هنا إلى حوار شخصي جرى بيني وبين المخرج صلاح أبو سيف قبيل وفاته بأيام يتعلق بفيلم “الفتوة”. فقد كنت اعتقد أن هذا الفيلم مقتبس من فيلم إيطالي أنتج في نفس الفترة بعنوان “التحدي” وحمل توقيع المخرج فرانشيسكو روزي الذي يعتبر رائد السينما السياسية المباشرة، وكان مرد اعتقادي هذا ليس فقط التشابه الكبير في الحكاية بين الفيلمين، بل معرفتي بأن صلاح أبو سيف قضى فترة في إيطاليا درس فيها السينما. عندما سألت صلاح أبو سيف عن مدى تأثره بالفيلم الإيطالي أجابني بوضوح وثقة بأنه شاهد الفيلم الإيطالي ولكن فيلم “الفتوة” أسبق زمنيا من حيث الإنتاج، وأنه عرض في مهرجان البندقية السينمائي في العام ،1957 وأن فرانشيسكو روزي، الذي كان مشاركا في المهرجان، اخرج فيلمه “التحدي” بعد ذلك).

 من الأفلام الكلاسيكية المهمة الأخرى التي كتب لها أو ساهم في كتابتها نجيب محفوظ نذكر على سبيل المثال “لك يوم يا ظالم” إخراج صلاح أبو سيف، و”جعلوني مجرما” إخراج عاطف سالم، و”شباب امرأة” إخراج صلاح أبو سيف، و”درب المهابيل” إخراج توفيق صالح، و”جميلة بو حيرد” إخراج يوسف شاهين. بالمقابل، قدم مخرجو السينما في مصر عددا كبيرا من الأفلام المقتبسة من روايات نجيب محفوظ، حيث بلغ عدد رواياته المقتبسة في أفلام مصرية اثنتين وعشرين رواية.

ما حققه نجيب محفوظ من إنجازات للسينما المصرية عبر نصوص السيناريوهات التي كتبها لم يتحقق في الأفلام، أو في معظم الأفلام التي اقتبست من رواياته، فهي في غالبيتها لم ترتق إلى مستوى أدبه، واكتفى العديد منها بالتعامل السطحي مع الأحداث وتجاهل القيمة الفكرية والجمالية لأعمال نجيب محفوظ.

والمفارقة في الأمر هنا أن نجيب محفوظ، وعلى الرغم من خبرته في كتابة السيناريو، لم يكتب أياً من سيناريوهات الأفلام المقتبسة عن رواياته، بل الأهم من ذلك، إنه كان يرفض على الدوام التعليق، سلبا أم إيجابا، على تلك الأفلام، معتبرا أن علاقته برواياته تختتم بنشرها. وهذا ما يفسر ما ذكره الناقد المصري علي أبو شادي في كتابه النقدي “أبيض وأسود” الصادر في العام ،1994 في فصل مخصص لتحليل فيلم “ميرامار” المقتبس من رواية نجيب محفوظ وهو الفيلم الذي يعتبره “النموذج الفذ في تشويه رؤية الكاتب وقلب الحقائق بل التعدي على شخصيات الرواية”، حيث كتب ما يلي: “... وقد عانى كاتبنا الكبير نجيب محفوظ من ذلك العبث في معظم أعماله التي قدمت في السينما”. ويستثني علي أبو شادي من هذا العبث الأفلام التي قدمها صلاح أبو سيف (من هذه الأفلام “بداية ونهاية” و”القاهرة 30”).

مع ذلك، لا يشارك جميع النقاد علي أبو شادي في حكمه الصارم هذا مع عدم الاعتراض على مبدئه، حيث يمكن ملاحظة، حسب تعليقات نقاد آخرين، أن بعض الأفلام المقتبسة عن روايات نجيب محفوظ اكتسبت وضعا مميزا في تاريخ السينما المصرية ولاقت نجاحا شعبيا واهتماما نقديا إيجابيا على الرغم من عدم ارتقائها إلى مستوى الروايات المقتبسة منها. أبرز هذه الأفلام “اللص والكلاب” و”ثرثرة فوق النيل” و”الطريق” و”بين القصرين” و”الحب فوق هضبة الأهرام” وهو الفيلم الذي أخرجه عاطف الطيب وصور فيه مشهدا نرى فيه بطل الفيلم يقابل نجيب محفوظ ذاته في المقهى ليستشيره في قضايا حياتية وفكرية تؤرقه، إضافة لهذه الأفلام ثمة فيلم واحد هو “قلب الليل” للمخرج عاطف الطيب، الذي يسجل له أنه لم يتجاهل التأملات الفلسفية الصوفية بل جعلها من أساسيات الفيلم.

وكذلك لا بد من الإشارة إلى فيلم “الكرنك” الذي جلب لنجيب محفوظ المتاعب بسبب من اتهام الفيلم الذي انتج في عهد السادات بالإساءة إلى عهد جمال عبد الناصر، مع أن نجيب محفوظ كتب الرواية زمن عبد الناصر.

وكنموذج على أحوال تعامل السينما المصرية مع أدب نجيب محفوظ نوجز هنا بعض التحليل لمصير رواية “الحرافيش” بالذات سينمائيا، حيث إنه من ضمن العدد الكبير من روايات نجيب محفوظ التي جرى نقل أحداثها للسينما المصرية، حظيت روايته الملحمية المميزة “الحرافيش” وحدها بالكم الأكبر من الاقتباسات التي تجسدت في أفلام متفاوتة القيمة فنيا وفكريا، ومتفاوتة الإخلاص للأصل الأدبي. تتألف رواية الحرافيش من مجموعة فصول منفصلة ومتصلة في آن ومتقاربة في مادتها السردية. يقدم محفوظ في كل فصل من هذه الفصول التي تجري وقائعها في حي شعبي شخصية رجل من عامة الشعب يبدأ فقيرا، وضعيفا ومضطهدا من قبل زعيم الحي المتسلط الذي يعمل لصالحه ثم تدريجيا يتطور الضعيف ويصبح قويا إلى أن يسيطر على زمام الأمور ويتمرد على الزعيم ويتبوأ موقعه وينتهي به الأمر إلى أن يتخلى عن مبادئ العدالة والخير التي تمرد مدافعا عنها ويتحول بدوره إلى زعيم متسلط. تتضمن الرواية أحداثا كثيرة وصراعات ومغامرات، لكن نجيب محفوظ، الذي درس الفلسفة في الجامعة، لا يسردها لذاتها بل يستخدمها ذريعة للتفكير والتأمل والطرح الفلسفي.

أنتجت السينما المصرية في وقت متقارب، وتحديدا في ثمانينات القرن العشرين، فيما يمكن اعتباره موجة أفلام الحرافيش، ثمانية أفلام جرى اقتباس قصصها من الفصول المختلفة لرواية “الحرافيش” قام ببطولتها أهم نجوم السينما المصرية في تلك السنوات ومنهم نور الشريف الذي حظي بالعدد الكبر من تلك الأفلام.

من بين تلك الأفلام يتميز فيلم “الجوع” الذي أخرجه علي بدرخان ولكن دون التصريح بتبعية حكايته وأحداثه لرواية “الحرافيش” ككل وليس لفصل واحد من فصولها. وهذا الفيلم هو الأقرب إلى الرواية، على الأقل من حيث طرحها الفكري ومضمونها السياسي وخلاصتها الأخلاقية، ذلك بأن الفيلم لا ينتهي بانتصار البطل الفرد المتمرد وحده، بل بانتصاره من خلال نجاحه في حشد بقية الفقراء المضطهدين مما تسبب في ثورة جماعية.

هذا في حين أن بقية الأفلام التي اقتبست عن قصص الحرافيش لم تأخذ منها إلا الحكايات التي تتضمن مغامرات، التي سبق للسينما المصرية أن تناولت ما يشابهها في الأفلام التي تتحدث عن الصراعات بين “فتوات” الأحياء الشعبية في القاهرة، ولم تهتم تلك الأفلام بالروح الأدبية للرواية وبتقديم الطروحات الفكرية الفلسفية ذات المنحى التصوفي، والتي أعطت أحداث الرواية عمقها وتميزها المضموني، كما أنها، لم تنجح، نتيجة لذلك بجعل العبرة الأخلاقية مؤثرة بالقدر المتوفر في الرواية.

من بين تلك الأفلام أيضا يتميز فيلم “الشيطان يعظ” الذي أخرجه أشرف فهمي في العام ،1980 والذي كان بداية سلسلة الأفلام المقتبسة من “الحرافيش” بمحافظته على البنية السردية الدائرية التي يتشكل منها كل فصل من فصول الرواية.

في الختام، نذكر أن نجيب محفوظ هو الروائي المصري الوحيد الذي اقتبست رواية له في فيلم أجنبي، وهي رواية “زقاق المدق” التي أخرجها في المكسيك جورجي فونز في العام 1995 في فيلم قامت ببطولته سلمى الحايك وهو الفيلم الذي وصفه الإعلام بأنه الأكثر تكريما بالجوائز في التاريخ المكسيكي، كما انه فاز بعدة جوائز متنوعة من مهرجانات سينمائية دولية خارج المكسيك.

الخليج الإماراتية في

04.09.2006

 
 

فارس السرد الروائي يترجل...

بين أدب السينما وسينما الأدب

أحمد يوسف 

في مزيج رائق وراق، كان نجيب محفوظ يكتب رواياته بلغة الشعر والصور السينمائية معا، حتى إنك لا تكاد تجد فيها خطا فاصلا بين الأديب وكاتب السيناريو، لذلك فإن نجيب محفوظ لم يقم بنفسه أبدا بتحويل إحدى رواياته إلى السينما برغم أنه كان متمرسا بكتابة السيناريو منذ بداية رحلته الفنية، وكان يعلل ذلك بأن للرواية كيانها المنفصل تماما عن الفيلم الذي يقوم على أساسها. ولعل ذلك صحيح إذا كنا نتحدث كنقاد، لكن العديد من المبدعين قاموا بتحويل رواياتهم إلى سيناريوهات، فلماذا كان نجيب محفوظ يحجم عن ذلك؟! لقد كان يشعر أنه عندما كتبها لأول مرة فقد كان يكتبها كنصوص أدبية وسينمائية في وقت واحد.

إن ما يؤكد ذلك هو أن نجيب محفوظ كان أقرب أدبائنا العرب إلى السينما، ليس فقط في عدد رواياته التي تحولت إلى أفلام، وإنما أيضا من خلال قيامه بكتابة بعض السيناريوهات مباشرة للسينما، أو ربما أيضا بإعداد النص السينمائي لأعمال أدبية ليست من تأليفه، مثل روايتي إحسان عبد القدوس “الطريق المسدود” (1958) و”أنا حرة” (1959). وإذا كانت رحلة نجيب محفوظ الأدبية قد بدأت بين ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، فإن رحلته السينمائية لم تبدأ متأخرة عن ذلك بوقت طويل، فقد كانت أولى محاولاته السينمائية هي الفيلم شبه التاريخي “مغامرات عنتر وعبلة” الذي كتبه عام 1945 ليظهر في عام ،1948 لينتقل على الفور من جو المغامرات والأساطير العربية الملحمية إلى عالم التوابل الميلودرامية في فيلم “المنتقم” (1947)، وكان هذان الفيلمان من الأعمال الأولى للمخرج صلاح أبو سيف الذي يعترف له نجيب محفوظ بالفعل بفضله في تعلم كتابة السيناريو، وإن كانت الحقيقة أن محفوظ هو الذي ترك أثرا عميقا في العالم الفني لأبو سيف في هذا المزيج الفريد من الواقعية والملحمية.

وحين كتب محفوظ سيناريو فيلم “لك يوم يا ظالم” (1951) عن رواية إميل زولا “تيريز راكان”، فإنه كان في الوقت ذاته “يتعلم” كيف يمكن للميلودراما أن تقترب من الواقع، وهو ما ترك تأثيرا في رواياته التي تدور في أماكن مصرية حقيقية، مثل “زقاق المدق” و”خان الخليلي” والثلاثية، حيث تصبح الميلودراما هي الشرارة التي تولد الجوانب الوحشية في الإنسان في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية. وفي أفلام لاحقة مثل “ريا وسكينة” (1953) و”درب المهابيل” (1955) سوف تصبح الفاقة والعوز الماديان تجسيدا للفقر الروحي والأخلاقي، حين تضيق الدائرة الجهنمية للفقر على الإنسان. لكن البعد السياسي سوف يتسلل مجسدا للعلاقة بين الجريمة والفساد في فيلم “الوحش” (1954)، كما سوف تتسع رؤية “شباب امرأة” (1955) لكي تحكي عن لقاء الكهولة بالشباب، لكي تذكرك بالعبارة التي ترددت كثيرا في الملحمة الأدبية “الحرافيش”: “إنما الدنيا زوج خؤون”.

وهكذا يأخذ نجيب محفوظ خيوط “التيمة” الرئيسية للقصة لكي يحلق بها إلى دلالات أعمق، تماما مثلما فعل في سيناريو فيلم “الفتوة” (1957) الذي يجسد قصة صعود وهبوط أحد الفتوات في عالم الرأسمالية المتوحشة. أما في فيلم “بين السماء والأرض” (1959) فإنك تشهد تجربة سينمائية فريدة، حيث يدور الفيلم في مصعد معطل، يجمع أشتاتا من البشر الذين ينتمون إلى طبقات اجتماعية وشخصيات إنسانية مختلفة، فكأن رحلة المصعد تجسيد لرحلة الحياة التي تنتهي بموت الرجل العجوز وولادة طفل، كما أنها تجسيد لأزمة وطن يقف في مفترق الطرق أو “بين السماء والأرض”.

إن هذه المرحلة من ممارسة فن كتابة السيناريو تركت أثرها في أعمال نجيب محفوظ الأدبية، فالقصة القصيرة “تحت المظلة” (1969) تجمع مثل “بين السماء والأرض” بين العديد من الشخصيات في مكان واحد فكأنها انحشرت فيه حشرا، ليتكشف الموقف المتأزم عن حقيقتها وحقيقة رؤيتها للحياة. كما كانت كتابته لسيناريو فيلم “جعلوني مجرما” أقرب إلى مسودة لروايته “اللص والكلاب”، في دراسة العلاقة بين الظروف الاجتماعية وولادة النزعات الإجرامية، تماما كما كان الطريق الذي سار فيه “الفتوة” وقبله “فتوات الحسينية” (1954) تمهيدا لشخصية “محفوظية” بالمعنى الكامل للكلمة، وهو الفتوة كما يظهر في أكثر صوره تركيبا وخصبا في “حكايات حارتنا” (1975) و”الحرافيش” (1977). وإذا كان السيناريو الذي كتبه نجيب محفوظ لفيلم نيازي مصطفى “فتوات الحسينية” يحفل ببعض الأماكن الفريدة مثل الحارة أو “البوظة”  الحانة الشعبية  فإن هذه الأماكن سوف تظهر مرة أخرى في صورة مغايرة تماما في سيناريو محفوظ لفيلم يوسف شاهين “الاختيار”.

من جانب آخر، فقد كانت روايات نجيب محفوظ هي النبع الذي لا ينضب لأهم أعمال بعض المخرجين، مثل صلاح أبو سيف في “بداية ونهاية” (1961) و”القاهرة 30” (1966)، وحسن الإمام في “زقاق المدق” (1963)، وكمال الشيخ في “اللص والكلاب” (1963)، وعاطف سالم في “خان الخليلي” (1966)، وحسام الدين مصطفى في “السمان والخريف” (1968)، و”الشحاذ” (1973)، ومخرجين من الأجيال التالية مثل علي بدرخان في “أهل القمة” (18_D)، وعاطف الطيب في “الحب فوق هضبة الهرم” (1986)، من جانب آخر فقد أغرت الميلودراما الكامنة تحت السطح بعض صناع الأفلام لصنع شرائط سينمائية متواضعة لم تستطع أن تصل إلى جوهر رؤية نجيب محفوظ، على نحو ما ترى في أفلام مثل “الشريدة” و”وصمة عار” و”وكالة البلح” و”الخادمة” و”شهد الملكة”، و”نور العيون” و”سمارة الأمير”، عندما قررت بعض النجمات الشهيرة الوقوف فوق أكتاف محفوظ مثل نادية الجندي ونبيلة عبيد وفيفي عبده!

إن هذا التفاوت الذي تعاملت به السينما مع روايات نجيب محفوظ يظهر جليا في الأفلام الستة المأخوذة عن ملحمة “الحرافيش”، التي لم يجد فيها البعض إلا مصدرا للمطاردات والخناقات أو حتى مشاهد الجنس، مثل “المطارد” و”التوت والنبوت” و”شهد الملكة”. لكن “الجوع” لعلي بدرخان يجمع العديد من خيوط الملحمة لكي يقدم نقدا سياسيا واعيا لفكرة “الفتوة العادل”، ويطرح بدلا منها فكرة أن يدافع البسطاء عن أنفسهم. وسوف تظل أعمال نجيب محفوظ الأدبية  عندما تصبح صناعة السينما المصرية أكثر نضجا ووعيا برسالتها  تنتظر ظهور من يدرك ما فيها من أعماق حقيقية تجمع بين السينما والأدب في مزيج لا تنفصل عناصره أبدا، ظهور من يستطيع أن يترجم بلغة سينمائية راقية تلك الصور البلاغية التي تطوف في روايته: “لا دائم إلا الحركة. هي الألم والسرور. عندما تخضر من جديد الورقة، عندما تنبت الزهرة، عندما تنضج الثمرة، تمحي من الذاكرة سفعة البرد وجلجلة الشتاء”.

الخليج الإماراتية في

04.09.2006

 
 

سيد قطب يكتب عن نجيب محفوظ ونجيب محفوظ يكتب عن سيد قطب

كان الناقد والأديب والمفكر الإسلامي سيد قطب (1906-1966) هو أول من تنبه إلي موهبة نجيب محفوظ

كان الناقد والأديب والمفكر الإسلامي سيد قطب (1906-1966) هو أول من تنبه إلي موهبة نجيب محفوظ فكتب علي صفحات مجلة الرسالة التي كان يصدرها أحمد حسن الزيات - مقالاً نقدياً احتفي فيه بروايته «كفاح طيبة» التي صدرت طبعتها الأولي عن «دار النشر للجامعيين» عام 1944، وهي الثالثة من الروايات التي تتخذ من التاريخ الفرعوني خلفية لها إذ لم يكن أحد من النقاد قد كتب حرفا عن روايتي نجيب محفوظ السابقتين عليها وهما «عبث الأقدار» 1939 و«رادوبيس» 1943 أو عن مجموعته القصصية الأولي «همس الجنون» 1938 .

وواصل «سيد قطب» الذي كان يمر آنذاك بمرحلته الأدبية كشاعر وناقد من المتأثرين والمنحازين إلي المدرسة التي أسسها «عباس محمود العقاد» - الاهتمام «بنجيب محفوظ»، فكتب في العام التالي 1945 عن أولي رواياته في المرحلة الواقعية «القاهرة الجديدة» ثم عن الرواية الثانية «خان الخليلي» 1946 ليكف فيما بعد عن الاهتمام بأدبه بعد أن تراجعت اهتماماته الأدبية، ليتجه إلي الكتابة في الفكر الإسلامي ولينضم عام 1951 إلي جماعة الإخوان المسلمين وتحكم عليه محكمة الشعب عام 1954 بالسجن لمدة خمسة عشر عاما أمضي منها عشرة أعوام ثم أفرج عنه عام 1964 . وفي كتاب نجيب محفوظ صفحات من مذكراته الذي روي فيه سيرته الذاتية للناقد الكبير رجاء النقاش يروي نجيب محفوظ قصة علاقته بـ«سيد قطب» فيقول:

سيد قطب هو أول ناقد أدبي التفت إلي اعمالي وكتب عنها وكان ذلك في الأربعينيات، وتعرفت عليه في ذلك الوقت حيث كان يجيء بانتظام للجلوس معنا في كازينو «أوبرا» وكانت العلاقة التي تربطنا أدبية أكثر منها إنسانية.

ميز سيد قطب في تلك المرحلة تحرره وذكاؤه وموهبته الأدبية خاصة أنه كان من تلاميذ العقاد المخلصين، والعقاد علي ما أذكر هو الذي توسط له لدي النقراشي باشا لإرساله في بعثة دراسية إلي الولايات المتحدة الأمريكية، وكنت أعده لسنوات طويلة من رواد الاستنارة والفكر الجريء المتحرر، وكان آخر لقاء جمعنا معا في بيته في حلوان، حيث ذهبت لزيارته بصحبة آل السحار عقب خروجه من السجن بعفو صحي. ذهبت إليه رغم معرفتي بخطورة هذه الزيارة وبما يمكن أن تسببه لي من متاعب أمنية، في تلك الزيارة تحدثنا في الأدب ومشاكله ثم تطرق الحديث إلي الدين والمرأة والحياة، كانت المرة الأولي التي ألمس فيها بعمق مدي التغيير الكبير الذي طرأ علي شخصية سيد قطب وأفكاره.. لقد رأيت أمامي إنسانا آخر، حاد الفكر متطرف الرأي، ويري أن المجتمع عاد إلي الجاهلية الأولي وأنه مجتمع كافر لابد من تقويمه بتطبيق شرع الله انطلاقا من فكرة «الحاكمية»، وسمعت منه آراءه دون الدخول معه في جدل أو نقاش حولها، فماذا يفيد الجدل مع رجل وصل إلي تلك المرحلة من الاعتقاد المتعصب، وعرفت منه أنه تلقي عرضا للعمل في العراق، ورغم اغراءاته المادية ومميزاته الكبيرة فإنه رفضه لأنه لا يريد أن يترك مصر وبقي فيها لقضائه وقدره.

عندما سمعت بخبر اشتراك سيد قطب في مؤامرة قلب نظام الحكم وصدور حكم الإعدام عليه لم أتوقع أبدا تنفيذ الحكم، وظننت أن مكانته ستشفع له، وإن لم يصدر عفو عنه فعلي الأقل سيخفف الحكم الصادر ضده إلي السجن المؤبد علي الأكثر ثم يخرج من السجن بعد بضع سنوات، وخاب ظني ونفذ حكم الإعدام بسرعة غير معهوده أصابتني بصدمة شديدة وهزة عنيفة، فرغم الخلاف الفكري بيني وبين سيد قطب فإنني كنت اعتبره حتي اليوم الأخير من عمره صديقا وناقدا أدبيا كبيرا كان له فضل السبق في الكتابة عني ولفت الأنظار إلي في وقت تجاهلني فيه النقاد الآخرون. ولتأثري بشخصية سيد قطب وضعتها ضمن الشخصيات المحورية التي تدور حولها رواية «المرايا» مع إجراء بعض التعديلات البسيطة، ولكن الناقد المدقق يستطيع أن يدرك أن تلك الشخصية فيها ملامح كثيرة من سيد قطب.

وعلي هذه الصفحة ننشر ما كتبه «سيد قطب» عن رواية نجيب محفوظ «القاهرة الجديدة» وما كتبه نجيب محفوظ عن شخصية «سيد قطب» الذي اختار له في روايته «المرايا» اسم «عبدالوهاب إسماعيل»

عبد الوهاب إسماعيل

إنه اليوم أسطورة وكالأسطورة تختلف فيه التفاسير وبالرغم من أنني لم ألق منه إلا معاملة كريمة أخوية إلا أنني لم أرتاح أبدا لسحنته ولا لنظرة عينيه الجاحظتين الجادتين، وقد عرفته في صالون الدكتور ماهر عبدالكريم في أثناء الحرب العظمي الثانية، كان في الثلاثين من عمره يعمل مدرسا للغة العربية في إحدي المدارس الثانوية، وينشر أحيانا فصولا في النقد في المجالات الأدبية أو قصائد من الشعر التقليدي، كان أزهريا لا علم له بلغة أجنبية ومع ذلك آثار اهتمامي واحترامي بقوة منطقه وهو يناقش اشخاصا من المعروفين بثقافتهم الواسعة وإطلاعهم العميق علي اللغات الأجنبية مثل الدكتور إبراهيم عقل وسالم جبر وزهير كامل، وأمتاز بهدوء الأعصاب وأدب الحديث فما أحتد مرة أو انفعل ولا حاد عن الموضوعية، ولا بدا في مستوي دون مستوياتهم الرفيعة، فكأنه ند لهم بكل معني الكلمة فاقتنعت بحدة ذكائه ومقدرته الجدلية وإطلاعه الواسع رغم اعتماده الكلي علي التراث والكتب المترجمة، ولم يداخلني شك في أنه أذكي من إبراهيم عقل وسالم جبر وزهير كامل جميعا، وحتي نقده للكتب العصرية لم يتسم بالهزال أو السطحية بالقياس إلي نقد المتخصصين من حملة المؤهلات الباريسية واللندنية وإن كان ثمة فارق دقيق لم يكن لينكشف إلا لعين العارف المدقق.

قال لي عنه يوما الدكتور ماهر عبدالكريم: إنه شاب موهوب ومن المؤسف أنه لم يرسل في بعثة.

وكان الدكتور ماهر عبدالكريم ممن يزنون أقوالهم بميزان دقيق، وبالرغم من أن عبدالوهاب إسماعيل لم يكن يتكلم في الدين، وبالرغم من تظاهره بالعصرية في أفكاره وملبسه وأخذه بالأساليب الأفرنجية في الطعام وارتياد دور السينما، إلا أن تأثره بالدين وإيمانه بل وتعصبه لم تخف عليّ، أذكر أن كاتبا قبطيا شابا أهداه كتابا له يحوي مقالات في النقد والاجتماع فحدثني عنه ذات يوم في مقهي الفيشاوي فقال: - إنه ذكي مطلع حسا وذو أصالة في الأسلوب والتفكير.

·         فسألته ببراءة وكنت مغرما بالكاتب: متي تكتب عنه؟

فابتسم ابتسامة غامضة وقال: انتظر وليطولن انتظارك!

ماذا تعني؟

فقال بحزم: لن اشترك في بناء قلم سيعمل غدا علي تجريح تراثنا الإسلامي بكافة السبل الملتوية.

·         فتساءلت بامتعاض: أأفهم من ذلك أنك متعصب؟

فقال باستهانة: لا تهددني بالأكليشهات فإنها لا تهزني.

يؤسفني موقفك

لا فائدة من مناقشة وفدي في هذا الموضوع وقد كنت وفديا ذات يوم ولكني أصارحك بأنه لا ثقة لي في اتباع الأديان الأخري!

وقد كان حقا وفديا ثم أنشق علي الوفد وراء الدكتور أحمد ماهر وكان عظيم الإعجاب به، ورقي في عهد السعديين إلي وظيفة مفتش وكم تخلي عنه حلمه بسبب مصرع الدكتور أحمد ماهر، كأنما أصيب بنفس الرصاصة التي أودت بحياة الرجل وقال لي بحزن بالغ: ضاع أعظم رجل في الوطن. وكان يشكو صحته كلما سنحت مناسبة وبها يتعلل في إفطار رمضان ولكنه لم يصرح بحقيقة مرضه لأحد، كما أنه لم يهتم في حياته بالنساء ولم يتزوج وعرف في تلك الناحية بالاستقامة الكاملة، وعلي جدية أخلاقه وحملاته الصادقة علي المنحرفين، تكشف لي جانبا منه لم أكن لأصدقه لو لم أخبره بنفسي، ذلك أنه كان يوجد كاتب صاحب مجلة ومطبعة تصدر سلسلة شهرية من الكتب وكان عبدالوهاب يحتقره ويقول عنه: لولا مجلته لما وجد مجلة تقبل أن تنشر له كلمة.

وكم أدهشني أن أطالع له مقالة في الرسالة عن صاحب المجلة رفعه فيها إلي السماء! حرت في تفسير ذلك حتي علمت بأنه اتفق معه علي نشر كتاب له في سلسلاته الشهرية نظير أجر ممتاز لم يظفر بمثله كاتب آخر! وتذكرت في الحال موقفه الأعمي من الكاتب القبطي فأعجبني جدا اكتشاف ذلك الجانب الانتهازي في شخصيته وساورني شك من ناحية صدقه وأمانته واستقر في نفسي - رغم صداقتنا- نفور دائم منه وظل يعمل مفتشا وكاتبا حتي ولي الوفد الحكم عام 1950، فلم يرتح إلي معاملة الوزير الوفدي له فقدم استقالته وتفرغ للعمل في الصحافة - وعرف في تلك الفترة بهجومه المتواصل علي حكومة الوفد وفي نفس الوقت شرع يكتب كتبا عصرية عن الدين الإسلامي لاقت نجاحا منعدم النظير، وقامت ثورة يوليو 1952 وهو منغمس في محاربة الوفد والدفاع عن الدين الإسلامي وكان مر عامان علي الأقل لم نلتق فيهما أبدا وانقطعت عني أخباره الخاصة، ويوما كنت في زيارة للأستاذ سالم جبر فقال لي: الظاهر أن نجم عبدالوهاب إسماعيل سيلمع قريبا.

·         فسألته باهتمام: ماذا تعني؟

- أصبح من المقربين.

·         ككاتب سياسي أم ككاتب ديني؟

- باعتباره من الإخوان المسلمين.

فهتفت بدهشة.

·         الإخوان؟ .. لكنني عرفته سعديا متطرفا.

فقال متهكما.

سبحان الذي يغير ولا يتغير!

وقابلته بعد ذاك بعام أو نحوه أمام بار الأنجلو فتصافحنا بحرارة وسرنا معا نتحادث حتي جاء ذكر الثورة فقال بتحفظ: > ثورة مباركة ولكن من العسير أن تعرف ماذا يريدون.. ولمست في حديثه مرارة لم أقف علي سرها ولم يبح به.. كانت له قدرة علي الاحتفاظ بأسراره ليست إلا لقلة نادرة من المصريين .. وقلت له:

·         بلغني أنك انضممت إلي الإخوان المسلمين؟

فابتسم ابتسامة غامضة وقال: أي مسلم عرضة لذلك!

·         من المؤسف حقا أنك نبذت النقد الأدبي

فضحك قائلا: يالها من ثمنيات جاهلية؟

وافترقنا وأنا أشعر بأننا لن نلتقي مستقبلا إلا مصادفة في الشوارع وعند أول صدام بين الثورة والإخوان قبض عليه فيمن قبض عليهم من أعضاء الجماعة، وقدم للمحاكمة فحكم عليه بعشرة أعوام سجن وغادر السجن عام 1956 فرأيت أن أزوره مهنئا، فذهبت إلي مسكنه بشارع خيرت.. والحق أنه لم يتغير كثيراً شاب شعر رأسه كما يتوقع لرجل في السابعة أو الثامنة والخمسين من عمره وزاد وزنه حتي خيل إلي أن صحته تحسنت عما كانت عليه، وتبادلنا الأسئلة عن الظروف والأحوال، وكان يحافظ علي رزانته المعهودة وبرودة أعصابه الفذة وخاض دون مقدمات في المسائل العامة فأدلي بآرائه بكل ثقة.

يجب أن يحل القرآن مكان كافة القوانين المستوردة.

وقال عن المرأة: علي المرأة أن تعود إلي البيت لا بأس من أن تتعلم ولكن لحساب البيت لا الوظيفة ولا بأس من أن تضمن لها الدولة معاشا في حال الطلاق أو فقد العائل.

وقال بقوة: الاشتراكية والوطنية والحضارة الأوروبية خبائث علينا أن نجتثها من نفوسنا.

وحمل علي العلم حملة شعواء حتي ذهلت فسألته حتي العلم؟!

نعم لن نتميز به نحن مسبوقون فيه وسنظل مسبوقين مهما بذلنا.. لا رسالة علمية لنا نقدمها للعالم، ولكن لدينا رسالة الإسلام وعبادة الله وحده لا رأس المال ولا المادية الجدلية.

استمعت إليه طويلا ضاغطا علي انفعالاتي حتي لا أخل بواجب المجاملة ثم قمت للانصراف وأنا أسأله: ماذا عن المستقبل

·         هل لديك اقتراح؟

- لدي اقتراح ولكني أخشي أن يكون جاهليا هو أن تعود إلي النقد الأدبي!

فقال بهدوء: تلقيت دعوة للعمل في الخارج

·         وعلام عولت؟

- إني أفكر .. وودعته وانصرفت وبعد انقضاء عام علي المقابلة طلعت علينا الصحف بأنباء مؤامرة جديدة للإخوان ولم أعرف وقتها شيئا عن مصير عبدالوهاب إسماعيل الذي رجحت أنه غادر الوطن للعمل في الخارج، غير أن الصديق قدري رزق أكد لي أنه كان ضمن المؤامرة وأنه قاوم القوة التي ذهبت للقبض عليه حتي أصيب بطلقة قاتلة فسقط جثة هامدة.

جريدة القاهرة في

05.09.2006

 
 

مصطفي محرم يكتب

عندما قرأت قصة «أهل الهوي» شعرت أنني وجدت ضالتي فأطلقت نادية الجندي البخور

في «الثلاثية» يتضح تأثره بدستوفسكي كما يبدو تأثره بفولكنر في «الطريق» واللص والكلاب

كتبت سيناريو 11 فيلما لنجيب محفوظ لم نختلف خلالها أبدا 

لم أكن أحلم في يوم من الأيام أنني سوف أري نجيب محفوظ رؤية العين وأجلس معه وأتحدث ويبادلني الحديث والقفشات ويعتبرني صديقاً له. بدأت معرفتي باسم نجيب محفوظ في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة علي ما أتذكر وكانت من خلال قراءتي للمرة الأولي لأحد أعماله وهي رواية «زقاق المدق» كنت أداوم في الأدب المصري علي قراءة كل ما يكتبه يوسف السباعي وبعض أعمال إحسان عبد القدوس الأولي كنت أعتقد أن يوسف السباعي هو أبرز الأدباء المصريين ولكن ما لبثت أن سمعت عن اسم توفيق الحكيم فقرأت له مسرحية «أهل الكهف» ثم.. «يوميات نائب في الأرياف» وإذا بي أشعر بأن نافذة كبيرة وجديدة قد فتحت أمامي وأطل منها علي نوع من الأدب يختلف كثيراً عما يكتبه يوسف السباعي، نوع أكثر فكراً وعمقاً بل يقترب من الأعمال الأجنبية التي كنت أقرأها في مترجمات قبل التحاقي بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب، وبدأت أشعر بالفتور تجاه ما يكتبه يوسف السباعي وألتهم كل ما كتبه توفيق الحكيم، وعندما قرأت رواية «عودة الروح» أصبحت قارئاً مختلفاً يبحث عن كل ما هو مصري حقيقي! إلي أن أرشدني أحد الأصدقاء إلي نجيب محفوظ وعندما قرأت «زقاق المدق» دخلت من خلال هذا الزقاق إلي عالم كنت أبحث عنه وأخذت أسير في دروبه مع هذا الكاتب وقرأت كل ما كتبه وأصبحت انتظر الجديد له علي أحر من الجمر وتمنيت أن أراه وأتحدث معه، وبالفعل رأيته أول مرة في نادي القصة في إحدي المناسبات لتكريم أحد الأدباء العرب وفي هذا اليوم حظيت برؤية أبرز أدباء مصر علي رأسهم طه حسين ونجيب محفوظ ويوسف السباعي وعبد الرحمن الشرقاوي ومحمد عبد الحليم عبد الله وجاذبية صدقي وأمين يوسف غراب ولطفي الولي ولم يتبادر إلي ذهني أنني في يوم من الأيام سوف يكون معظمهم أصدقاء لي ويتمني بعضهم أن أقوم بتقديم أعمالهم علي شاشة السينما لم أشعر بالانبهار والزهو في حياتي مثلما شعرت في هذا اليوم كانت أمنيتي في ذلك اليوم أن أصافح نجيب محفوظ واتحدث معه ولو كلمتين ولكن للأسف لم يسمح لي المجال بذلك، كان في ذك الوقت في حوالي الأربعين من عمره ويضع نظارة سوداء علي عينيه وابتسامة مشرقة علي شفتيه واكتشفت بعد ذلك أن هذه الابتسامة هي جزء من ملامحه وكأنه ولد بها.

بعد تخرجي من الجامعة وعملي في قسم القراءة والإعداد بأول شركة للإنتاج السينمائي قطاع عام تحت رئاسة المخرج صلاح أبو سيف لمدة ثلاث سنوات ترك صلاح أبو سيف الشركة وانتقل القسم إلي مؤسسة السينما، ذهب جزء منا للعمل مع نجيب محفوظ الذي كان يعمل مستشاراً فنياً في المؤسسة وذهبت أنا مع الجزء الآخر للعمل مع عبد الرحمن الشرقاوي وذلك في حجرات متجاورة كنت أحرص علي رؤية نجيب محفوظ ومعرفة كل شيء عنه من خلال حديثي مع زملائي الذين يعملون معه، كان يحرص علي الانتظام الكامل في المواعيد فهو يحضر كل يوم في الساعة التاسعة وينصرف الساعة الثانية حتي ولو لم يكن هناك عمل يؤديه، في حين أن زملاءه من الأدباء الذين كانوا يعملون في الموسسة لم يكن أحد يحرص علي أي مواعيد وكثيراً ماتغيبوا تماماً ماعدا سعد الدين وهبة الذي كان يحرص هو الآخر علي الانتظام فقد كانت آماله الوظيفية كبيرة وبالفعل استطاع تحقيقها. كنت أحب أن أدخل إلي حجرة نجيب محفوظ بعد انصرافه عن طريق بعض زملائه وأتأمل المكتب الذي يجلس عليه وهو مكتب كبير من المعدن فأجده منظماً ويلفت نظري بطاقات دعوي كثيرة للحفلات والمناسبات موضوعة في ترتيب إلي أن ينتقضي ميعادها فيلقي بها إلي سلة المهملات دون أن يلبي هذه الدعوات وكان هناك دائماً كتاب علي مكتبه يقرأه إذا لم يكن هناك عمل يشغله إلي أن ينتهي من قراءته فيحل كتاب غيره أذكر من هذه الكتب كتاب «مباهج الفلسفة» لجون ديوي الذي ترجمه الدكتور أحمد فؤاد الأهواني وأذكر رواية «العنقاء» التي كتبها لويس عوض وتصادف أنه كان يقرأها في الوقت الذي كنت أقرأها فيه طلبت من زميلتي عايدة الشريف التي كانت تعمل معه أن تسأله عن رأيه في هذه الرواية فأخبرها بأنها لم تعجبه وكم سررت كثيراً لأنها لم تعجبني أيضاً.

تجنب الشبهات

كان نجيب محفوظ أثناء عمله في الموسسة قد امتنع عن العمل في السينما ككاتب سيناريو وتقريباً امتنع عن بيع رواياته وقصصه حتي لا يثير الشبهة، ولكن التليفزيون كان يقوم بتحويل قصصه القصيرة إلي تمثيليات قصيرة وتمثيليات سهرة نظير أربعين جنيهاً لكل قصة، فكان يضع أمامه ورقة علي مكتبه باسم القصة حتي يتم صرف مستحقاته عنها ثم يتخلص من الورقة وفي هذه الفترة من عمله في الموسسة لم يكتب من إبداعاته سوي بعض القصص القصيرة وعندما سألته عايدة الشريف عن أحواله في إحدي المرات أخبرها أنه يشعر وكأنه إنسان ميت وكان يحلم بأن يصل إلي المعاش ليعود إلي الحياة ويتفرغ للكتابة.

وأذكر أنه عندما أصبح رئيساً لمؤسسة السينما رفض أن تكون له سيارة وسائق فقد تعود أن يأتي إلي عمله سيراً علي الأقدام وبعد انتهاء أوقات العمل يركب تاكسي أو كان يأتي ثروة أباظة بسيارته ليقوم بتوصيله ورغم أن عبد الرحمن الشرقاوي كان يملك سيارة خاصة وكان مكتبه يواجه مكتب نجيب محفوظ ولكني لم أره مرة قد اصطحب نجيب محفوظ في سيارته رغم أن الشرقاوي كان يسكن في الدقي ونجيب محفوظ قريباً منه في العجوزة.

كنت أنا وصديق العمر المخرج المؤلف رأفت الميهي من الموظفين المشاغبين في مؤسسة السينما كنا نريد أن تسير المؤسسة كما يهوي كل منها وليست كما يريد رئيسها نجيب محفوظ والقائمين عليها. وكان مدير المؤسسة رجلاً صارماً لا علاقة له بالأدب والفن فحاول أن يتخلص منا فأرسلنا إلي إحدي شركات المؤسسة وهي شركة «كوبروفيلم» للإنتاج السينمائي العالمي المشترك علي أننا سوف نعمل في الأفلام التي نقوم بانتاجها ولكن في نفس الوقت أوصي مدير شئون الأفراد وكان شخصية شعبانية بأن يسيء معالمتنا فكانت النتيجة بأن أسأنا نحن معاملته حتي أنه ندم علي اليوم الذي جئنا فيه إلي الشركة ولم نكتف بذلك بل ذهبنا لمقابلة نجيب محفوظ رئيس الشركة لنشكوا له من مدير الموسسة الذين يريد أن يحولنا من كتاب سيناريو إلي موظفين في شئون الأفراد أخبرنا مدير مكتبه بأن الأستاذ نجيب مرهق فهو يحضر جلسات تعديل سيناريو البوسطجي مع السيناريست والمخرج حتي ساعة متأخرة من الليل يوميا منذ أسبوع ولكن عندما كشرنا علي أنيابنا سمح لنا بالدخول علي ألا نطيل معه، واستقبلنا نجيب محفوظ بالترحاب كالمعتاد وعلي شفيته ابتسامته المعهودة ولم نكن معروفين لديه حتي ذلك الوقت وعندما عرضنا عليه مشكلتنا فإذا به بكل هدوء يخبرنا بأن الفن شيء والوظيفة شيء أخر وأن العمل الحكومي ينقسم إلي قسمين فقط، إما حسابات أو سكرتارية وهو شخصياً قضي عمره يعمل موظفاً في القسم الثاني، وبالطبع لم نقتنع بما قاله الأديب الكبير لأن الدولة في ذلك الوقت كانت تحتكر الفنون والآداب. كانت مؤسسة السينما تقع في عمارة سكنية في أول شارع طلعت حرب من ناحية ميدان التحرير وكان للعمارة مصعد واحد كنا أحيانا نهبط في المصعد مع نجيب محفوظ، وبالطبع كان هو أول من يخرج من المصعد ولكنه لم يكن يتركنا وينصرف بل يظل واقفا وهو ممسك بباب المصعد مفتوحاً حتي نخرج جميعاً ثم يقوم بغلق الباب.

فيلم تسجيلي

ثم انتقلت للعمل كمخرج في المركز القومي للأفلام التسجيلية مع نخبة من الزملاء والأصدقاء تحت رئاسة الفنان حسن فؤاد فكان المركز يضم صلاح التهامي وهاشم النحاس ورأفت الميهي وأشرف فهمي وأحمد راشد وداوود عبد السيد وخيري بشارة وعلي عبد الخالق ومحسن زايد كان أول ما فكرت في عمله هو تقديم أفلام تسجيلية عن كبار الأدباء فهم يستحقون أن يكونوا نجوماً مثل نجوم السينما وتحمس حسن فؤاد لهذه الفكرة، وبدأت بالأديب محمود تيمور وكان إنساناً في غاية الرقة والأخلاق الرفيعة والكرم الزائد أثناء تواجدنا للتصوير في بيته، وكانت الشخصية الثانية هي نجيب محفوظ وكان قد خرج علي المعاش وكان يعرفني معرفة وثيقة إذ كنت قد أصبحت كاتب سيناريو متميز تنال أفلامي الجوائز وتمثل مصر في المهرجانات الدولية وكنت قمت بتحويل لبعض قصص نجيب محفوظ إلي أفلام سينمائية كنت أري أن حياة نجيب محفوظ مادة خصبة للتسجيل، فقد نشأ في منطقة شعبية وهي حي الجمالية وهو صاحب ندوتين شهيرتين في ذلك الوقت واحدة في الشتاء في مقهي ريش والثانية في الصيف في مقهي بترو في الإسكندرية كما أن له أسلوب حياة جدير بأن يقتدي به، وعندما قابلته وعرضت عليه الفكرة لم يمانع وجسلت معه كثيراً ورافقته كثيراً في كل تحركاته حتي توفرت لي المادة لكتابة السيناريو وعندما بدأت التصوير كان أشبه بالممثل المتفاني المطيع حتي أنني كنت أطلب منه الإعادة أكثر من مرة فلا يتضرر ويقوم بتنفيذ كل ما أطلبه منه دون اعتراض وأذكر أنني بدأت التصوير في بيته في العجوزة، وهو شقة في الدور الأرضي تطل علي النيل وهو نفس البيت الذي تسكن فيه الممثلة برلنتي عبد الحميد وأذكر أنني عندما كنت أذهب إلي برلنتي عبد الحميد أثناء كتباتي لسيناريو فيلم «العش الهادي» المأخوذ عن مسرحية لتوفيق الحكيم وأمر من أمام باب شقة نجيب محفوظ كنت أتعجب لأن هذا الأديب العظيم يسكن في الدور الأرضي بينما هي تسكن في الدور الرابع حيث تري النيل الذي يعشقه نجيب محفوظ رؤية أفضل ويبدو أنها كانت تشعر بما يدور في داخلي فكانت تخبرني بأن شقة نجيب حفوظ أكثر صحية لأن شقتها في الشتاء بمثابة ثلاجة لا تدخلها الشمس وبالفعل أدركت أنها صادقة ذلك أنني كنت أقوم بتصوير الفيلم في فصل الشتاء فوجدت شقة نجيب محفوظ تنعم بالدفء كانت الشقة متوسطة المساحة وتتكون من صالة وضع فيها صالون استقبال وهناك غرفة نوم واحدة له ولزوجته والأخري لابنتيه، وتؤدي الصالة إلي حرزة كبيرة علي اليسار وهي المطلة علي النيل ومنقسمة إلي قسمين خصص القسم الأكبر ليكون حجرة سفرة والجزء الباقي به مكتب كبير مزدحم بالكتب ولكن مرصوصة بنظام وخلف المكتب مكتبة ليست ضخمة تمتلأ ببعض الكتب باللغة العربية واللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية كان نجيب محفوظ يجيد الإنجليزية إجادة تامة خاصة أنه استطاع أن يقرأ رواية جيمس جويس«يوليسيس» وهي رواية في غاية الصعوبة وهي من روائع أسلوب تيار الو ي في الرواية ويقال إن الذين استطاعوا أن يستوعبوا هذه الرواية في العالم قلة قليلة للغاية وقد قام الدكتور طه محمود طه بترجمتها وقضي في هذه الترجمة سنيناً طويلة ولكن الترجمة في رأيي ليست دقيقة وانقصت من قدر الرواية العظيمة ولا عجب في أن نجيب محفوظ قد قرأ هذه الرواية واستوعبها تماماً ولا عجب في أنه يتقن الإنجليزية إلي هذه الدرجة من الاتقان فقد تعلم نجيب محفوظ في زمن كانوا يأخذون فيه التعليم مأخذ الجد وكانت اللغة الإنجليزية يبدأ تدريسها في السنة الأولي الابتدائية ويقوم بتدريسها مدرسون إنجليز وعندما التحق نجيب محفوظ بقسم الفلسفة في كلية الآداب كانت الدراسة في ذلك الوقت باللغة الفرنسية ويقوم بتدريسها أساتذة فرنسيون عظماء أما الفلسفة الإسلامية فقد كان يقوم بتدريسا أحياناً مع الفرنسيين الشيخ مصطفي باشا عبد الرازق وهو من خريجي جامعة السربون، وشاءت الظروف بعد ذلك أن يعمل نجيب محفوظ سكرتيراً له عندما كان الشيخ مصطفي باشا عبد الرازق وزيرا للأوقاف، وخلال وجودي في بيته كنت أسأل نجيب محفوظ عن أحب الأدباء المصريين إلي نفسه فأخبرني أنه توفيق الحكيم أما أحب الشعراء إليه فهو أحمد شوقي وفي القدماء المتنبي وأبو العلاء المعري، وعندما سألته عن الأدباء الأجانب أخبرني بأنه يفضل دوستويفسكي وتوماس مان وجيمس جويس وبروست وفولكنر وأبديت له دهشتي لأنه لم يعجب بمعاصر فولكنر إيرنست هيمنجواي الذي كنت أعجب بفنه خاصة أسلوبه الرائع وجمله القصية التي تحمل أكثر من معني فأخبرني بأن فولكنر توغل في النفس الإنسانية أكثر من هيمنجواي الذي لم تشغله سوي فكرة واحدة وهي الحرب والسلام والذي يقرأ نجيب محفوظ يجد بالفعل تأثير هؤلاء الكتاب في أعماله وثلاثية نجيب محفوظ يظهر فيها تأثير دوستويفسكي وتوماس مان أما «اللص والكلاب» و«الطريق» و «الشحات» فيظهر تأثير جويس وفولكنر ولكني أري أن تأثير فولكنر طاغ في معظم أعمال نجيب محفوظ لكن نجيب محفوظ استطاع بالمعمار المتميز في بناء رواياته أن يقف هو الآخر شامخاً وسط هؤلاء العمالقة.

مقهي ريش

كان نجيب محفوظ يخرج من بيته كل يوم في السابعة صباحاً ويسير في شارع النيل علي قدميه في خطوات منتظمة حتي يصل إلي قرب ميدان كوبري الجلاء «كوبري بديعة سابقا» فيتوقف عند بائع جرائد ويتصفح كل الصحف والمجلات التي تصدر ويختار منها ما يشاء ثم يواصل طريقه حيث ينحرف يساراً إلي جوار النادي الأهلي ومن هناك يتجه إلي كوبري قصر النيل، ويظل ماشياً إلي أن يدخل أول شارع سليمان باشا أو طلعت حرب حالياً ولست أعلم لماذا تم إلغاء اسم سليمان باشا وإزالة تمثاله فإنه أعطي لمصر مثلما أعطي طلعت حرب وكان الأولي أن يبحثوا لطلعت حرب عن شارع أخر وكان الأفضل أن يكون الشارع الذي يقع فيه المبني الرئيسي لبنك مصر ولكن عقلية رجال يوليو كانت عقلية انتقامية وليست عقلية ثوار عظماء وفي شارع طلعت حرب يتجه نجيب محفوظ إلي مقهي ريش حيث يجلس ويحتسي أول فنجان قهوة ويدخن أول سيجارة له ويقرأ الصحف بإمعان ثم ما يلبث أن ينهض وينصرف إذا لم يكن ارتبط بمواعيد علي المقهي كان في طريق العودة يستقل أحد التاكسيات إلي بيته وعنما يصل إلي البيت يقوم بتغيير ثيابه ويرتدي فوق البيجامة الكستور الروب الثقيل ويجلس علي مكتبه ويبدأ الكتابة أو القراءة. كان انضباط المواعيد هو فلك حياته وقد أخربني صلاح أبو سيف وفريد شوقي عن دقة مواعيد نجيب محفوظ وأنه كان يأتي قبل الميعاد قبل خمس دقائق ويظل منتظراً أمام المكان حتي يحل الوقت فيدخل، كان من يراه في هذه الفترة التي أقوم فيها بتصوير الفيلم لا يمكن أن يدرك أن نجيب محفوظ قد جاوز الستين من عمره بل هو علي الأكثر في الخامسة والأربعين وكان شديد الطاعة لأوامر الأطباء مثله كمثل الموسيقار محمد عبد الوهاب.

وكان في يوم الخميس بعد أن ينتهي من جلوسه علي مقهي ريش يذهب إلي مكتبه في جريدة الأهرام ورغم أنهم في الأهرام كانوا يضعون له كل الصحف الصادرة علي مكتبه إلا أنه تعود أن يشتريها من بائعه المفضل وفي الأهرام ينتظر وصول توفيق الحكيم فينتقل إلي مكتبه هو وزكي نجيب محمود ولويس عوض وحسين فوزي وإحسان عبد القدوس ثم أنضم اليهم بعد ذلك يوسف إدريس وفي المساء يذهب إلي سهرة أصدقائه المقربين «الحرافيش» في بيت الكاتب الساخر محمد عفيفي حيث يجتمع مع عادل كامل وأحمد مظهر والدكتور زكي مخلوف والمخرج السينمائي توفيق صالح وصلاح جاهين ورسام الكاريكاتير بهجت وفي صباح الجمعة يذهب مع نفس الأصدقاء حيث يستأجرون شاليهاً في الهرم ويتناولون الغداء الذي يعده لهم عادل كامل من اللحم المشوي علي الفحم ويتبادلون الأحاديث الضاحكة والذكريات وينصرفون حوالي الساعة الخامسة، وفي الساعة السادسة في نفس اليوم تبدأ ندوة نجيب محفوظ علي مقهي ريش، ولا حظت في هذه الندوة التي تمتلئ بالأدباء الشباب من عشاق أدب نجيب محفوظ والطامحين إلي الدخول إلي الحياة الأدبية أن نجيب محفوظ يبدي الاهتمام الكامل لكل من يتوجه إليه برأي أو سؤال وأنه يريح من يتحدث معه ولا يخذله في رأي يبديه. بعد انتهائي من فيلم «الباطنية» وعرضه بنجاح كبير طلب مني المنتج محمد مختار زوج نجمة الجماهير نادية الجندي في ذلك الوقت بتقديم موضوع أخر لها، وأخذت أبحث وأقرأ وأفكر ولكني لم أهتد إلي الموضوع المناسب لها، إن من أصعب الأشياء أن تعثر علي موضوع لنجم معين كان نجيب محفوظ ينشر كل ما يكتبه أولاً في جريدة الأهرام قبل أن ينشره في كتاب فقرأت له قصة قصيرة بعنوان «أهل الهوي» عثرت في هذه القصة علي ضالتي التي كنت أبحث عنه فاحتفظت بالصفحة ووضعتها في درج مكتبي.

وعندما أتي محمد مختار يسألني عن الموضوع أخرجت له هذه القصة قرأتها نادية الجندي أكثر من مرة وأطلقت كعادتها البخور واستخارت الله فقررت أن تكون هي فيلمها القادم.

وعقدنا اجتماعاً لنبحث عن المخرج الذي يصلح لهذا الفيلم وعرض محمد مختار أن يقوم حسام الدين مصطفي بإخراجه ولكني لم أتحمس منذ نشأت بيني وبينه مشاكل في فيلم «الباطنية» ووصل أمرها إلي ساحة القضاء.. ولم أعرف السبب الذي جعل نادية الجندي تصر علي أن يكون المخرج هو علي بدرخان وكان متزوجاً في تلك الفترة من سعاد حسني وأتي علي بدرخان وقرأ القصة وقرأ المعالجة الأولية التي كتبتها ولكنه اقترح أشياء تقلل من دور نادية الجندي التي ما أن علمت بوجهة نظره حتي غضبت وطلبت منه أن يلتزم بالمعالجة التي كتبتها وإلا عليه أن يترك الفيلم فاعتذر علي بدرخان وأنا أسف علي ذلك.

عندما جلست مع نجيب محفوظ لأستزيد منه في هذه القصة القصيرة أخبرني بأنه كتبها في الأول كرواية طويلة ولكنها لم تعجبه فأعاد كتابتها كقصة قصيرة وربما هذا لم يحدث في تاريخ الأدب فمن المعتاد أن يكتب الروائي قصة قصيرة ثم ما يلبث أن يحولها إلي رواية وأعطاني نجيب محفوظ مخطوطة الرواية حيث كتب عليها «لاغي» وطلب مني أقرأها لعلني أستفيد منها وبالفعل قرأتها وأدركت أنه كان محقاً فالقصة القصيرة أفضل بكثير من الرواية، وأذكر أنني أعطيت هذا المخطوط لعلي بدرخان ولكنه أضاعه ولذلك من يعثر عن هذا المخطوط لا يحاول أن ينشره لأن هذا كان ضد رغبة نجيب محفوظ.

أهل القمة

واخترنا بعد علي بدرخان سمير سيف وكنت تقريباً قد انتهيت من كتابة السيناريو وعندما قرأ سمير سيف السيناريو أراد أن يحول الموضوع إلي موضوع انتقام مبيت من جانب البطل، وتحمست للفكرة وقمت بكتابة سيناريو أخر رغم عدم حماس نادية الجندي فقد أعجبها السيناريو الأول لأنها هي التي تقوم بالانتقام وعقدنا اجتماعاً لاختيار المعالجة الأفضل وانقسمت الآراء فاقترحت عرض الأمر علي نجيب محفوظ، كان الرجل لا يتدخل في أمر السيناريو الأول مما أثلج صدر نادية الجندي واعتذر سمير سيف عن إخراج الفيلم لأنه ارتبط بالعمل في فيلم أجنبي ولم نجد أمامنا سوي حسام الدين مصطفي فقمت بالاشتراط عليه بألا يغير شيئاً إلا بموافقتي وكتبت هذا الشرط في عقدي وظهر الفيلم باسم «وكالة البلح» ونجح نجاحاً كاسحاً. وشجع هذا النجاح المنتج عبد العظيم الزغبي الذي اشتري من نجيب محفوظ قصة «أهل القمة» علي أن أقوم بكتابة السيناريو لها بعد أن أسند الإخراج لعلي بدرخان وعندما قرأت القصة وجدت أنها رواية قصيرة أو قصة قصيرة طويلة ووجدت أن نجيب محفوظ تأثر في كتباتها بكونه كاتب سيناريو أيضا ولذلك لم نرجع إليه في شيء. استغرق العمل في السيناريو ما يقرب من العام فالعمل مع علي درخان ليس سهلاً وهو يأخذ رأي كل من حوله وكل من يقابلهم ويعيد التفكير فيما كتبناه واتفقنا عليه ويقرر أن نكتبه مرة أخري، وهو يشبه في هذا صلاح أبو سيف وكمال الشيخ وأشرف فهمي ولكن النتيجة تأتي دائماً مرضية ولذلك فإنني أضحك عندما أسمع أنهم في أيامنا هذه يكتبون السيناريو في أسبوعين أو ثلاثة وتكون النتيجة أننا نشاهد كوارث سينمائية بدلاً من الأفلام السينمائية. وأثناء العمل في هذا الفيلم تعرفت علي سعاد حسني حيث كانت مازالت زوجة علي بدرخان وأصبحنا أصدقاء. اقتربت من شخصيتها كثيراً ومما لفت نظري في شخصيتها أنها إذا ما جلست مع من يفوقها علماً تجيد الانصات وحباً في المعرفة. وأذكر أننا كنا نتناول العشاء في منزل المنتج عبد العظيم الزغبي وهو أيضا من خريجي قسم اللغة الإنجليزية وكان لديه مكتبة تضم الكثير من الكتب عن السيناريو باللغة الإنجليزية، بعد العشاء جلسنا نتسامر في حجرة مكتبه فتناول كتاب يوجين قال عن تكنيك كتابة السيناريو وأخذ يقرأ مقتطفات منه ويترجم لسعاد ما يقرأه ويشرحه و هي تنصت له في اهتمام شديد وقد بدت الحسرة علي وجهها لأنها تجهل الإنجليزية فطلب من عبد العظيم الزغبي أن يترجم لها الكتاب، قمت بعد ذلك بترجمة الكتاب وعند صدور الترجمة في كتاب كانت سعاد قد رحلت وأقامت في إنجلترا.

أذكر أن نجيب محفوظ أخبرني بأنه كان يتابع كل ما كتبه النقاد عن الفيلم وهذا ما شجعه علي أن يذهب لمشاهدته، وبعد أن علمت أنه شاهد الفيلم قمت بالاتصال به تليفونيا لأسأله عن رأيه فأخبرني بأن يوسف العقيد كان محقاً عندما كتب أن الفيلم تفوق علي القصة استنكرت منه ما قاله وأخبرته بأننا لم نفعل شيئاً أكثر من قصته العظيمة، وكان هذا هو حال نجيب محفوظ في كثير من الأحيان مع الذين يحولون رواياته أو قصصه إلي أعمال سينمائية أو تليفزيونية كنت أحياناً لا يعجبني بعض هذه الأعمال وأتعجب عندما أري نجيب محفوظ في ندوته وقد أخذ يمتدح عملاً تليفزيونياً أو سينمائياً متوسط القيمة أمام صاحبه مخرجاً أو كاتب سيناريو وأذكر مرة أن اعترضت علي هذه المجاملة فابتسم في رقة وأخبرني في هدوء بأنه مسئول فقط عن الكتاب وأن العمل السينمائي أو التليفزيوني هو مسئولية صانعيه ومادام العمل انتهي وعرض فلماذا يغضب هؤلاء الناس الذين تعبوا في عمله ولم يوفقوا في ذلك، لو كانوا أخذوا رأيه أثناء الكتابة لأعطاهم الرأي الصواب والنصيحة المفيدة، ولذلك كنت أحرص في كثير من الأحيان علي أن يقرأ نجيب محفوظ السيناريو الذي أقوم بكتابته عن إحدي رواياته أو قصصه، وأذكر أنني وأشرف فهمي كنا نبحث عن إحدي قصص نجيب محفوظ فرشح لنا الأديب ثروت أباظة قصة «زيارة» وعندما قرأت القصة وجدتها في غاية الصعوبة وعجزت علي أن أحل رموزها وطلاسمها فذهبت إلي نجيب بمحفوظ وأخبرته بما أعاني وطلبت منه المساعدة بأن يقوم بعمل معالجة أولي توضح هذه الطلاسم وبعد ثلاثة أيام ذهبت إليه فأعطاني ورقتين بهما بعض النقاط فاستوحيت منها معالجة القصة وبذلنا جهداً كبيراً أنا وأشرف فهمي في كتابه السيناريو وكانت النتيجة مرضية وحقق الفيلم نجاحاً كبيراً حيث ظهر باسم «الخادمة» وحصلت وحصل الفيلم علي العديد من الجوائز. وفي الواقع يطول الكلام في هذا المجال فقد قمت بكتابة ما يقرب من أحد عشر فيلماً من أعمال نجيب محفوظ ولكل منها قصة معه، ولكن اختصاراً للمساحة المتاحة اتحدث عن واقعة ظريفة.

سماره الأمير

كان أخر أجر يحصل عليه نجيب محفوظ في السينما عن أي قصة أو رواية هو 4500 جنيهاً في الوقت الذي كان إحسان عبد القدوس يحصل علي مبلغ 7000 جنيهاً وكان نجيب محفوظ يعلم ذلك فلم يتذمر أو يعترض أو يطالب بالمساواة أو ما يزيد كمايفعل الكثير من الأدباء وكتاب السيناريو بل كان راضيا بهذا الأجر وبعد أن حصل علي جائزة نوبل اخترت قصة «سمارة الأمير» لاشتريها لإعجابي بها واعجاب نجمة مصر الأولي نبيلة بها، وذهبت إليه في مقهي «علي بابا» بالتحرير حيث وجدته جالساً مع الناقد رجاء النقاش يعملان، كان اللقاء حاراً بالقبلات بيني وبينهما وأخبرته بما أريد فابتسم في حيرة وأخبرني بأن توفيق صالح حدثه في هذا الأمر من أجل علي بدرخان فوعده وأنا أعلم جيداً أنه عندما يعد أحداً برواية أو قصة لا يحل هذا الوعد إلا إذا جاء الطرف الآخر ليحله من وعده حتي ولو جاء من يضع أمامه الثمن كاملاً وأصابني اليأس ولكن انتظرت حوالي أسبوعين علمت خلالها أن هناك بعض المشاكل وأن الجهة الإنتاجية لن تستهدف المشروع، فقمت بالاتصال تليفونياً بنجيب محفوظ وأخبرته بما علمته فطلب مني أن أمهله يومين وبعد يومين اتصلت به فطلب مني أن أقابله في مكتبه في الأهرامي مكتبه في الأهرام استقبلني في حفاوة كعادته وكنت أعلم أنني من المقربين إليه وعندما كان يعلم أنني الذي سوف أقوم بكتابه السيناريو لأحد أعماله كان يبدي سروره واطمئنانه للمنتج، وعندما سألته كم يريد أن يأخذ مني ثمناً لقصة «سمارة الأمير» فإذا به يبتسم ويخبرني بأن الأحوال كما أعلم تغيرت بعد جائزة نوبل وهو حائر لا يعلم ماذا يفعل ثم وجدته يسألني:

- قولي أنت يا محرم.. أنا دايماً باعتبرك أخويا الصغير.. تفتكر أخد كام دلوقت؟

فإذا بي أشعر بالحيرة وقد فاجأني السؤال وفكرت برهة ثم ابتسمت له قائلاً:

- تأخذ خمستاشر من أي منتج بس تأخذ مني أنا عشرة.

فإذا به يبتسم ويهز رأسه راضياً ويقول:

- خلاص.. أنا موافق.

جريدة القاهرة في

05.09.2006

 
 

بنات الليل في السينما المأخوذة عن: نجيب محفوظ

محمود قاسم 

لم يتوقف كاتب عربي عند هذا العدد من العاهرات أو بنات الليل مثلما حدث في روايات نجيب محفوظ، فالمرأة في أغلب هذه الروايات تمتهن العهر أو في طريقها إليه، والفقر هو الدافع الأول لامتهان هذه المهنة من ناحية، كما أنه مصير الكثيرات ووسيلة نهائية للعيش والارتزاق. وقد جسدت الأفلام المأخوذة عن هذه النصوص الأدبية صورة هؤلاء النسوة بالشكل نفسه الذي وصفه المؤلف في كتاباته وعكس ذلك العالم الضيق، المليء بالبشر الذي يمكن للإنسان رجلا كان أم امرأة إلي أن يمارس مهنته ويكون مخلصا لها ولعل أبرز مثال علي ذلك المهن المتعددة التي يمارسها أبناء زقاق المدق من زيطة صانع العاهات إلي بائع البسبوسة وعباس الحلو الحلاق ثم هناك القهوجي وما ثلبت أن تجد حميدة وظيفة لها بعيدا عن الزقاق وهي أن تكون بنت ليل.

إنها وظيفة لها أجرها ومكانتها الاجتماعية وهي غالبا وظيفة مرتبطة بالفقراء وهناك قواد يسعي إلي جذب حميدة إلي حيث الوظيفة فيؤهلها ويدربها وتعرف الفتاة أنها ليست الأولي وأن هناك من سبقنها ثم تتطور في المهنة حين تنزل إلي الملهي الليلي وتصبح عاهرة محترفة تتعامل مع جنود الإنجليز إلي أن تموت في إحدي المعارك الدائرة داخل الملهي الليلي.

هذا النوع من النساء يمارس مهنته كي يعيش بصرف النظر عما تمارسه كل واحدة مثل أي وظيفة أخري للرجال والنساء،، يمارسها صاحبها من أجل البقاء علي قيد الحياة، وحميدة هي جزء من الزقاق تتطلع إلي عالم أفضل لكنها تقع في الشرك وتقبله ولا تستطيع العودة إلي الزقاق مرة أخري إلا عندما يأتي عباس الحلو ويقرر إرجاعها بأي ثمن.

وفي أغلب روايات نجيب محفوظ، هناك مثل هذه المرأة التي تجد في ممارسة العهر نوعا من الملجأ الأفضل، والنساء هنا أغلبهن بدون أسر ويعشن حياة بائسة للغاية، فلو بدأنا بنفيسة في رواية «بداية ونهاية» وهي الرواية الأولي التي كانت أول عمل يتحول إلي فيلم سينمائي أخرجه صلاح أبوسيف 1961 فنفيسة الدميمة المنكسرة الخاطر التي تعيش مع أسرتها في البدروم في أسفل سافلين كأنه المقبرة يخدعها ابن البقال ويرفض أن يتزوجها ويتصرف بخسة واضحة تجد أن ممارسة الدعارة وركوب السيارات مع رجال آخرين هو الملجأ وفي ذلك تدبير مصروف صغير تعطي منه أحيانا لأخيها حسنين، طالب الكلية الحربية والذي سيطلب منها أن ترمي نفسها في النيل كنوع من العقاب ثم سيلحق بها بعد دقائق.

إنها عاهرة وبنت وحيدة وسط أسرة تتكون من ثلاثة رجال وأمهم وهي عاهرة منكسرة دونا عن كافة عاهرات محفوظ الأخريات.

المرأة التالية: هي «نور» في «اللص والكلاب» تصطاد الرجال وتحب رجلا بعينه دون الآخرين وهي تغوي أحد الزبائن كي تسهل لسعيد مهران أن يستولي علي السيارة كي يرتكب إحدي جرائمه الطائشة وهي تسأل عنه دوما تذهب إليه في السجن وتخبره أن زوجته قد خانته وخدعته، وعندما يمر سعيد بمحنته الشديدة فإنها تؤويه في منزلها وتقدم له كل العون وهي لا تتوقف عن ممارسة العهر بينما ينتظر سعيد عودتها من عملها في ساعة متأخرة، إنها تسكن حي القلعة وليست أي علاقة بجيرانها الذين لعلهم علي شاكلتها فلم يتدخل أحد في أمرها ولم يسألها لها عن ذلك الرجل الذي يقيم لديها.

وفي «الطريق» فإن بسيمة عمران والدة صابر الرحيمي هي امرأة عاهرة بالوظيفة مهنتها الدعارة وقد أنجبت ابنها صابر من إحدي علاقاتها فلا تعرف شيئا عن مكانه ولا هويته سوي أنه ابن أكابر وإذا كانت بسيمة قد تابت عندما شب ابنها فإن ماضيها وراءها وهي تحاول حماية ابنها من ضغوط الزمن بأي ثمن، لكنها تسجن وتموت في السجن وتطلب من ابنها في إحدي زياراته لها أن يبحث عن جذوره عن أبيه، دون أن تعطيه أي دلائل مؤكدة عن مكان الأب أو هويته.

وقد امتلأت بيوت الليل بهذا النوع من النساء في ثلاثية الكاتب خاصة البيت الذي يتردد عليه الأب أحمد عبدالجواد وابنه ياسين، ثم كمال في مرحلة لاحقة وسوف نكتشف أن كمال وياسين يعشقان نفس المرأة وأن زنوبة سوف تتزوج من ياسين، وقد كانت خليلة لأبيه في فترة زمنية سابقة وفي اللقاء الذي تذهب فيه زنوبة إلي بيت حميها فإن العجوز يخفي وجهه «قصر الشوق» وتنحني هي كي تقبل يديه. والعاهرات هنا من أجيال متعددة فهناك القوادة والشابة والواردة حديثا وهن يغنين ويرقصن ويمارسن الهوي ويعشقن الرجال، زمنهم هو الليل، وهناك امرأة تأتي إلي أحمد عبدالجواد في «بين القصرين» وتذكره بنفسها وأنها كانت صبية جميلة ذات يوم وأنها كانت إحدي خليلاته. وفي «القاهرة 30» فإن الأسرة دفعت بابنتها إحسان إلي ممارسة الدعارة بشكل مقنع حتي لو تم ذلك بشكل شبه رسمي، أن تهب الفتاة نفسها لرجل سياسة وأن يتزوجها موظف يعمل لدي الرجل الذي سوف يترقي ليصبح وزيرا فيما بعد ويأتي العشيق كي يمارس الجنس مع البنت تحت سمع وبصر الزوج المحظوظ، الذي يكتشف أبوه «عملة» ابنه اللاأخلاقية فينهار كل شيء في هذا العالم.

وقد نظر نجيب محفوظ إلي شاطئ الإسكندرية علي أنه مرتع للعاهرات فريري واحدة من هؤلاء العاهرات تتردد علي شقة عيسي الدباغ الذي فصلته محكمة الثورة من وظيفته فوجد فيها منفذا لنسيان محنته المهنية والخاصة بعد أن انفصلت عنه خطيبته وتزوجت ابن عمه، وقد عاشرته ريري معاشرة الأزواج فكانت بالنسبة له كقطعة أثاث في الدار وعندما أبلغته أنها حامل طردها شر طردة حاملة معها جنينها ثم إذا به يلتقي بها بعد سنوات، لقد تابت العاهرة وصارت أرملة لصاحب المقهي وطردت عيسي بقسوة عندما حاول العودة إليها ونفت تماما أن تكون الصغيرة التي معها ابنة له، وهنا انتهت أحداث الرواية لكن كان للفيلم رأي آخر.

وهناك عاهرة في «دنيا الله»، إنها تغوي الموظف الذي سرق مرتبات الموظفين وهرب من أجلها وتوجها إلي شاطئ أبوقير، حتي إذا نفذت النقود تركته وحده يواجه مصيره، إنها أخلاقيات بنات الليل، المتعة العابرة لا أكثر ومن أجل هذا النوع من المتعة ترتاد ثلاث نساء العوامة في «ثرثرة فوق النيل» يعشن في عالم من المجون، وأغلبهن من وسط اجتماعي فقير ينبهر بثراء أصحاب العوامة والذين يترددون عليها.

قد لا نعرف الجانب الآخر من حيواتهن، وتفاصيل وجود رجال آخرين لكنهن نوع خاص من بنات الليل.

كما يمكن اعتبار «سناء» في «المذنبون» نوعا متطورا من العاهرات فهي تدفع ثمن متعة حقيقية تحصل عليها من فحل التقته يوما في النادي أثناء التصوير فباع لها جسده مقابل شهوة وتردد عليها وفي كل مرة يأخذ منها المال كما أنها امرأة تنام في الفراش لأكثر من رجل منهم ذلك الرجل الغامض الذي يرمز إلي سلطة عليا، ومنهم خطيبها ورجال آخرون جاءوا للبحث عن المتعة والصحبة في البيت لكل منهم مآربه الخاصة. وبمرور الوقت وفي السينما بشكل خاص انحسر وجود هذا النوع من النساء في أعمال نجيب محفوظ التي تحولت إلي أفلام والسبب أن هذا النوع قد اختفي مع اختفاء البغاء في مصر حيث إنه موجود بشكل شرعي في «زقاق المدق» و«الثلاثية» كما أن الشوارع التي امتلأت ببنات الهوي في الستينيات بالإسكندرية قد تحولت مع السبعينيات إلي شقق سكنية للأسر ولم يكن نجيب محفوظ بالكاتب الذي يحبس نفسه في الماضي فهناك فتيات مختلفات تماما مثل زينب دياب في «الكرنك» والموظفة في «الحب فوق هضبة الهرم» و«أهل القمة» وكان نجيب محفوظ من أوائل الكتاب الذين يرون التغيير الاجتماعي بعينين صادقتين راصدتين.

جريدة القاهرة في

05.09.2006

 
 

نجيب محفوظ.. شيخ الحارة المصرية وفيلسوف السينما العربية:

المكسيك اعادت انتاج اهم افلامه وقدمت الحارة بشكل فلكلوري

القاهرة ـ كمال القاضي

تشكلت السينما بأدب الكاتب الكبير نجيب محفوظ فأخذت ملامح من روحه وابداعه وطرحت الوانا من حيرته وافكاره كفيلسوف يبحث عن معني للكون والحياة، وتلاقت احلام المخرجين الباحثين عن الجديد مع تصورات محفوظ الابداعية فجرت علي الفور عمليات تحويل النص الادبي الي دراما حية من لحم ودم، وازاء هذا الاكتشاف السينمائي للمنجم الابداعي تعددت الرؤي الفنية ـ الدرامية بتعدد ما طرحه نجيب محفوظ من افكار وملاحم وتفاصيل النفس البشرية التي تموج داخل العقل والوجدان وتعكس وهج الروح وترصد الواقع بتداعياته ومتغيراته الانسانية والاجتماعية في تلامس يشي ببصيرة واعية وعقل تدرب مبكرا علي التأمل والنقد، وهي خصائص ظلت فاعلة وحيوية في الادب الواقعي الذي نقله محفوظ الي السينما بعد فروغه من رحلات البحث داخل التاريخ الفرعوني والذي تجلي في عدة روايات كان اولها، عبث الاقدار باكورة انتاجه الادبي علي الاطلاق والتي تلاها بـرواية رادوبيس ثم كفاح طيبة . بعد انقضاء هذه المرحلة كتب فيلسوف الرواية العربية روايته الشهيرة القاهرة الجديدة ليقف علي مشارف مرحلة مختلفة يعتني فيها بالواقع المحلي ويرسم خريطة مغايرة لما هو سائد في الكتابات الاخري، حيث اثبت ان الادب يمكن ان يصبح جزءا من حياتنا اليومية، وبالفعل كسب نجيب محفوظ الرهان بعد ان تحولت رواية القاهرة الجديدة الي فيلم سينمائي بعنوان القاهرة 30 رصد فيه المخرج صلاح ابو سيف آيات الفقر والبؤس ومظاهر النفاق والتدليس وبيع الشرف كما كتبها صاحب الرؤية والرواية بعبقرية واقتدار، اذ اجري نوعا من الجراحة التشريحية للمجتمع في تلك الفترة وازاح عنه غلالة الحياء فبدا عاريا تتكشف عوراته في وضوح شديد، فالبطل يمارس السقوط مدفوعا بالفقر ويقايض علي نزاهته وعفته بالمال اتقاء العوز والحاجة ويتسلق اشجار الرفعة وينتقل من طبقة الي طبقة بعدما يكون قد دفع ثمنا باهظا ليصير بعد ذلك ذا القرنين كما صوره صلاح ابو سيف في مشهد رمزي تبدو فيه الادانة الاخلاقية هي العنصر الاساس في الكدر، ولا شك ان شخصية محجوب عبد الدايم التي اداها باقتدار الفنان حمدي احمد ظلت وصمة في جبين المجتمع الطبقي قبل قيام الثورة.
وعلي نفس المنوال وبذات المذهب الواقعي ادان محفوظ ايضا الشخصية الانتهازية في اللص والكلاب و ميرامار وفضح الممارسات الفردية، ولكنه وضعها في ذات الوقت في سياقها الانساني وربط بين الجريمة كفعل والدوافع المحيطة بالبطل، وبالطبع لم يكن المجتمع والنظام السياسي خارج حدود المسؤولية.

وعلي عكس ما يشاع عن صاحب نوبل كان الرجل ينطلق في احكامه الفكرية من منطلقات سياسية يعمل فيها الرمز كاشارة دالة علي المرحلة والتاريخ والاشخاص، ولعل ذلك ما عكر صفو العلاقة بينه وبين النظام الناصري في فترة الستينات، حين نشأ خلاف عارض سرعان ما زال، خاصة ان ايا من اعمال محفوظ لم تصب بسوء او تصادر اللهم الا رواية اولاد حارتنا التي اعتبرت خرقا للمقدسات، ومع ان محفوظ كتب في تلك الاثناء اعمالا انتقدت النظام الناصري مثل مجموعته القصصية تحت المظلة ، خمارة القط الاسود الا ان عبد الناصر حرص عليه كأديب متميز ومشروع نهضوي كبير.

وبرغم واقعيته وانغماسه داخل الحارة والتحامه الشديد بالبسطاء والدهماء وعوالم الفتونة والفتوات ظل طوال مسيرته الابداعية التي امتدت الي نحو سبعين عاما مشغولا بالعالم الغيبي ـ الميتافيزيقي ـ ففي ملحمة الحرافيش التي هبطت السينما بمعانيها الفلسفية والروحية وتعاملت معها بوصفها نمطا فنيا يسمح باتساع رقعة الأكشن وزيادة ايرادات الشباك كان الهاجس الحقيقي للكاتب هو التسامي والترفع عن الامور الدنيوية والانشغال بالنوازع الروحية وما يحرك المشاعر في اتجاه العقل، وربما يتضح المعني من طبيعة البطل عاشور الناجي المثالية ورغبته العارمة في الوصول الي الحقيقة وكشف ما وراء الحجب حيث عالم الدراويش الذي يكتنفه الغموض ويثير الدهشة والخيال، وكما يدلل محفوظ علي شغف ابطاله وولعهم بما وراء الطبيعة في الحرافيش يواصل بحثه ايضا عن الباطن والمستتر في الكون المطلق فيسبح في اخيلة العامة والمثقفين ساعيا الي سر الوجود في عقلية حمزاوي بطل رواية الشحاذ الرجل البائس علي وجهه، المتشكك في الحقائق، تلك الشخصية التي جسدها الفنان القدير محمود مرسي ونقلها لنا بصدق عبر اداء متميز وصل الي حد الصدمة من فرط الاتقان، حيث توحد المتلقي مع الشخصية فصار جزءا منها وانتقلت اليه كل شكوكه وهواجسه.. في قلب الليل يهجر جعفر الراوي بيت الجد ويخرج الي فضاء الحرية في محاولة للبحث عن ذاته المفقودة وآماله الضائعة تحت وطأة الوصاية والحذر، يستسلم جعفر للغواية وينطلق وراء الغجرية التي تجاوب معها احساسه من الوهلة الاولي فيغوص في مستويات متضاربة من اللذة والوحشة والاغتراب ليعود بعد فترة ادراجه يراوده حلم قديم قلما عبر عنه في حياته الجافة مع جده الراوي الكبير.. حلم الغناء مع صديقه شكرون ليصطدم ايضا بالفشل، اذ يستعصي عليه مجاراة حياة العوالم وواقع الافراح بالاحياء الشعبية، ومن هنا يقرر ان يصبح اديبا ومفكرا تأثرا بثقافة السيدة الارستقراطية التي احبته ونقلته مرة اخري الي القصور ليعود من حيث اتي مكررا نفس الازمة، فالواقع الجديد يتجاوزه بمعارفه وثقافته الرفيعة وفلسفته الجدلية التي لم يعهدها في تجاربه الحياتية وخبراته السابقة فيضطر الي اعتزال زوجته ومجلسها الثقافي ويعكف علي القراءة والاطلاع فترة طويلة ثم يعود ليجد نفسه ما زال مغتربا عاجزا عن المسايرة والدخول في معية المفكرين والفلاسفة فيلجأ الي القتل كحل لمقاومة الجهل واعلانا لتمرده وانتصاره، وهكذا تلوح في الافق عقدة النقص التي لعب عليها نجيب محفوظ ونسج منها فكرته عن عزلة الانسان داخل محيطه واسلمها الي السينما لتنقل وقائع الرواية بشيء من التجريب وكثير من الفلسفة التي تتداخل فيها معطيات الواقع بالخيال، ومن خلال رؤية فنية قدم لنا المخرج عاطف الطيب مع الفنان نور الشريف الذي لعب دور جعفر الراوي انتكاسات البطل المأزوم واخفاقاته بعد رحلة طويلة من البحث عن ذاته المسلوبة، ويذهب الفيلم مع الرواية الي ما هو ابعد من شخصية جعفر التي استخدمها نجيب محفوظ كرمز لسيدنا آدم عليه السلام في الارض، فالحفيد المتمرد هو امتداد للجد الراوي الكبير الذي جسده الفنان فريد شوقي ويعني الامتداد هنا ان الانسان بطبيعته عنيد وباحث ومكتشف، وربما يكون ذلك هو الهدف من وجوده علي الارض، ومما لا شك فيه ان الفنان نور الشريف قد وعي المعني الباطن في الشخصية فاقترب منها ولامس روحها وادرك بعدها الفلسفي ونجح في التواصل معها وان ظلت المسافة بين جعفر الراوي والجمهور شاسعة، وهذا بالطبع يرجع لصعوبة الشخصية وتعدد مستوياتها النفسية والدرامية.

لقد انتبهت السينما العالمية، وخاصة المكسيكية الي البعد الانساني في ادب نجيب محفوظ بعد حصوله علي نوبل عام 88 فأقبلت علي اعادة انتاج عدد من الافلام يبرز منها فيلم زقاق المدق ، بداية ونهاية ، اللص والكلاب ، وهذه الافلام ترجمت الي العديد من اللغات وشاركت في معظم المهرجانات الدولية وعرضت بمصر علي هامش مهرجان القاهرة السينمائي الدولي قبل ست سنوات تقريبا. ولم يكن نجيب محفوظ روائيا فحسب ولكن علاقته بالسينما توطدت علي نحو مختلف بعد ان اصبح جزءا من صناعتها وصياغتها فقد كتب عددا غير قليل من السيناريوهات لافلام مثل الطريق المسدود و الناصر صلاح الدين و جعلوني مجرما و الوحش وجميلة وقد اكتسب الاديب مهارة كتابة السيناريو من صديقه المخرج صلاح ابو سيف في فيلم درب المهابيل وعليه اكسب الاديب السينما مذاقا خاصا واضاف اليها الكثير من خبراته الابداعية في الرواية والقصة القصيرة. ويختلف ادب نجيب محفوظ المنتج سينمائيا عن غيره من الادباء الذين كان لهم الحظ في تحويل رواياتهم الي افلام وان تشابه مع البعض منهم مثل عبد الرحمن الشرقاوي الذي قدم للسينما رواية الارض حيث يتشابه هذا العمل من حيث واقعيته مع ما كتبه محفوظ عن الحارة فالاثنان يرمزان الي الوطن وينقلان صورة حية لارتباط الانسان المصري بموطنه الذي يمثل جزءا أصيلا من تكوينه وتراثه فالارض عند عبد الرحمن الشرقاوي تعادل بالنسبة للفلاح الحياة وفقدانها هو الموت او النفي، وكذلك الحارة عند نجيب محفوظ هي الوجود والكرامة كما في عالم الفتوات والحرافيش الذي تلزمه القوة لتثبيت الاقدام وبسط النفوذ علي الحارة واهلها وهو البعد الميكافيلي الذي يمكن استنتاجه في استخدام الفتوات للقوة كوسيلة لحماية اهل الحارة من ناحية وقمعهم وضمان ولائهم من ناحية اخري، فالغاية هنا تبرر الوسيلة من وجهة نظر ابطال الرواية.

ولعلنا نرصد ايضا في المقارنة بين حارة نجيب محفوظ ورواية دماء وطين للأديب الكبير يحيي حقي التي قدمت بالسينما تحت اسم البوسطجي علاقة اخري تتمثل في الشرف كقيمة يستلزم فقدانها او التفريط فيها القتل مثلما حدث للبطلة جميلة التي حملت سفاحا فقتلها والدها الفلاح حفاظا علي سمعته ومكانته، وهذه الجزئية تعرض لها محفوظ ضمنا في كثير من رواياته والمح بشكل خاص الي فلسفة الشرف ومفهومه عند ابناء الطبقة الوسطي كدليل علي الطهارة والعفة، كما ورد في فيلم بداية ونهاية حين ارغم الضابط حسانين شقيقته نفيسة علي الانتحار والموت غرقا اثر علمه بضبطها بأحد بيوت الدعارة. وفي تقديري ان السينما استفادت كثيرا من تلك الرؤي الابداعية في معالجتها للقضايا الاجتماعية ذات الحساسية الخاصة، لا سيما ان يوسف ادريس تناول ايضا قضية الشرف في رواية الحرام التي تحولت كذلك الي فيلم طرح بعدا اخلاقيا يتصل بعملية الحمل السفاح وثقافة المجتمع القروي في تعامله مع مثل هذه الحالات، واتصور ان شيئا من هذا القبيل ناقشه يوسف ادريس في رواية النداهة ، ولكنه لم يكن متعلقا بعملية الاغتصاب قدر ما كان مرتبطا بمفهوم الغواية وتأثير المدينة الساحر علي ابنة القرية واستجابتها اللحظية لملاطفة البكوات، ويعد هذا الدور واحدا من ادوار ماجدة الصباحي المتميزة فقد جسدت دور الفلاحة الساذجة زوجة البواب شكري سرحان الذي يغار عليها من البكوات ساكني العمارة وملاكها. وفيما يتشابه الثلاثي عبد الرحمن الشرقاوي ويحيي حقي ويوسف ادريس في بعض الاطروحات الادبية الدرامية مع نجيب محفوظ يختلف احسان عبد القدوس في رسم شخصياته وتكوينها فاحسان كان معنيا بمجتمع الاثرياء اكثر من اهتمامه بأبناء الطبقات الشعبية فهو ينظر من موقع الرجل البرجوازي الي الواقع الذي يألفه، ففي النظارة السوداء علي سبيل المثال يدخل بنا المحيط الاجتماعي لفتاة ارستقراطية مستهترة نادية لطفي ليفتش في حياتها الشخصية ونتعرف علي نماذج من علاقاتها المفتوحة واجوائها المليئة بالصخب والملذات، فهو هنا يطرح شكلا مغايرا للحياة الشعبية لا يعدو واقعا خاصا بالصفوة ولا يمكن ادراجه ضمن القاموس الاجتماعي للمصريين، ومن ثم يصعب استيعابه او الالتفاف حوله كفن يعبر عن الاغلبية مثلما هو الحال عند نجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي ويحيي حقي ويوسف ادريس، فالاربعة برغم مذاقهم المختلف الا انهم من حيث الموضوع يمكن جمعهم في وحدة واحدة، ولكن يظل رائد الواقعية الروائية في السينما هو نجيب محفوظ بلا منافس فسبعون عاما من العطاء والبذل تكفي لتتويجه ملكا علي عرش الرواية المكتوبة والمصورة فليس لدي السينما محفوظ آخر.

القدس العربي في

05.09.2006

 
 

ســـينما نجيـب محفــوظ

كتب ـ نــــادر عــــدلي

عميد الرواية العربية الراحل نجيب محفوط‏(95‏ سنة‏)‏ تركزت كل الأضواء نحو عبقرية ابداعه الادبي بلغت شهرته الافاق عقب حصوله علي ارفع جائزة أدبية عالمية‏(‏ نوبل ـ‏1988)‏ وحجبت مكانته الادبية الضوء في دوره المهم والمؤثر في السينما المصرية‏,‏ والذي جعل اكثر من‏62‏ شريطا سينمائيا يحمل اسمه كسيناريست وكاتب قصة للسينما الي جانب الافلام التي اخذت عن رواياته‏..‏وليس هذا فقط‏,‏ فقد لعب دورا وظيفيا في الحقل السينمائي كمدير للرقابة ثم مديرا لمؤسسة دعم السينما ورئيسا لمجلس ادارتها‏,‏ ثم رئيسا لمؤسسة السينما‏,‏ ثم مستشارا لوزير الثقافة لشئون السينما‏..‏وفي اثناء تجميد النقابات الفنية في مصر‏(1961‏ ـ‏1978)‏ كان نجيب محفوظ رئيسا للجنة القيد التي اجازت دخول اكثر من‏200‏ سينمائي خلال هذه الفترة بعد ان اجتمعت أكثر من مرة‏.‏

ويذكر تاريخ السينما أن أكثر من‏15‏ فيلما من بين الافلام المائة الاهم ارتبطت باسم نجيب محفوظ كسيناريست أو اخذت عن رواياته‏..‏والتاريخ للسينما المصرية دون التوقف طويلا امام هذا الاديب العبقري يفقده حلقات مهمة في تسلسله‏,‏ وباستثناء محاولات الناقدين هاشم النحاس وسمير فريد‏,‏ فان دور نجيب محفوظ السينمائي يحتاج الي اعادة قراءة متأنية وراصدة لتاثيره عليها‏.‏

ان كل المخرجين المهمين في صناعة الفيلم المصري تعاملوا مع نجيب محفوظ في أعمال اضافت اليهم‏,‏ وجعل هناك أفلاما كلاسيكية براقة ومبدعة يتزين بها صدر السينما المصرية‏,‏ ولست في حاجة لكي اتذكر معكم بعض اسماء هذه الافلام التي انطلقت من فيلم المنتقم حتي وصلت الي قلب الليل وسلسلة الحرافيش مرورا بزقاق المدق‏,‏ والثلاثية‏,‏ وبداية ونهاية‏,‏ واللص والكلاب‏,‏ وميرامار‏,‏ والكرنك وغيرها‏.‏

لم نقم بالاحتفاء بسينما نجيب محفوظ لاننا حتي الآن لم نقم بالاحتفاء بالسينما المصرية نفسها كما ينبغي وباستثناء الجائزة التي اضافها سعد الدين وهبه لمهرجان القاهرة عام‏1994‏ لاحسن مخرج عمل اول أو ثاني لم ننتبه لدور نجيب محفوظ‏..‏ رحم الله اديبنا العبقري‏.‏

إطلاق اسم نجيب محفوظ علي كبري قاعات دار الكتب

كتب ـ أشـرف مفيـد 

اسم الأديب الراحل نجيب محفوظ سيتم إطلاقه علي كبري قاعات الاطلاع بهيئة دار الكتب والوثائق القومية وهي قاعة الإطلاع الرئيسية بالدور الخامس‏.‏

صرح بذلك د‏.‏محمد صابر عرب رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية وأضاف‏:‏ يقوم حاليا مركز الخدمات الببليوجرافية التابع للدار بإعداد كشاف للدوريات يضم كل ما كتبه نجيب محفوظ أو كتب عنه في الجرائد والمجلات العربية والأجنبية منذ بداياته وحتي وفاته‏.‏ وقد سبق أن أصدرت هيئة دار الكتب والوثائق القومية ببليوجرافية بعنوان‏(‏ نجيب محفوظ في مرآة‏)‏ تضمنت الروايات والمجموعات والأعمال الكاملة له‏.‏

وتضم أيضا الببليوجرافيا أعمال نجيب محفوظ التي ترجمت إلي اللغات الأجنبية المختلفة وما كتب عنه بتلك اللغات‏.‏

الأهرام اليومي المصرية في

06.09.2006

 
 

ثمن الكتابة

د. جابر عصفور 

كنت أول من اتخذ من الكتابة حرفة فى حارتنا على رغم ما جره ذلك على من تحقير وسخرية، جملة لافتة، مؤسية، ينطقها راوى حكايات أولاد حارتنا وهو يفتتح الحكي، يريد بها أن يصف ما حدث له، وما كان عليه أن يدفعه ثمنا للكتابة التى رأى فيها فعلا من أفعال المواجهة، الكشف، الانحيار إلى المظلومين، المقموعين، من أبناء الحارة الذين لاحقتهم العقوبات الصارمة لأدنى هفوة فى القول أو الفعل، و الذين باتوا من الفقر كالمتسولين، يعيشون فى القاذورات بين الذباب والقمل، ولأن هذا الراوى كان من القلة التى تعرف معنى الكتابة ومسئوليتها، فى حارتنا، فقد بدأ بكتابة العرائض والشكاوى للمظلومين وأصحاب الحاجات، فتعرف أسرار أولاد حارتنا وأحزانهم، وتغلغل فى المعرفة إلى أن وصل إلى أعماق المأساة الإنسانية التى تحتوى مأساة أولاد حارتنا وتجلت له الحقائق المقموعة ورأى التراجيديا الشاملة للإنسان، فكانت حكايات أولاد حارتنا حكاية أولاد حارات البشرية كلها، حكاية تبدأ من تعرية الظلم الذى يقع على أغلبية البشر، وتنتهى بالكشف عن الجهل الذى يحول بين أمثال عرفة وما يحلمون به من عالم يشهد مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب، وما بين البداية و النهاية تنطلق عشرات الأسئلة الجذرية التى تبحث عن العلة والداء، والتى تنطق المسكوت عنه من الأسباب التى يستولى بها البشر فى ملكوت الله، ويتمكن التقليد من عقول العباد، ويسيطر التعصب على أدمغة الذين يضللهم تجار المعتقدات.

وكان على هذا الكاتب أن يدفع ثمن شجاعة هذا النوع من الكتابة، فهو أول من احترفه فى أيام حارتنا، وأن يحتمل ما جرته عليه حرفة هذا النوع من تحقير وسخرية، شأنه فى ذلك شأن أقران له، قصوا حكايات مشابهة، فى الماضى البعيد والقريب، فى آداب اللغة العربية وآداب اللغات الإنسانية، من قبل أن يكتب عبد الله بن المقفع كليلة ودمنة أو نقرأ فى تراثنا حكايات: حى بن يقظان، والغربة الغريبة ورسالة الطير، ورسالة الحيوان، ورسالة الغفران، والصاهل والشاجح، والصادح والباغم، والتوابع والزوابع، إلى آخر الأعمال الحديثة التى تبدأ من مزرعة الحيوان ولا تتوقف أو تنتهى وكلها أعمال تقتنص حقائق الكون الكبرى بلغة الرمز التى لا يمكن التعبير عنها بدونه، وتجيب عن الأسئلة الجذرية للواقع بلغة التمثيل وتسلط على أقنعة القامعين، فى كل الحارات الإنسانية، أيا كانت ملامح هذه الأقنعة، أقنعة مضادة تكشف عما تخفيه كل الأقنعة مما يحول بين الإنسان ومصيره الخلاق.

ولا تتخلق هذه الأعمال إلا فى لحظات القمع الذى يفرضه الطغاة، أمثال الناظر فى أولاد حارتنا باسم الدين والمصلحة العليا للدولة وسلامة المجتمع، فهى أعمال مناقضة لتسلط الدولة، معادية لتعصب المتاجرين بالدين، منافية لتزمت الجامدين فى المجتمع، وفى الوقت نفسه، تؤكد معنى الدولة الذى يقوم على العدل، وقيمة الدين التى لا تناقض العلم، وأهمية التسامح الذى ينفى التعصب فى المجتمع، وأول أعداء هذه الأعمال السلاطين أمثال دبشليم الذى كان سيفا مسلطا على رقبة بيديا الحكيم فى كليلة ودمنة والمتعصبون الذين أغلقوا عقولهم وقلوبهم على حلم عرفة الذى ظل الجبلاوي راضيا عنه، والمتاجرون بالأديان والمعتقدات والأقوات الذين يسارعون إلى تكفير كل مخالف لهم، ليقضوا على حلم أولاد حارتنا الذين كانوا كلما أضر بهم العسف، يقولون: لابد للظلم من آخر، ولليل من نهار، ولنرين فى حارتنا مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب.

وأحسب أن وطأة عداء هؤلاء الذين يسممون الهواء النقى ويحجبون النور فى حارتنا، هو سر المفارقة الموجعة التى تنطوى عليها الجملة التى افتتح بها الراوى الحكى فى أولاد حارتنا فهى جملة تتحدث عن زمن من أزمنة المستقبل بزمن من أزمنة الماضي، وذلك حين تشير إلى ما جرته الكتابة على أول من احترفها فى حارتنا من تحقير وسخرية، فتسقط الماضى على المستقبل كأنه الرؤيا التى تتجسد كالبشارة أو النذير، ولكن الرؤيا تتحقق كالفاجعة فى هذا الزمن الحاضر، ولم يقتصر الأمر فى أولاد حارتنا على تحقير أعداء العقل، وسخرية خصوم الإبداع من نجيب محفوظ، بل يتحول التحقير إلى فتاوى بالتكفير، وتنقلب السخرية إلى حث على الاغتيال، فتتحول الكلمات إلى سلاح فى يد جاهلة، يد امتدت إلى رقبة الكاتب الذى كانت كتابته دفاعا عن المظلومين وتأكيدا للمعنى السامى للدين، تريد ذبحه، واستئصال الرأس الذى جعل من حكايات أولاد حارتنا ومن كل حكاياته كشفا عن كل ما يرتقى بالإنسان من مستوى الضرورة إلى مستوى الحرية. 

المصرية في 6 سبتمبر 2006

الأهالي المصرية في

06.09.2006

 
 

سلاماً.. حرفوش مصر

حلمى سالم

1

اهتمام حزب التجمع التقدمى بنجيب محفوظ ليس جديدا، فقد قدمت أدب ونقد - المجلة الأدبية الشهرية التى يصدرها الحزب - ملفات عديدة عن هذا الروائى المؤسس فى مناسبات كثيرة، طوال العقدين الماضيين، كما قامت الأهالي - الجريدة الأسبوعية للحزب فى مبادرة استثنائية بنشر روايته المحظورة أولاد حارتنا، فى عدد خاص مستقل من الجريدة 34 صفحة، مشفوعة بمقدمات قيمة لنخبة من كبار كتاب مصر، على إثر تعرضه الأثيم لمحاولة الاغتيال الأثيمة عام 1994، على يد فقهاء الظلام الآثمين..

والحق أن اهتمام اليسار المصرى بنجيب محفوظ، لم ينقطع لحظة طوال ما يزيد على نصف قرن، ولعلى لا أنزلق إلى المبالغة إذا قلت إن كتابات نقاد اليسار المصرى عن أدب محفوظ كانت أهم ما كتب عن هذا الأدب، ونحن جميعا نذكر على سبيل المثال دراسات محمود أمين العالم، وأحمد عباس صالح، ولطيفة الزيات، وغالى شكري، وأمير اسكندر، وإبراهيم فتحي، ورجاء النقاش، وصبرى حافظ، وغيرهم ممن تناولوا مسيرة محفوظ الأدبية بالإضاءة والتقييم والتحليل من وجوهها العديدة المختلفة..

وقد تنوعت زوايا نظر هذا النقد اليسارى إلى أدب محفوظ، فوصفه بعض هذا النقد بالواقعية الطبيعية، ووصفه بعضه بالواقعية الاجتماعية، ووصفه بعضه بالواقعية الفوتوغرافية لكن معظم هذا النقد اتفق على وصف أدب محفوظ بأنه أدب البرجوازية الصغيرة، وهو الوصف الذى صنع - لمدة طويلة - جفوة ظاهرة بين محفوظ ومعظم تيارات اليسار المصري..

وربما زاد هذه الجفوة اتساعاً، الطريقة التى صور بها محفوظ شخصية اليسارى فى أدبه، فالنماذج اليسارية فى روايات محفوظ لا تخرج عن نموذج الانتهازى مثل سرحان البحيري، أو نموذج الخائن المأزوم مثل منصور باهي، أو نموذج الطوباوى المحلق مثل على طه.

على أن هذه الجفوة طفقت مع الوقت، تضمحل وتذوب، بفعل الأطوار الفنية المتجددة التى أنجزها أدب محفوظ من ناحية، وبفعل تنامى اتساع الرؤية عند النقاد اليساريين من ناحية ثانية، وبفعل تقدم المدارس النقدية الحديثة فى العالم كله على نحو أسقط تقييم النصوص الأدبية على ضوء عنصر المضمون وحده من ناحية أخيرة.

هنا، اتسع النظر النقدى اليسارى إلى أدب محفوظ ليتجاوز ذلك التوصيف الضيق كاتب البرجوازية الصغيرة إلى أطر أرحب بوصفه كاتب الحرية والعدل أو كاتب المصائر البشرية المتلاطمة أوضمير أمة.

2

لم يتسمّر نجيب محفوظ على نمط الرواية الواقعية التى اشتهر بها واشتهرت به، فقد مكنته تجربته العريضة الغزيرة وعمره الطويل من أن يجول بين الأشكال المختلفة للرواية: فمن الرواية التاريخية، إلى الرواية الواقعية، إلى الرواية السياسية، إلى الرواية النفسية، إلى الرواية الوجودية، ومن رواية الأجيال إلى رواية تيار الوعي، إلى القصة الحوارية، إلى القصة المسرحية، وقد شهد العقدان الأخيران من مسيرة محفوظ طورا بارزا من أطوار التجريب الفنى المتنوع، وهو الطور الذى لم يلتفت إليه كثير من نقاده الذين حصروا أنفسهم وحصروه فى المرحلة الواقعية المبكرة.

لا ريب أن نجيب محفوظ على الأقل فى نظر التيارات الحداثية وما بعد الحداثية كاتب تقليدي، وإن كان كاتبا تقليديا عظيما، ولكن لا ريب كذلك فى أن أعماله التجريبية فى مرحلته الأخيرة. لا سيما القصص الحوارية والقصص المسرحية والتجريدية، ثم بالأخص عملية: أصداء السيرة الذاتية وأحلام فترة النقاهة، تنأى به كثيرا عن وصف الكاتب التقليدى العظيم إلى وصف الكاتب التجريبى المجترئ العظيم.

3

يمكن أن أنظر - كشاعر - إلى عمل نجيب محفوظ من زاوية الشعر، لأرى أن هذا الكاتب الروائى العريق شارف تخوم الشعر فى كثير من أعماله الروائية.

إن قارئ الطريق والشحاذ، واللص والكلاب لابد أن يجد فيها قطعا كثيرة تفوح بعطر الشعر ويترقرق فيها ماؤه خفيا عميقا.

أما عملاه الأخيران أصداء السيرة الذاتية، وأحلام فترة النقاهة فهما حافلان بالقطع الشعرية الناصعة، على نحو قريب مما صرنا نسميه مؤخراً قصيدة النثر بخصائصها التى تجنح إلى التكثيف والسرد ومجاز المشهد والتوتر والبعد عن الحشو والطنطنة البلاغية.

هذه هى - إذن - مرحلة التقطير والاستصفاء، التى ساعدته عليها عوامل عدة منها: دراسته الأصلية للفلسفة، وحبه العميق للشعر فلا تخلو رواية له من تذكر أبيات من الشعر العربى القديم، ووصوله إلى حالة من التأمل الخالص فى عقوده الأخيرة، بعد خبرة طويلة مع الفن والحياة والمصير البشري.

4

¬على الرغم من أن الحياة الأدبية المصرية والعربية قد وضعت محفوظ - على الدوام - فى أجل مكان ومكانة، فإن هذه الحياة الأدبية المصرية والعربية قد عتبت على كاتبها الجليل مرتين كبيرتين، عبر مسيرته الطويلة العريضة:

الأولي: حينما أعلن موافقته على كامب ديفيد أواخر السبعينيات، وما تبعها من معاهدة وصلح مع إسرائيل، منضماً فى ذلك إلى مجموعة الأهرام التى رأت أن الصراع مع إسرائيل صرع حضارى طويل، وإن مصر ينبغى أن تنصرف إلى تنميتها الداخلية من خلال السلام، بعد الأثمان الباهظة التى دفعناها فى الحروب العربية ضمت مجموعة الأهرام: توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ولويس عوض، وحسين فوزي، ومحمد سيد أحمد وغيرهم.

والمفارقة هنا أن محفوظ كان - قبلها بسنوات قليلة - من أبرز الموقعين على البيان الذى سمى بيان توفيق الحكيم الذى صدر أثناء انتفاضة الطلبة فى أوائل السبعينيات متضامناً مع مطالبهم فى الحرب والتحرير والديمقراطية والعدالة. ولعل ذلك هو ما جعل الكثيرين من محبى محفوظ ينظرون إلى موقفه من السلام باعتباره موقفا حضاريا فكريا لا سياسيا عابرا.

الثانية: حينما كان ملكيا أكثر من الملك، بخصوص قضية مصادرة روايته العظمى أولاد حارتنا، فعلى الرغم من مناداة الحركة الثقافية المصرية والعربية بإنهاء مصادرة الرواية التى حصل بها محفوظ على جائزة نوبل، وعلى الرغم من عدم ممانعة رئيس الجمهورية نفسه من نشرها، فإن نجيب محفوظ ظل حتى اللحظة الأخيرة يرفض السماح بنشرها فى مصر وهى منشورة فى كل بلاد العالم إلا إذا وافق الأزهر الذى منعها منذ خمسة وأربعين عاما أو كتب لها أحد المفكرين الإسلاميين مقدمة تعطيها التفسير والبراءة.

لكن هذين العتابين لم يعكرا بتاتاً صفو الإجلال الذى تكنه الحياة الفكرية والأدبية والثقافية المصرية والعربية لهذا الكاتب الفرد الفريد، الذى لم يكتف بحرث الأرض، بل زاد عليها تأسيس البناء، ثم إقامة الطوابق عليه متطاولة شاهقة.

5

الآن حان وقت رد الجميل إلى هذا الروائى الجليل، ولست أرى وسيلة رفيعة لرد هذا الجميل بعيداً عن المهرجانات وكلمات التأبين البلاغية سوى السماح بنشر أولاد حارتنا، نشرا واسعاً، يعيد الاعتبار للرواية وللروائى ولنا نحن معاصريه ومحبيه وقراءه وتلاميذه ومواطنيه، لنكون أهلا به مثلما كان هو أهلا بمصر.

إن نشر أولاد حارتنا نشرا علنيا رسميا واسعا، سيكون وردة عطرة على قبره الطيب العطر.

سلاماً حرفوش مصر

سلاما حضرة المحترم

هذا الملف الخاص، هو تحية محبة بسيطة، تقدمها الأهالى لهذا الرجل المحب البسيط.

الأهالي المصرية في

06.09.2006

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2016)