كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 

المافيا والسياسة وبؤس العالم والعولمة في اختتام الدورة 61 للمهرجان السينمائي الأشهر...

جوائز «كان» أرضت الجميع وأغضبت إيستوود ... كثير من السياسة قليل من الضحك

كان (جنوب فرنسا) – إبراهيم العريس

مهرجان كان السينمائي الدولي الحادي والستون

   
 
 
 
 

... وبعد واحد وعشرين عاماً من الغياب عن «السعفة الذهبية»، استعادت السينما الفرنسية هذه السعفة التي كانت، حتى حين نالتها قبل خُمس قرن عن فيلم «تحت شمس الشيطان» للراحل موريس بيالا جوبهت باحتجاج صاخب من النقاد العالميين، أجبر المخرج وهو يعتلي الخشبة على رفع يده في حركة شتيمة تجاه الصاخبين. ومنذ ذلك الحين (1987) وأهل السينما الفرنسيون يشعرون بالمرارة: في كل عام يقولون هذا العام عام سعفتنا الذهبية، ثم يخيب أملهم، حتى في الحصول على ما هو أدنى منها. ولكن هذه المرة حدثت «المعجزة» الصغيرة. لكنها لم تحدث إلا في شكل غير متوقع. وفي مكان آخر غير ذاك الذي صخب النقاد والصحافيون الفرنسيون في حديثهم عنه منذ أول أيام المهرجان. ففي البداية كانت «الإشارة» واضحة: على النقاد أن يركزوا، حديثاً وتعليقاً وتوقعاً على فيلم «حكاية عيد ميلاد» لآرنو دبليشان، ابن «كان» المدلل، والجامع لعدد وفير من النجوم الفرنسيين. بالنسبة الى الفرنسيين، ستكون السعفة من نصيب هذا الفيلم حتماً. وهو أمر لم يشاركهم فيه غيرهم من النقاد الآتين من شتى بلدان العالم. وخلال الأيام الأولى لم يكن ثمة ذكر لفيلم فرنسي آخر هو «بين الجدران»، كان جرى اختياره في شكل متأخر جداً، وعرض في اليومين الأخيرين للمهرجان من دون أية بهرجة إعلامية أو صخب، الى درجة أن كثراً لم يتنبهوا الى ضرورة حضوره.

ولكن منذ عرضه، بدا كثر واثقين من أنه إذا كان لفرنسا أن تنال السعفة الذهبية هذا العام، فإنها لن تنالها إلا من طريق هذا الفيلم... الفيلم الذي لا دراما صاخبة فيه ولا نجوم، وبالكاد يعرف أحد من أهل السينما العالمية اسم مخرجه: «بين الجدران» الذي سمي في الإنكليزية «الصف» وهو من إخراج لوران كانتيه، الذي لم يعرف قبل الآن إلا بأفلام يغلب التوثيق الاجتماعي عليها. ومن هنا إذا كان كثر فوجئوا بنيل «بين الجدران» السعفة الذهبية، فإن الذين شاهدوا الفيلم لم يفاجأوا... بل بالأحرى فوجئوا كيف أن عالم «كان» المخملي الصاخب تنبه الى هذا العمل الاجتماعي – السياسي القوي (راجع عن «بين الجدران» مكاناً آخر في هذه الصفحة). لكن حدة المفاجأة تضاءلت حين تذكّر الجميع أن رئيس لجنة التحكيم هذه المرة هو شون بن، الممثل والمخرج الأميركي المشاكس الذي كان وعد الصحافة قبل الافتتاح بأن «هذه الدورة من كان ستكون سياسية إن لم يكن في التوجه العام لعروضها، ففي نتائجها». إذاً، مساء اليوم الحادي عشر للدورة 61 لمهرجان «كان» السينمائي، تحقق لفرنسا ما كانت تتطلع إليه واستعادت سعفتها الذهبية. وحقق شون بن ما كان وعد به وسيّس النتائج. أما أهل السينما ونقادها فإنهم تراكضوا يتساءلون كيف سيقيض لهم أن يشاهدوا «بين الجدران» ليكتبوا عنه. وكان الجواب واضحاً: في الليلة نفسها بعد إعلان النتائج، وتحديداً في رفقة أصحاب الفيلم ودزينتين من مراهقين سود وعرب وصينيين وفرنسيين متواضعي الموقع الاجتماعي، هم أبطال هذا العمل.

البؤس والثروات

وإذا كان فوز «بين الجدران» قد شكل مفاجأة في ليلة «كان» الأخيرة، فإن عنصر المفاجأة هذا لم يسر على بقية الجوائز، التي وزعها شون بن ورفاقه في لجنة التحكيم وسط حفلة تنافس صخبها مع تقشفها على الخشبة، مع أناقة الفاتنات والسادة من الحضور في صالة راحت تضج بالتصفيق كلما أعلن عن اسم فائز، حتى بصرف النظر عن التناقض الكبير بين روحية الأفلام الفائزة، ومظهر الصخب الاجتماعي الأنيق في الصالة. إذ أمام المشهد الإجمالي كان يحق للمرء أن يتساءل: ترى، ما الذي أتت أفلام الجوع والبؤس والسياسة والاستسلام أمام صعوبة الحياة والنضال الثوري تفعله أمام هذا العالم المتأنق الجميل؟ والجواب بسيط: إنها معجزة السينما. المعجزة البسيطة التي سمحت لشون بن ورفاقه بمكافأة سينمائيين عبّروا عن بؤس العالم، أمام نجوم وشخصيات، قد تكفي ثرواتها لدرء هذا الجوع!

إذاً، فيلم عن صعوبة العيش والتعايش بين أستاذ للفرنسية وطلابه الآتين من الطبقات المسحوقة («تحت الجدران»)، وفيلمان عن المافيا الإيطالية وعلاقتها بالسياسة («غومورا» و «ال ديفو»)، وفيلم عن حياة بطل التحرير في أميركا اللاتينية ونضاله وسقوطه («تشي»)، وفيلم عن مجتمعات البؤس والجوع والتفكك في برازيل اليوم («خط العبور»)، وفيلم عن التفكك العائلي والسقوط الأخلاقي في اسطنبول الراهنة («ثلاثة قرود»)، وواحد عن بؤس العمال المهاجرين المسحوقين في بلادهم، المرفوضين في ديار الهجرة («صمت لورنا»)... هذه الأفلام كلها، بمشكلات الحاضر التي تطرح، تتضافر هنا لتشكل مجموعة الأفلام التي اختارتها لجنة التحكيم في «كان» للجوائز السبع الرئيسة التي تمنح مرة في كل عام في هذا المهرجان. وهذه الأفلام في تضافرها، إنما تعكس في الحقيقة، ما كان يمكن أن يكون متوقعاً من لجنة تحكيم يرأسها شون بن، المكافح منذ بداياته ضد الظلم والهيمنة على العالم وضد الإدارة الأميركية التي يعتبرها مسؤولة عن هذا كله. ومن الواضح أن شون بن حين سعى الى «فرض» اختياراته هذه، إنما تعمّد أن يقدم في المقابل ما بدا أنه تنازل شكلي مزدوج: جائزة خاصة ابتكرت للمناسبة وأطلق عليها اسم «الجائزة الخاصة للدورة الواحدة والستين» وهو، للمناسبة، اسم غريب ولا معنى له. ولكن كان من الضروري اللجوء إليه. فإذا كانت التوقعات «السعفية»، سارت منذ البداية في اتجاه ان الفرنسيين يريدون الجائزة الكبرى لـ «حكاية عيد ميلاد»، فيما يريد شون بن إعطاءها لصديقه كلينت إيستوود، عن رائعته الجديدة «الإبدال» (أولاً لأن هذا الفيلم يستحق ذلك، وثانياً لأن بن – كما قيل – يجب أن يردّ الى إيستوود جميلاً كان هذا الأخير أسداه له قبل سنوات حين أعطاه في فيلم «مستيك ريفر» دوراً نال عنه أوسكار أفضل ممثل)، إذا كان التوقعات سارت في هذا الاتجاه، فإن تسوية ما يبدو أنها فرضت نفسها في النهاية تفضي بتنازل كل طرف عن رغبته لمصلحة إعجاب مشترك بـ «بين الجدران»، في مقابل أن يعطى كلينت إيستوود (مخرج «الابدال») وكاترين دونوف (بطلة «حكاية عيد ميلاد») معاً جائزة الدورة 61 الخاصة. ولئن كان هذا الفوز قد سرّ دونوف وجعلها تتألق في وصولها الى الخشبة، فإنه – كما يبدو مؤكداً – أغاظ كلينت إيستوود الذي امتنع من حضور الحفلة، فكان في غيابه، الحاضر الأكبر!

الضحك ... في مكان آخر

وإيستوود نفسه، الذي كشف غيابه منذ بدء الحفلة عن أن فيلمه استبعد من كل جائزة كبرى، كان في الأصل حاضراً طوال ايام المهرجان، كما كان يصر على مشاهدة بعض الأفلام ولو خفية عن الأعين الفضولية للصحافيين والجمهور، ويقال إنه ضحك كثيراً حين شاهد «فيكي كريستينا برسلونا» لزميله وودي آلن، مشيراً من طرف خفي الى أن على الجميع أن يضحكوا كثيراً حين يشاهدوا هذا الفيلم لأنه «الفرصة الوحيدة للضحك في هذه الدورة». وكان من الواضح أن إيستوود يشير هنا، وربما ناقداً، الى غياب الضحك عن أي فيلم في المهرجان. فإذا كانت كل العواطف قد حضرت، كما حضرت كل السياسات والقضايا الاجتماعية الساخنة، فإن الضحك والمرح كانا الغائبين الأكبرين... ولنكون أكثر صدقاً، لا بد من أن نشير الى أن الجمهور ضحك، مع هذا، في فيلمين لم يكن الإضحاك مقصوداً فيهما: فيلم «حدود الفجر» للفرنسي فيليب كاريل، الذي توّج «أكثر الأفلام إثارة للضجر» في الدورة، وضحك الجمهور على بعض مشاهده «الأكثر رومنطيقية»، وفيلم «تصوير باليرمو» الذي أثار بعض الحوارات، لا سيما الحوار مع الموت، فيه، سخرية ظالمة، فضحك بعض الجمهور، ما أساء الى فيلم من الواضح أن مكانته ستكبر أكثر وأكثر مع الوقت (وهذا على أي حال دأب كل فيلم من أفلام صاحب «تصوير باليرمو» الألماني فيم فندرز: يستقبل أول الأمر استقبالاً سيئاً ثم يعاد إليه الاعتبار، بل يصبح عملاً كلاسيكياً كبيراً، لاحقاً).

على رغم السخرية من بعض حواراته، لا بد – إذاً – من الاعتراف بأن «تصوير باليرمو» فيلم كبير، وكان يستحق الفوز بجائزة ما. وهو في هذا الغياب عن الجوائز انضم الى بضعة أفلام أخرى كانت كل التوقعات تعطيها حظوظ فوز كبيرة منذ عرضت، لكنها خُذلت في النهاية. وفي مقدم هذه الأفلام فيلم «عبادة» للكندي – الأرمني – المصري آتوم ايغويان، هذا الفيلم الذي دنا، في شكل تركيبي موفق من بعض أكثر المشاكل والقضايا سخونة في عالم اليوم: الإرهاب والتعامل معه، قضية الشرق الأوسط، المجابهة بين الأديان، العنصرية ثم الإنترنت ودوره في حياتنا اليومية. ويبدو أن هذا الدنو الذكي والواعي من كل هذه المسائل لم يمكّن فيلم ايغويان الجديد هذا من إقناع لجنة التحكيم بمنحه ولو جائزة السيناريو، التي بدا مستحقاً لها أكثر بكثير من فيلم «صمت لورنا» للأخوين داردين، الذي بدا مستحقاً للسعفة الذهبية أو لجائزة لجنة التحكيم الكبرى. ولكن ليس لجائزة أفضل سيناريو التي منحت له.

طبعاً، يمكننا هنا أن نورد قدر ما نشاء من ملاحظات واعتراضات، كما نفعل ويفعل غيرنا في كل مهرجان، وفي كل دورة... مع معرفتنا بأن هذا لن يبدل من طبيعة الأمور، ومع معرفتنا أيضاً بأن هذا لن يكون في النهاية سوى اختيار شخصي ذاتي، مثله مثل النتائج نفسها، إذ نعرف دائماً أن مجرد اختيار لجنة التحكيم، هو تعيين مسبق للأفلام التي ستفوز. وهنا، في هذا الإطار لن يفوتنا أن نشير الى أنه، حتى وإن كان غياب أفلام مثل «تصوير باليرمو» أو «عبادة» أو حتى «فالس مع بشير» لآري فولمان (إدانة بالرسوم المتحركة الوثائقية لمجازر صبرا وشاتيلا)، عن الجوائز أدهش كثراً وأغاظهم، فإن أسماء الأفلام الفائزة، في النهاية، لم تثر أي احتجاج... فهي – أو معظمها – كانت الأسماء المتداولة منذ عرضت، مع انزياح من هنا وانزياح من هناك، ما جعل تطابقاً ما يلوح بين المتوقع وما أسفرت عنه الأمور، مع بعض الاستثناءات. فمثلاً، بالنسبة الى جائزة أفضل ممثل التي حظي بها بنيسيو ديل تورو عن لعبه دور غيفارا في «تشي» لستيفن سودربرغ، كان واضحاً – ولاعتبارات كثيرة من بينها بالتأكيد أسلوب ديل تورو الرائع في تأدية الدور – انها ستذهب إليه، من دون منافس جدي. والذين رأوا «خط العبور» لوالتر ساليس، لم يكن لديهم أدنى شك في أن بطلته (ساندرا كورفيولوني) ستعطى جائزة أفضل ممثلة، لروعة أدائها دور الأم الشجاعة التي تعمل خادمة في بيوت الأثرياء في ساوباولو اليوم لتعيش أسرتها المؤلفة من أربعة صبيان مختلفي المشارب والأخلاق، فيما هي حامل بالخامس الذي لا يعرف أحد من هو أبوه. وفيلم «ثلاثة قرود»، الذي فاز مخرجه التركي نوري بلجي جيلان، بجائزة أفضل مخرج، لم تكن المفاجأة أنه فاز بالجائزة، بل كونه لم يفز – مثلاً – بالسعفة الذهبية (وهذا الفوز هو الثالث لجيلان، عن ثالث فيلم يعرضه في «كان»). وقد سبق أعلاه أن تحدثنا عن «صمت لورنا» للأخوين البلجيكيين داردين وفوزه بجائزة السيناريو واستحقاقه ما يفوقها. إذاً، هذا كله بدا واضحاً مريحاً وبدهياً، وتبقى مسألة أخيرة: فوز فيلمين إيطاليين بجائزتي لجنة التحكيم، الكبرى لـ «غومورا» لماتيو غاروني، والخاصة لـ «ال ديفو» لباولو سورنتينو. فالحقيقة ان هذا الفوز الإيطالي المزدوج كان المفاجأة الوحيدة في نهاية الدورة. ليس لأن الفيلمين لا يستحقان الفوز (راجع عنهما معاً في مكان آخر من هذه الصفحة)، بل لأن «العادة» جرت بألا تعطى جائزتان (من أصل ما مجموعه 7 جوائز) لفيلمين آتيين من بلد واحد ويدوران من حول قضية واحدة، لا سيما قضية المافيا التي يقال دائماً إنها أشبعت أفلمة وصخباً، ولكن أتى هذان الفيلمان ليقولا – على أي حال – ان لمسألة المافيا وجوهاً كثيرة ودائمة الجدة.

في النهاية، عرف شون بن كيف ينهي الدورة في شكل مقبول وكيف يرضي كثراً – ولكن ليس بالتأكيد صديقه وربما أستاذه كلينت إيستوود -. ولئن قيل كثيراً – في محاولة لهجائه – انه «قاد» دورة فيها الكثير من السياسة والقليل من الضحك، فإنه – هو المعروف بنضاله ومشاكسته – لن يجد في هذا القول ضرراً، بل لن يكون لديه من الوقت ما يكفي للتوقف عنده، هو الذي سيكون – وربما رفقة صديقه بنيسيو ديل تورو – منهمكاً في إرضاء إيستوود وإغداق وعود مستقبلية عليه، وتبرير عدم إعطائه «سعفة» كان إيستوود يتطلع للحصول عليها وهو في سنه المتقدمة هذه.

الحياة اللندنية في 30 مايو 2008

 

«بين الجدران»:

السعفة الذهب للقاء الحضارات الصعب

ما الذي يشبه أكثر من أي شيء آخر فيلم «بين الجدران» الفائز بالجائزة الكبرى «السعفة الذهبية» في الدورة الأخيرة لمهرجان «كان»؟ يشبه صفاً دراسياً ثانوياً في منطقة شديدة الصعوبة من مناطق باريس، هي الدائرة العشرون التي بقدر ما يتضاءل فيها عدد السكان ذوي الأصول الفرنسية «الصافية» يزيد التنوع العرقي والديني أو اختلاط الفئات والشرائح البائسة العائشة غالباً على هامش مجتمع الوفرة الفرنسي. ويزيد، بالتالي، حجم المشاكل اليومية وصعوبة العيش.

وكل هذا ينعكس عادة، وأكثر مما في أي مكان آخر، على المؤسسات التربوية، حيث الاختلاط فعل حياة يومي، والصراعات صورة هذه الحياة الجوهرية. في فرنسا، وفي سلك التعليم يقال عادة ان الأستاذ الذي يعين في واحدة من مدارس هذه المنطقة، إنما يكون وضعه وضع كاتب سوفياتي يساق الى الغولاغ. طبعاً قد يكون في هذا التشبيه قدر كبير من المغالاة. غير أن فيلم لوران كانتيه «بين الجدران» يعزز الصورة، حتى من دون أن تكون في هذا التعزيز إدانة ما. أو لنقل إن الإدانة التي يحملها تشبه، حرفاً حرفاً، الإدانة التي قد توجه في الحياة اليومية – العادية – خارج السينما، الى مجتمع فرنسي يبدو عاجزاً عن استيعاب الوافدين إليه ودمجهم في ثقافة شاملة تعبر، في تنوعها، عن هضم لذهنيات كثيرة مشكّلة منها ذهنية شاملة تتماشى مع أزمان العولمة الكوزموبوليتية الجديدة. ذلك أن «بين الجدران»، ونكررها هنا: يشبه الحياة تماماً.

ومن الواضح أن جوهر أهميته يكمن ها هنا. إذ كما أن الحياة هي درامات ولقاءات وصراعات وحوارات متواصلة، كذلك حال هذا الفيلم، الذي لا يحمل قصة محددة تُروى في شكل خطي سردي متواصل حتى نهاية ما. هنا لا بداية ولا نهاية إلا شكلاً. أي أن البداية تكون هنا مع وصول أستاذ الصف الرابع الثانوي للغة الفرنسية فرانسوا، الى المدرسة ليبدأ عاماً دراسياً، يتلاقى فيه يومياً مع 25 طالباً وطالبة. والفيلم ينتهي مع نهاية ذلك العام الدراسي، من دون أن يحدث أي أمر جلل بين البداية والنهاية.

الفيلم هو إذاً، صورة لـ «المجابهة» اليومية الدائمة بين الأستاذ وطلابه، ثم بين هؤلاء، ومن خلف ذلك صورة لمجابهة كل منهم، ومجابهتهم جميعاً مع العالم، مع المجتمع، مع صعوبات العيش وكيف تنعكس لديهم عنفاً لفظياً ومحاولات للتملص من الدراسة والتعبير عن هواجس اكسترا – مدرسية وتعلُّق كلِّ واحد بمثل أعلى له، قد يكون لصاً أو لاعب كرة أو مغنياً أو رجل دين أو إرهابياً. وهذا كله استقاه الكاتب فرانسوا بيغودو من تجربته الشخصية مدرساً في كلية فرانسواز دولتو (التي لأن فيها أشغالاً استبدلت في التصوير بكلية أخرى)، مع طلاب يشبهون، كالإخوة، الطلاب الذين ظهروا في الفيلم.

وهؤلاء على أي حال هم من طلاب كلية فرانسواز دولتو الفعليين، جرى اختيارهم من بين 50 طالباً ليقوموا بدورهم في الحياة لا أكثر ولا أقل. وبالفعل، تحت إدارة لوران كانتيه، وبإشراف فرانسوا بيغودو، اللاعب هو أيضاً دوره في الحياة، تحرك الصف الرابع ثانوي أمام أعيننا في حياته الغنية، في لحظات العنف والمرح. في لحظات الود والصراع، فيما الكاميرا محمولة على الكتف غالباً، تتنقل كعين متلصص مندهش، بين الوجوه والعبارات ملتقطة لحظات شديدة العفوية، كما في السينما الوثائقية، مع أن العمل ليس وثائقياً. والحقيقة أن أداء الأستاذ وطلابه بدا من الصدق والعفوية بحيث أن كثراً من النقاد والمتابعين لم يصدقوا أن الفيلم تمثيل في تمثيل. والواقع أن هؤلاء يبدون محقين الى حد ما. ذلك أن هذا الفيلم ينتمي، في الحقيقة، الى موقع وسط بين السينما الروائية والسينما الوثائقية: إذ حتى وإن كان الجانب الروائي هو الأساس، فإن الأهم أن «الممثلين» لا يمثلون سوى دورهم في الحياة، بل إن معظم الحوارات، بين بعضهم البعض، وبينهم وبين الأستاذ، جاءت مرتجلة بمعنى أن المخرج وكاتبه كانا يحددان الإطار العام للموقف المطلوب التعاطي معه، ثم يتركان لـ «الممثلين» قول ما يرون أنه كان يمكن أن يقولوه في مشهد مثل هذا يعيشونه حقاً في الحياة اليومية.

في النهاية ستكون الكلمة

هنا، إذا كان من البديهي لفرانسوا بيغودو، كاتب الفيلم و «ممثله» الرئيس، أن يتقن دوراً عاشه سنوات طويلة من حياته، وكتب عنه كتباً كثيرة، منها الكتاب الذي أخذ عنه الفيلم مباشرة، فإن المدهش كان قبض الطلاب على الموضوع وعيشهم إياه تماماً، كما لو أنه حياتهم الخاصة، ومن ثم التعبير عن ذلك كله بقوة وصدق عرفت كاميرا لوران كانتيه كيف تلتقط كل لحظة منهما. ومن هنا عاش المتفرجون – كما عبر الكاميرا الخفية – لحظات مدهشة ومتوترة، لحظات مضيئة ومحزنة، لحظات عابثة وأخرى شديدة الجدية، مع فرانسوا والناظر (الذي هو الناظر الحقيقي للكلية) والأساتذة الآخرين (وهم أيضاً أساتذة الكلية)، كما مع نسيم وشريف وكودوما وازميرالدا وسليمان وهنرييت ولوسي وبابكر ورباح... وغيرهم من طلاب صاروا بعد عرض الفيلم نجوماً حقيقيين في «كان» وشخصيات لا تنسى، كمثل حال والدي الطالب الصيني واي، ذي الذكاء المفرط، والذي يراقب بعينين حزينتين رغبة السلطات في طرد والديه لأن أوراق دخولهما فرنسا غير مستوفية. ونلاحظ هنا كيف أن الفيلم حين أطل على العالم الخارجي، أطل عبر مثل هذه الحالات، التي لا تخرج أصلاً عن إطار الموضوع العام للفيلم.

من الواضح أن هذا كله فتن لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، كما فتن رئيسها شون بن، الذي تتلاقى معه – أصلاً – رسالة الفيلم، الداعية الى التحاور والتسامح بدلاً من الصراع، والى تغليب اللفظ على الضرب والى أن الناس إنما يلجأون الى العنف لانعدام الحوار في ما بينهم، فكانت السعفة الذهبية من نصيب فيلم غريب مدهش. ولم يكن هذا لا متوقعاً ولا محسوباً، خصوصاً أن إعلان مشاركة «بين الجدران» تأخر أسبوعاً عن إعلان أسماء بقية الأفلام المشاركة. وأنه حين وصل ليعرض اعتبر مجرد فيلم فرنسي آخر. ثم بعدما عرض بدا، للوهلة الأولى مملوءاً بكليشيهات عن الهجرة والعنصرية والمجتمع الفرنسي، امتلأت بها عشرات الأفلام التي حققت في فرنسا خلال ربع القرن الأخير. غير أن هذا الفيلم سرعان ما عاد واحتل مكانته في الصف الأول بين الأفلام المرشحة للفوز. وحين فاز ساد تصفيق عميق وكبير، فيما توجهت أنظار الحضور نحو الطلاب المراهقين، الذين سرعان ما صارت لهم سمات النجوم الكبار، ونحو أستاذهم فرانسوا بيغودو، الذي وصل هنا الى ذروة مجد من الواضح أنه لم يكن يحلم به حين كان مجرد أستاذ ثانوي للغة الفرنسية يصارع بينه وبين نفسه لإيجاد أفضل السبل للتعامل مع مجتمع صعب... صعب الى حد الإرهاق.

لوران كانتيه مخرج «بين الجدران»

من المؤكد أن اختيارات لوران كانتيه الفنية وأسلوبه السينمائي ونزعاته الفكرية، منذ دخل مجال الإخراج السينمائي عام 1993، ما كانت لتؤهله أبداً لأن يحلم بأن ينال السعفة الذهبية يوماً في كان. فهو واحد من أولئك السينمائيين الذين قام فنهم على أسس اجتماعية محاولاً أن يستلهم مواضيعه، ليس فقط من قلب الحياة والمجتمع، بل من نزعة تصر على أن تكون الكاميرا هي التي تصل الى المجتمع لا أن يصل هذا الأخير الى الكاميرا. ومن هنا فإن أفلامه اتسمت بنزعة نصف وثائقية – نصف واقعية مع شيء من التوجه الروائي. وسم هذا فيلميه القصيرين الأولين «الكل الى التظاهرة» – 1993 – و «لعبة الشاطئ» – 1995 -. وهو، بفعل النجاح الذي حققه هذان الفيلمان، تمكن عام 1997 من تحقيق روائيه الطويل الأول «الدمويات»، ليتبعه عام 1999 بـ «موارد بشرية» الذي فاز، خصوصاً، بـ «سيزار أفضل عمل أول». وفي 2001 حقق كانتيه «البرنامج» الذي فاز بالجائزة الكبرى في مهرجان البندقية. وعام 2005 حقق «نحو الجنوب» الذي عرض في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية. وبهذا يكون «بين الجدران» فيلمه الروائي الطويل الخامس.

إ. ع.

الحياة اللندنية في 30 مايو 2008

 

المافيا: الدويلة وصاحب الدولة

هو أمر لا يحدث كثيراً في «كان». بل انه لم يحدث قبل الآن أبداً: فيلمان من بلد واحد، عن موضوع هو في نهاية الأمر واحد. وفي توجه سياسي – إجرامي – اجتماعي واحد... وكذلك مع ممثل هو نفسه في الدور الرئيس في كل فيلم من الفيلمين، يفوزان بجائزتين تحملان تقريباً الاسم نفسه: جائزة لجنة التحكيم، التي توصف في المرة الأولى بـ «الكبرى» وفي المرة الثانية بـ «الخاصة». البلد هو ايطاليا والفيلمان هما «غومورا» لماتيو غاروني (فاز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى) و «ال ديفو» لباولو سورنتينو (الذي فاز بلجنة التحكيم الخاصة). ومن المعروف عادة ان «الكبرى» تعتبر أرفع جائزة تعطى لمستوى فني في مهرجان «كان» – ما يميزها أحياناً حتى عن «السعفة الذهبية» ذات الطابع الأكثر استعراضية، اما «الخاصة» فإنها تعبر عن توافق في الذوق السينمائي بين المحكمين. وهذا يعطي الأفلام الفائزة بهاتين الجائزتين نكهة خاصة. وهذه النكهة لم تفت الإيطاليين الذين بفوز فيلميهم اعتبروا أنفسهم منتصرين انتصاراً كبيراً، هم الذين يكاد غيابهم عن «كان» وجوائزها خلال السنوات الأخيرة يغيظهم.

والفيلمان يتناولان حكايات تتعلق، من قريب مباشر، أو من بعيد متجذر، بالمافيا وأكثر من هذا: بالطابع السياسي للوجود الكلي الحضور للمافيا في الحياة الإيطالية.

يتحدث «غومورا» عن المافيا النابوليتانية، وهي – في إيطاليا – اكثر فاعلية وحضوراً، وإن تكن اقل صخباً من المافيا الأخرى، الأكثر شهرة والنابعة من جزيرة صقلية لتصل الى اميركا، وثلاثية «العراب» والتي صارت مع الوقت شديدة الفولكلورية. في المقابل فإن الغومورا النابوليتانية هي اشبه بدويلة حقيقية داخل الدولة الإيطالية، لها جيشها المسلح – الخفي طبعاً – ونواديها الاجتماعية ومخازنها التجارية وفروعها المصرفية... أما أموالها – المقدرة سنوياً بأكثر من 200 بليون دولار -، فتأتي من تجارة كل ما هو ممنوع ولكن بخاصة من تقليد البضائع الفاخرة وبيعها في شتى أنحاء العالم. من حكايات هذه المافيا، يستقي الفيلم 5 حكايات يولّف بينها، ليقدم من خلالها في مونتاج متوتر إنما راسخ في سيره الى الأمام، شخصيات لا يجمع بينها إلا عملها مع تلك الدويلة: عجائز مخضرمون، فتيان يحلمون بعد ان شاهدوا مرات ومرات فيلم «سكار فايس» لبريان دي بالما، كما شاهدوا «عراب» كوبولا و «فتية طيبون» لسكورسيزي، يحلمون بأن يصبحوا من قادة هذه المافيا. إنهم هنا جميعاً يقدمون في حياتهم اليومية، في علاقاتهم وأحلامهم، في بيئاتهم العائلية، في فرحهم بالحياة... وكأن الفيلم عمل وثائقي عن مجتمع يقف خارج العالم، لكنه مختلط به حتى الثمالة.

«ال ديفو» لباولو سورنتينو، يختلف بعض الشيء عن «غومورا» حتى وإن كان مثله مأخوذاً عن نص مكتوب. فـ «غومورا» مقتبس من كتاب عن المافيا النابوليتانية صدر قبل فترة وبيع منه 4 ملايين نسخة في إيطاليا حتى الآن. أما «ال ديفو» فمأخوذ عن محاضر محاكمات الزعيم السياسي الإيطالي السابق جوليو اندريوتي، الذي حكم ايطاليا – باسم حزب الديموقراطية المسيحية – منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى الثمانينات من القرن العشرين، رئيساً للحكومة سبع مرات، وزيراً عشرين مرة، ونائباً ثم سيناتوراً مدى الحياة. والفيلم يمكن اعتباره في آن معاً، توثيقياً - إنما في شكل روائي ومن طريق ممثلين – عن حياة اندريوتي، ومرافعة تدافع عنه وتعلن في النهاية براءته من كل ما اتهم به في شكل صاخب... ولكن قبل هذا أو ذاك هو عمل عن التداخل المرعب بين المافيا والسلطة الإيطالية، علماً بأن التهم الرئيسة التي وجّهت الى اندريوتي واستدعت محاكمته مرات عدة وابتعاده بالتالي عن السياسة، اضافة الى انهيار حزبه وتفككه، هي على علاقة بارتباطات له، مزعومة او حقيقية، مع المافيا ومع اموال المافيا. ولكن اذا كان «ال ديفو» (على اسم اللقب الذي يطلق على اندريوتي في ايطاليا، وهو مذكر «ديفا» أي النجمة السماوية) يتناول موضوعاً يفترض انه كلاسيكي الأسلوب (السيرة والسياسة)، فإن مخرجه اختار له لغة سينمائية مبتكرة شديدة التشظي والتفتت، تتنقل بين السرد والقطع، بين لحظات التوتر والحوارات الهادئة، ما جعل الفيلم اشبه بـ «فيديو كليب» طويل. ولهذا الأمر حسناته وله سيئاته بالطبع. كثر حين عرض الفيلم رأوا السيئات غالبة على الحسنات ولكن يبدو ان لجنة التحكيم، ومن دون اية حسابات تسووية (كانت لو أخذت في الاعتبار ستمنعها من مكافأة «الديفو» طالما كافأت «غومورا»)، آثرت ان ترى الحسنات، وهي على اية حال كثيرة، فمنح هذا الفيلم الجريء والشديد الابتكار (مع ان فيه لحظات مضجرة حد الهلاك) جائزة لجنة التحكيم الخاصة. وهكذا اذا كانت فرنسا فازت في «كان» بالضربة القاضية، فإن ايطاليا فازت بالنقاط.

الحياة اللندنية في 30 مايو 2008

 
 

فيلم فرنسي يفوز بالسعفة الذهبية في مهرجان "كان"

فيلم "بين الجدران" .. انتصار لفرنسا المتعددة

*هادي يحمد

فوز الفيلم الفرنسي "بين الجدران" بالسعفة الذهبية لمهرجان "كان" السينمائي الدولي في دورته الواحدة والستين، كان بالنسبة لكل المراقبين فوزا لفرنسا متعددة الأعراق والثقافات والتي أصبحت تشكل الشارع الفرنسي.

"إنه فيلم لفرنسا التي تتصالح مع وجهها الجديد" يقول أحد التلاميذ الأربعة والعشرين الذين شاركوا في بطولة الفيلم.

يدور الفيلم في مدرسة إعدادية في الدائرة الثامنة عشرة من باريس وتحديدا في الصف الرابع الإعدادي، يتركب من أربعة وعشرين تلميذا وتلميذة من أصول متعددة عربية وإفريقية وآسيوية يتقاسمون تفاصيل الدروس اليومية مع أستاذهم "فرنسوا" الذي يمثل حلوله بهذه المدرسة أول تجربة له في مدرسة تصنف بأنها "ذات ظروف صعبة" بالنظر إلى الجذور الاجتماعية والاقتصادية الفقيرة التي جاء منها تلاميذها.

الفيلم الذي حاز على إجماع لجنة التحكيم في مهرجان كان قد قدم بعد الموعد المحدد للاشتراك في المسابقة الرسمية للفيلم مباشرة، وهو مستوحى من رواية للكاتب الفرنسي "فرنسوا باقدو" حولها المخرج "لورون كانتي" إلى فيلم اختار له ممثلين من القسم الرابع الإعدادي لم يسبق لهم أن مارسوا التمثيل ولم يشتركوا في أي شريط سينمائي من قبل؛ بل إن المخرج الذي أقنع مدير المدرسة بتنفيذ الفيلم عمد إلى أن يصور الفيلم على طريقة الأشرطة الوثائقية دون أن يكون الفيلم وثائقيا.

فالتلاميذ الذين حفظوا أدوارهم المرسومة لهم في السيناريو يمثلون تلاميذ حقيقيين في المدرسة، فضلا عن كونهم يمثلون عينة لفرنسا المتسامحة متعددة الأعراق والأصول، وهي الرسالة الأساسية للفيلم.

فرنسا المتعددة

أبطال "بين الجدران" هم فرنسيون من أصول عربية كالشاب "رباح"، أو فرنسيون من أصول إفريقية مثل "كارل"، أو فرنسيات أبا عن جد مثل "لويز" و"جوليات"، إضافة إلى الأستاذ "فرنسوا".

 إنهم يحملون أسماء جديدة في المعجم الفرنسي للأسماء إنهم "نسيم" و"شريف" و"دالا دوكوري" و"فاتومانتا" و"الشيخ بابا"، إنهم باختصار وجه فرنسا الجديدة وهم نموذج مصغر للمجتمع الفرنسي متمثلا في إعدادية "فرنسواز دولتو" في الدائرة العشرين من باريس والتي تضم 420 تلميذا وتلميذة.

ومن خلال هذه العينة من التلاميذ نكتشف كل مشاكل وعقد ونقائص ونقاط قوة المجتمع الفرنسي المتعدد، ففي خضم قضية المهاجرين غير الشرعيين والمقيمين بفرنسا بغير أوراق إقامة، نكتشف أن والدة أحد أبطال الفيلم من التلاميذ وهو أبو بكر (16 سنة) وهي "عايشتا" من أصول مالية والتي أتت إلى فرنسا سنة 2003 تعيش إلى اليوم بدون وثائق إقامة.

 نفس الأمر ينطبق على التلميذ الممثل "أقام" (17 سنة) وهو من أصول كونغولية واكتشف فريق التصوير أنه لا يملك إلى اليوم أوراق إقامة فرنسية بالنظر إلى أنه جاء وعمره 11 سنة إلى فرنسا برفقة والديه.

علاقات جديدة

وفي مقاطع متعددة من الفيلم يتابع المخرج العلاقة الجديدة التي تربط هؤلاء الفرنسيين الجدد من أبناء المهاجرين بلغة وطنهم الجديدة والتي لم تكن أبدا لغة آبائهم وأجدادهم، ويظهر المخرج كيف أن هذا العالم اللغوي الجديد لعالم أبناء المهاجرين أفرز حتى في الثقافة اللغوية الفرنسية عبارات جديدة وطرقا في الحديث تختلف عن اللغة السائدة في الشارع الفرنسي.

 فهؤلاء التلاميذ والذي يعيش معظمهم في ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة، والذين يشعرون بتهميش المؤسسات السياسية الفرنسية لهم يستعملون في أحيان كثيرة لغة عنيفة للتعبير عن غضبهم، وهو الأمر الذي برز أيضا في أحياء الضواحي الفرنسية التي تستعمل لغة أغاني الراب العنيفة للتعبير عن إحساسهم بالضيم والتمييز الموجه ضدهم من قبل مجتمعهم.

التصالح مع الحاضر

لم يكن دور التلاميذ الممثلين الأربعة والعشرين ليبرز بمثل هذه الكيفية في هذا الفيلم لولا مدرسهم "فرنسوا" الذي هو نفسه "فرنسوا باقدو" صاحب الرواية التي استوحي منها الفيلم، واختيار اسم فرنسوا ربما لم يكن اعتباطا؛ فالمدرس فرنسوا هو بمثابة "فرنسا الجديدة التي تعلم أبناءها" وهو دعوة ضمنية من المخرج إلى الدور المفترض لفرنسا أمام جميع مواطنيها مهما اختلفت جذورهم.

 وهي رسالة تدعو إلى أن تربطهم بها علاقات حميمة، الأمر الذي جعل فرنسوا المدرس في أحد مقاطع الفيلم على سبيل المثال يقدم اعتذاره لإحدى التلميذات من أصول مهاجرة بعد أن استعمل معها ألفاظا غير مناسبة، أي أنه من جهة معينة صورة لفرنسا التي تتصالح مع حاضرها وماضيها، وهو رسالة ضمنية ربما للسياسيين الذين يرفضون الاعتذار عن الماضي الاستعماري الفرنسي في الجزائر أو العلاقة بالعبودية التي مورست في المستعمرات في إفريقيا السوداء.

السعفة ..أخيرا 

يستغرق فيلم "بين الجدران" الذي ينتظر أن يبدأ عرضه في قاعات السينما في شهر أكتوبر القادم 128 دقيقة، وهو أول فيلم فرنسي يحصل على السعفة الذهبية لمهرجان كان منذ سنة 1987؛ حيث كان فيلم "تحت شمس الشيطان" آخر فيلم فرنسي يحصل على هذه الجائزة.

و جاء الفيلم ليعبر عن التحولات التي شهدها المجتمع الفرنسي في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد انتفاضة الضواحي التي شهدتها فرنسا سنة 2005، والتي كان الفرنسيون من أصول مهاجرة وقودها الأساسي، كما أن الفيلم جاء بحسب مخرجه ليتصالح مع الوجه الجديد لفرنسا، وهو ليس بالضرورة وجه العنف وإحراق السيارات في الضواحي فحسب، بل إنه وجه "زين الدين زيدان" الذي أهدى فرنسا أول كأس عالمية في كرة القدم سنة 1998.

وهو وجه الممثل الكوميدي الشهير "جمال دبوز"، وهو وجه أول وزيرة فرنسية من أصول مهاجرة تشغل منصبا مهما ممثلا في وزيرة العدل "رشيدة داتي" التي عينها الرئيس نيكولا ساركوزي سنة 2007 عقب وصوله إلى سدة الرئاسة.

*مراسل شبكة "إسلام اون لاين" في فرنسا.

إسلام أنلاين في 31 مايو 2008

 
 

عذر أقبح من ذنب في تبرير عدم فوز «الاستبدال»

بقلم  سمير فريد 

من تقاليد مهرجان «كان» العريقة، التي ينفرد بها بين كل المهرجانات، إقامة مؤتمر صحفي لرئيس وأعضاء لجنة التحكيم قبل بدء عروض المسابقة، وبعد إعلان قرارات اللجنة في منح الجوائز، وهو تقليد رائع، ولا علاقة له بالطبع بإفشاء أسرار مداولات اللجنة، فأسرارها هي فقط من كان مع هذه الجائزة، ومن كان ضدها، وفيما عدا ذلك لا توجد أسرار في الحديث عن معايير التقييم، بل قد كان من بين مطالب «الثوار» في دورة المهرجان عام ١٩٦٨ التي لم تتم أن تكون مناقشات لجان التحكيم علنية، ولكن لم تأخذ بهذه القاعدة إلا لجان الاتحاد الدولي للصحافة السينمائية (فيبريس).

وعندما توليت إدارة مهرجان القاهرة لأفلام الأطفال عام ١٩٩٨ (لدورة واحدة) اتبعت ذلك التقليد مع لجنة التحكيم، لكنها كانت المرة الأولي والأخيرة في مهرجاناتنا العربية، وبعد إعلان جوائز كان ٢٠٠٨ الأحد الماضي قال شون بين رئيس اللجنة في المؤتمر الصحفي في تبرير عدم فوز الفيلم الأمريكي «الاستبدال» إخراج كلينت إيستوود، وهو أحسن أفلام المهرجان في رأيي وتحفة من تحف الفن السينمائي، إن الفيلم رائع، لكن السينما الأمريكية قوية بما يكفي، وأمام الفيلم فرص أخري للحصول علي جوائز، وهذا عذر أقبح من ذنب لأن الفيلم طالما في المسابقة يجب أن يتم تقييمه كفيلم بمعزل عن أي مؤثرات خارجية، مثل انتمائه إلي سينما كبيرة، أو تكاليفه أو إيراداته إذا كان قد عرض تجارياً، بل إن تاريخ مخرجه أيضاً من المؤثرات الخارجية.

ويذكرني هذا الموقف بما يحدث للأفلام المصرية في المسابقات العربية والإقليمية، فإذا جاءت جيدة يري أغلب أعضاء لجان التحكيم أن هذا طبيعي من سينما كبيرة، ولا تحتاج إلي جوائز، ولهذا دعوت منذ أكثر من عشرين سنة عام ١٩٨٦ إلي عرض الأفلام المصرية خارج المسابقة في تلك المهرجانات، وذلك عندما عرض من مصر في مسابقة مهرجان قرطاج للأفلام العربية والأفريقية «الجوع» إخراج علي بدرخان، و«الطوق والأسورة» إخراج خيري بشارة، و«البريء» إخراج عاطف الطيب، ولم يفز أي منها، ومازلت عند رأيي حباً في السينما أولاً وأخيراً.

ولا أنسي أبداً ما حدث في مهرجان فينسيا عام ٢٠٠٣ عندما كنت عضواً في لجنة التحكيم، ودافعت عن الفيلم الأمريكي «ضائع في الترجمة» إخراج صوفيا كوبولا حتي فاز بجائزة أحسن ممثلة (سكارليت جوهانسون)، وفي مطعم الفندق كانت تتناول الطعام مع المخرجة في المائدة المجاورة، وكانتا تتحدثان بصوت مرتفع جعلني أسمع حوارهما، وكيف قررتا السفر قبل حفل الختام يأساً من الحصول علي جائزة، وقالت صوفيا كوبولا إننا ندفع ثمن غزو جورج بوش العراق، وكان المهرجان بعد شهور من الغزو، وبالطبع لم أخبرهما بالجائزة التي أعلنت في اليوم التالي، ولم يتسلمها أحد علي مسرح الختام.

samirmfarid@hotmail.com

المصري اليوم في 31 مايو 2008

 
 

من توابع مهرجان «كان»:

حتي لا يضيع القارئ ومتفرج التليفزيون

بقلم  سمير فريد

من أغرب ما قرأت أن هناك رسائل تليفزيونية من أو عن مهرجان «كان» أذيعت علي قنوات مصرية مع تعليق ناقد لم يحضر المهرجان!! فهذا ممكن في التعليق علي مباراة رياضية يشاهدها الناقد مع الجمهور، ولكنه أمر غير مسبوق وغير ملحوق وأقرب إلي الجنون في التعليق علي فيلم لم يشاهده الناقد!

ولا يختلف الأمر في الصحافة المكتوبة، فقد قرأت مقالاً لناقد كبير لم يحضر المهرجان، ومع ذلك يكتب رأيه عن الأفلام العربية في المهرجان، وكأنه شاهدها. صحيح أنه لم يدع أن مقالته «رسالة» من المهرجان، ولكن كيف للقارئ أن يعرف أنه يكتب من وحي خياله واستنتاجاته، وليس بعد مشاهدة الأفلام.

وهناك تقارير ومقالات أخري متعددة نشرت عن مهرجان «كان» دون توقيع، أو مع عبارة إعداد فلان أو فلانة، وبالطبع كل المعلومات عن المهرجان متاحة في موقعه علي النت، وكل مقالات النقاد العرب والأجانب عن الأفلام متاحة بدورها، ولذلك فإن أبسط قواعد االنزاهة واحترام القارئ أن يقدم الصحفي المعلومات وينسبها إلي موقع المهرجان، أو أي مصدر أيا كان، وأن ينشر الآراء عن الأفلام، وينسبها إلي أصحابها أيضاً، وهذه كلها بدهيات ما كنت أظن أنني في حاجة إلي ذكرها للزملاء الذين قاموا بنشر تلك التقارير. لقد أصبح العالم صغيراً بفضل التكنولوجيا، وكل شيء يترجم فور نشره، ولا يليق أن تكون هذه صورة الصحافة المصرية أمام المركز الصحفي لمهرجان «كان».

وهناك أشياء لا تثير سوي الضحك الذي هو كالبكاء مثل أن ينشر أن فيلماً مصرياً عرض في سوق المهرجان «للكبار فقط» بينما عروض السوق أصلاً ليست للأطفال حتي لو كانت موجهة لهم، ولم يحدث في ٦٠ سنة من تاريخ المهرجان، ولا في الدورة الـ ٦١ هذا العام أن عرض أي فيلم «للكبار فقط»، بل علمت أن مخرجاً عرض فيلمه في السوق قال: إن السبب في عدم نشر أي مقال نقدي عن الفيلم في أي من نشرات المهرجان التي تتابع ما يعرض فيه وفي السوق أن النقاد لا يريدون «حرق» مفاجآت الفيلم علي الجمهور قبل أن يشاهده!! وكأنهم قرروا حرق كل الأفلام ما عدا ذلك الفيلم!

والخبر الذي جعلني أشعر بالتقصير في تغطية مهرجان «كان» هذا العام هو ما نشر في «أخبار الأدب»، عدد الأحد الماضي، عن تكريم المهندس نجيب ساويرس لدعمه السينما والموسيقي والفنون عموماً، وعالم الآثار الدكتور زاهي حواس، في حفل أقيم يوم الأربعاء ٢١ مايو بواسطة إحدي أشهر الفرق الموسيقية، فالفضل يعود إلي نجيب ساويرس في الانقلاب الهائل الذي حدث في السينما منذ عشر سنوات عندما قام بإنشاء مائة شاشة جديدة في مصر، ولكني لم أعلم بهذا التكريم إلا من «أخبار الأدب».

samirmfarid@hotmail.com

المصري اليوم في 1 يونيو 2008

 
 

الفيلم الفائز بـ«سعفة كان الذهبية»

«بين الجدران».. فرنسا على مقاعد الدراسة

زياد عبد الله -دبي  

يبدو تصغير العالم الخارجي واختزاله في صف دراسي هو المنحى الأكثر تكثيفاً لذلك العالم، وليقال على الفور إن غرفة صغيرة لها أن تختزل العالم، أو أن تكون الأحداث «بين الجدران» عنوان الفيلم الفرنسي الفائز بـ«سعفة كان الذهبية» في الدورة الـ61، حيث الأحداث والشخصيات تتحرك ضمن نطاق لا يتجاوز الجدران الأربعة أو «الصف» العنوان الانجليزي للفيلم.

مقدمة سريعة لما يمكن أن يكون المحور الذي يدور حوله فيلم «بين الجدران» الذي أخرجه لوران كانتيه، واخترق من خلاله الجدران المضروبة حول السينما الفرنسية التي لم تحظ بشرف تلك «السعفة» منذ أكثر من 20 عاماً، وليكون أيضاً انتصاراً لهم يتمثل في التعايش المشترك بين أفراد ذاك المجتمع المتعدد الأعراق والجنسيات والثقافات، إذ يكفي أن يوضع أولئك المختلفين والمتعايشين بين أربعة جدران ليبدو الأمر جلياً، وتحت مراقبة مدرس فرنسي «أصلي»، ليضبط هذا الحوار، أو أن يكون الشاهد الأمثل على هذا التجاور والتناحر ونقاط الاختلاف والالتقاء.

تلك هي بيئة الفيلم الذي كلل بـ«السعفة الذهبية»، والذي عرض في آخر يومين من هذه الدورة من مهرجان كان، بحيث لم يتخذ أية مساحة للجدل، ولم تطاله أية توقعات، وعليه كانت المفاجأة، التي يمكن القول إن وقعها يبقى حاضراً إن كان الرهان السينمائي منحازاً للسينمائي بعناصره المتعددة، والبحث جار عن ما يتخطى الجدران إلى فضاء سينمائي، ولعل كثيرين لم يكونوا قد شاهدوا فيلم «أربعة جدران» قبل إعلان النتائج، وليسعفهم إعادة عرضه في التاسعة والربع من توقيت «كان»، أي بعد إعلان النتائج بأقل من ساعة.

المدة الافتراضية التي يقدمها الفيلم هي عام دراسي كامل، ونحن أمام مُعلم وطلابه الـ25 الذين يكونون عرباً وأفارقة وآسيويين وما إلى هنالك من أطياف المجتمع المهاجر في فرنسا. كل ما يجري أمامنا في الصف يمضي نحو حوارات غير متناهية، تضيء بسطوع فرنسيين ليسوا بفرنسيين، فهم جميعاً لديهم مشكلات متعددة ومتنوعة، نجد خلفيتها خارج الصف، وتنعكس في أحاديثهم، في ما يحبون أو يكرهون، علاقتهم باللغة الفرنسية نفسها، بالانتماء واللاانتماء، فهذا ينتصر لفريق المغرب على مالي، والفتاة الجزائرية التي لا تعرف إن كان في فرنسا من يأبه لها هي الحالمة بأن تصير شرطية، وصولاً إلى «البورتريه الشخصي» لكل طالب على حدة، أحلامهم الصغيرة، مطامحهم، وغير ذلك من ما يسألهم المعلم كتابته عن أنفسهم، وفي محاولات تبدو مستميتة من طرفه في جعلهم مندمجين بما يقدمه لهم، محاولاً بشغف وعناد الحفاظ على مساحة الحرية الكبيرة التي يضعها أمامهم.

هذا الأمر يمتد إلى الأهل، ومقابلات المعلم لبعض أهالي الطلبة، الذين تتعدد اختلافاتهم، فالأبُ التونسي يرغب من ابنه أن يحقق نجاحات خارقة في تعليمه لأن الظروف التي يعيشها لا مجال لمقارنتها بما عاشه الأب، بينما أم سليمان الفتى المالي لا تعرف الفرنسية، وكل ما يرسله المعلم من رسائل وملاحظات إلى الأهل لا تلقى العناية، ومع هذا التلميذ، أي سليمان، تصل الذروة الدرامية للفيلم، على اعتباره يجسد من خلال سلوكه ذروة المعارضة التي يصطدم بها المعلم وأسلوبه التعليمي، الأمر الذي يدفع بالمعلم إلى اتخاذ إجراء تأديبي، يليه وبعد تصاعد تلك المعارضة إلى ما يشبه العنف إلى نقله من المدرسة.

طبعاً ما تقدم يأتي مركباً، بمعنى أن ما يقدم عليه سليمان يقاربه الفيلم من زوايا مختلفة، أولاً وضع التلميذ نفسه، وما يقوله التلاميذ للمعلم من أن والده سيعيده إلى مالي إن عرف بما أقدم عليه، إضافة للصراع الذي يعيشه المعلم نفسه، وصولاً إلى لامبالاة لها أن يكون عليها التلاميذ الآخرون، لكن ينتهي ذلك بخاتمة واضحة وصريحة، فلامكان لسليمان في الصف، والشيء الوحيد الممكن حياله، وإن كان المعلم يدرك عدم جدواه، هو في نقله إلى مدرسة أخرى.

ينتهي الفيلم بمشهد التلاميذ يلعبون كرة القدم مع المعلمين، وهذا في نهاية العام الدراسي، كل شيء بقي على ما هو عليه، نعيش معاً لكن.. هذه الـ«لكن» هي كل ما أحكم الفيلم قبضته حولها ليقدم لنا وثيقة اجتماعية فقط لا غير، مستعيناً بالحوار أولاً وأخيراً، برشاقته ومقولاته وسياقاته المضبوطة بعناية، مضافاً إلى ذلك التمثيل المحكم والإدارة المحكمة لأداء التلاميذ، ولنا بالمعلم فرنسوا (فرنسوا بغودو) مثال ساطع، الذي أُخذ الفيلم عن كتاب من تأليفه.

الإمارات اليوم في 1 يونيو 2008

 
 

فوز فرنسا بجائزة السعفة الذهبية يثير الشكوك في حيادية لجنة تحكيم مهرجان كان

.. انتهت مساء الاحد 5 مايو أحداث الدورة الحادية والستين مهرجان كان السينمائي الدولي ،بإعلان النتائج التي أحدثت حالة من الجدل مازالت مستمرة حتي الآن وأعتقد أنها لن تنتهي حتي يتسني للاطراف المعنية أن تعلن عن حقيقة ماحدث ! إختفاء إستوودنوكان المخرج والممثل الكبير كلينت إستوود،قد إختفي تماما ولم يظهر في حفل الختام رغم أن كل المؤشرات المنطقية كانت تؤكد فوزه أو فوز فيلمه الإستبدال بجائزة السعفة الذهبية ،أو الجائزة الكبري ،أو جائزة الإخراج ولكن كل توقعات النقاد الذين تحمسوا للفيلم ذهبت أدراج الرياح ،ونال السعفة الذهبية الفيلم الفرنسي الفصل أو بين الجدران الذي لم يكن في الحسبان وكان يصعب أو يستحيل أن يفكر أحد من الحضور أن هذا الفيلم يمكن أن ينال هذا المجد.. ليس لسوء مستواه فهو فيلم جيد ،ولكن لأن المسابقة الرسمية كانت تضم أفلاما أفضل منه كثيرا !وهذا ما يدفعنا للتساؤل ،هل كان كلينت إستوود علي يقين من أنه لن يحصل علي أية جوائز ولذا لم يحضر حفل الختام ؟ والذي يرجح ان الإجابة نعم! هو اختفاء النجمة الامريكية أنجيلينا جولي من حفل الختام ايضا وهي التي كان اسمها بين ثلاث ممثلات يتوقع لهن الحصول علي جائزة أفضل ممثلة! اعتاد الكبار علي تجاوز حالات الغبن ،التي قد يتعرضون لها عند منح الجوائز في أي تسابق فني ،وكلينت إستوود نفسه ،سبق له المشاركة في مسابقة كان خمس دورات سابقة ،دون أن يحصل علي جوائز ،ولكن هذه المرة ومع فيلم الاستبدال الذي اجمع النقاد علي أنه إحدي تحف الدورة الحادية والستين للمهرجان ،فإن الامر يحتاج الي تفسير لن يتبرع به للأسف أي من أعضاء لجنة التحكيم !غير أن المخرج الايطالي سيرجيو كاستيليتو وهو أحد أعضاء لجنة التحكيم البارزين ،أعرب عن سعادته الشديدة بفوز فيلمين من ايطاليا الجائزة الكبري فيلم جومورا إخراج ماثيو جارون وموضوع الفيلم عن إحدي عائلات الجريمة المنظمة في ايطاليا وجائزة لجنة التحكيم الخاصة لفيلم النجم للمخرج باولو رانتينو وموضوعه ايضا عن علاقة أحد كبار السياسيين في إيطاليا بعائلات المافيا ،ولم يكن أي من الفيلمين يتمتع بمستوي فني مبهر حتي ينالا هذا الشرف المزدوج ،ويبدو أن المخرج سيرجيو كاستيليتو كان له كبير الأثر علي قرار لجنة التحكيم !كما يبدو أيضا أن المخرج الفرنسي راشيد بوشارب كان له دور في ترشيح فيلم الفصل للسعفة الذهبية ،ولكن هل معني ذلك أن شون بين رئيس لجنة التحكيم لم يلعب دورا في هذه الاختيارات ! بالطبع كان هو المحرك الاساسي الذي اعلن ولايزال يعلن في كل مناسبة عن كراهيته للسينما الهوليوودية ،انحيازه للسينما الاوروبية وسينما أمريكا اللاتينية!ولكن هل هذا يعني أن الجوائز كانت تحمل مجاملات لمن حصلوا عليها ؟ بالطبع لا ولكنها جاءت متوافقه مع قناعة اللجنة واتجاهاتها الفكرية والسياسية .ورغم ذلك فإن جائزة أفضل مخرج التي حصل عليها التركي نوري بيلجي جيلان عن فيلم ثلاثة قرود ،كانت داخل دائرة المنطق ،وكذلك حصول الأخوين داردين علي جائزة سيناريو عن فيلم صمت لورنا ،وجائزة افضل ممثل التي حصل عليها الممثل البورتريكي بينشيو ديل تورو عن تجسيده لشخصية تشي جيفارا !طفل وثلاثة قرودهذا عن جوائز المهرجان ،فماذا عن الافلام المتسابقة ؟الاستبدال فيلم تجري أحداثه في العشرينيات من القرن العشرين ،وهو مأخوذ عن قصة حقيقية تدور في لوس أنجلوس ،حيث يقوم سفاح بقتل مجموعة من الاطفال بأكثر الطرق وحشية ،وفي هذه الاثناء تفقد سيدة شابة طفلها أنجيلينا جولي وتبذل الشرطة جهودا مضنية لإعادة الطفل لأمه ،ولكن بعد فترة من الزمن تقدم الشرطة الطفل للأم الحزينة ،ولكنها بمجرد أن تقع عينيها عليه تدرك أنه ليس طفلها!

وتدخل الاحداث في دوامة من الصراعات العنيفة ولاتتوقف الام عن اتهام الشرطة بالتقصير في العثور علي الطفل وداخلها يقين أنه لايزال علي قيد الحياة وأن يد القاتل لم تمتد إليه بسوء !فيلم ثلاثة قرود للمخرج التركي نوري بيلج جيلان إحتل مكانة متقدمة بين الافلام المرشحة لجوائز المهرجان ،وعنوان الفيلم يعكس حكمة القرود الشهيرةلا أسمع ،لا أري ،لا أتكلم التي تنطبق علي أفراد عائلة تركية مكونة من الاب الذي يعمل سائقا لدي رجل أعمال ثري ،وابنه الشاب إسماعيل وزوجته هاجر ،يقتل رجل الاعمال شخصا عن طريق الخطأ عندما كان يقود سيارته ،ويطلب من سائقه ،أن يقدم ابنه الشاب اسماعيل بصفته من ارتكب الحادث ،ولكن الاب يضحي بنفسه ويقبل أن يقضي سنوات في السجن بدلا من سيده الثري ،الذي يقوم بإغواء زوجة سائقة أثناء غيابه في السجن ،فيقوم الابن إسماعيل بقتله ،ودون اتفاق مسبق يقرر الثلاثة الاب والزوجة والابن عدم الحديث مطلقا في كل ما تعرضوا له من مصائب وكأنها لم تحدث ،فهل سيستطيع الانسان أن يتجاهل ما مر بحياته من تجارب مريرة بمجرد تجاهلها ؟؟ أشاد النقاد بالمستوي الفني الرائع للفيلم الذي وصل في لغته السينمائية إلي لغة تقترب من الشعر !أما الفيلم البلجيكي صمت لورنا للأخوين جان ولوك دارين ،فهو يستعرض حياة فتاة ألبانية تقع في قبضة عصابة تقوم بتزويج الفتيات من رجال يريدون الحصول علي الجنسية البلجيكية نظير مبلغ من المال ،وتقع الفتاة لورنا التي سبق لها الحصول علي الجنسية بطريق الجواز ، في حب شاب مدمن مخدرات ، يحول حياتها لجحيم ، ومع ذلك لا تتخلي عنه حتي يلقي حتفه ،سبق للأخوين دارين الحصول علي السعفة الذهبية مرتين الاولي عن فيلم روزيتا عام 1999 ،والثانية عن فيلم الابن عام 00.وهما يمتازان بأسلوب سينمائي خاص جدا يمزج بين التناول التسجيلي والروائيأمريكا اللاتينيةواضح من متابعة أفلام المهرجان أن سينما أمريكا اللاتينية أصبحت تحتل مكانة واضحة في برامجها وضمن الافلام التي عرضت داخل برنامج التسابق الفيلم الأرجنتيني عرين الأسد للمخرج بابلو ترابيلو ،وعرين الاسد المقصود به حضن الام ،والام في الفيلم حالة خاصة جدا ،فهي نزيلة أحد السجون ،تقضي فترة عقوبة بعد أن استيقظت يوما من نومها واكتشفت وجود جثتين في شقتها دون أن تتمكن من تذكر تفاصيل ماحدث ،وعلي كل الاحوال فإن هذا الحادث أدي بها الي دخول السجن وهي حامل ،حيث تضع مولودها وتقوم برعايته ،حتي تحاول إدارة السجن حسب اللوائح أن تنتزعه منها ،ولكنها تكون قد تعلقت به حتي أصبح أملها الوحيد في الحياة ،وتدافع عنه بكل ما أوتيت من قوة وعنف. بطلة الفيلم مارتينا جوسمان كانت ضمن المرشحات لجائزة التمثيل . ويعتبر المخرج المجري كورنيل موندروزو أحد اكتشافات مهرجان كان 008،وهو يقدم فيلمه دلتا الدانوب لينافس به كبار المخرجين المخضرمين ،والفيلم دراما إنسانية عن علاقات متشابكة وصراعات داخلية لأربعة أشخاص يعيشون بعيدا عن المدينة في منطقة غابات ،أخذوا منها شراستها ،وغموضها ،يعود الابن بعد سنوات من الغياب ،فيجد أن أمه قد اتخذت عشيقا وأن العشيق علي علاقة بشقيقته ! ورغم أن الشاب يسعي لتحقيق نوع من التواصل مع من حوله إلا أنه يتعرض للقتل ممن حاول أن يمد لهم يد الود والأمان !ويمتاز الفيلم بلغة سينمائية راقية ،واستعراض لخفايا المشاعر الانسانية التي تحركها الرغبات المدمرة .تشي- جيفارافيلم تشي جيفارا ،للمخرج الامريكي ستيفن سوديلبرج ، من بطولة النجم اللاتيني بينيشيو ديل تورو والامريكية جوليا أرماند ،وتدور أحداث الفيلم في أربعة ساعات ونصف ،ويستعرض حياة الثائر الارجنتيني أرنيستو تشي جيفارا ،الذي ساهم في حرب عصابات مع صديقه الكوبي فيدل كاسترو لإسقاط نظام الديكتاتور باتيستا ،وحصول كوبا علي الاستقلال ،ثم وهب حياته للكفاح مع الثوار في كل انحاء امريكا اللاتينية ،وتعقبته المخابرات الامريكية حتي تمكنت من اصطياده في غابات بوليفيا ثم قتله بصورة غير انسانية والتنكيل بجثته علي ايدي بعض الجنود البوليفيين !ثم دفنه في مكان غير معلوم حتي لا يصبح قبره مزارا لعشاق هذا الثائر الذي غير في مصائر شعوب امريكا اللاتينية في الستينيات من القرن العشرين وقد أثني الجميع علي اداء البطل رغم أن مستوي الفيلم لم يكن يليق بحياة الثائر الشعبي جيفارا!

جريدة القاهرة في 3 يونيو 2008

 
 

حصاد العرب في كان 2008

رسالة كان : سمير فريد

شهد سوق المهرجان عرض ثلاثة افلام مصرية "ليلة البيبي دول" اخراج عادل اديب و"الجزيرة" اخراج شريف عرفة و"الغابة" اخراج احمد عاطف ولم يكن هناك جناح للسينما المصرية مع الاسف رغم ان دعاية الفيلم الاول كانت كبيرة ولافتة لكل الانظار وكان من السهل ان تشمل جناحا في القرية الدولية بالسوق بعد أن توقفت وزارة الثقافة عن اقامته لاسباب غامضة!

كان للسينما الفلسطينية الحضور الاهم في كان 2008 حيث عرض الفيلم الاول للمخرجة آن ماري جاسر "ملح هذا البحر" في برنامج "نظرة خاصة" وكان هاني أبو اسعد "مخرج الجنة الآن" ضيف شرف اسبوع انعقاد ال 47 للاشتراك في ندوة عن السينما والسياسة ويعتبره اسبوع النقاد عن حق من اكتشافاته لانه عرض فيلمه الطويل الاول "زواج رنا" عام .2002

الإمارات

للعام الخامس علي التوالي كان لمهرجان دبي جناح في القرية الدولية حيث أعلن عن الدورة الخامسة من 11 إلي 18 ديسمبر وعن اضافة الافلام الآسيوية والافريقية الي مسابقة الافلام العربية.

وللمرة الاولي كان لمهرجان الشرق الاوسط الذي يعقد دورته الثانية في أبوظبي من 10 إلي 19 اكتوبر جناح في القرية عقد فيه مؤتمر صحفي لرئيسه محمد خلف المزروعي ومديرته نشوي الرويني أعلن فيه ان جوائز المهرجان اصبحت مليون دولار امريكي وهي الاكبر بين جوائز كل مهرجانات العالم وان البرنامج التاريخي هذا العام موضوعه فلسطيني ويعرض افلاما لمخرجين من غير العرب أو الإسرائيليين.

الأردن
لأول مرة كان هناك جناح في القرية الدولية بسوق الفيلم يمثل الأردن وذلك عبر الهيئة الاردنية الملكية للسينما والتي اعلنت عن اتفاقها مع بارامونت لتصوير الجزء الثاني من "المتحولون" في الأردن ومع فوكس لتصوير "الغرفة الاولي" وكان الأردن قد شهد العام الماضي تصوير "معركة حديثة" و"صور مطموسة"..

وأعلنت الهيئة الأردنية عن اقامة أول مهرجان سينمائي في عمان العام القادم والبدء في إنشاء ستوديو في العقبة بالقرب من فرع جامعة جنوب كاليفورنيا الذي يفتتح خريف هذا العام وفي السوق عرض اول فيلم انتج بدعم الهيئة "كابتن ابو رائد اخراج امين مطالقه".

لبنان

وفي جناح لبنان اعلن عن اقامة مهرجان بيروت السينمائي الدولي العام القادم وشهد السوق جناحاً آخر لمؤسسة لبنانية جديدة وهي "ميد سكرين" الممولة من الاتحاد الاوروبي للترويج للافلام العربية في الدول الثانية التي تدخل في نطاق برنامج "ايروميد.. اي" البحر الابيض وأوروبا وهي الجزائر وتونس والمغرب ومصر وسوريا ولبنان وفلسطين.

وعرضت "ميد سكرين" في السوق عشرة افلام عربية ومنها الفيلم المصري "عين شمس" اخراج ابراهيم البطوط بحضور منتجه شريف مندور.

ليبيا

لم يكن هناك جناح ليبي ولكن اعلن في السوق ان عمر الشريف سوف يمثل دور عمر المختار في فيلم "ظلم" من تأليف الرئيس الليبي معمر القذافي واخراج نجدت انزور والذي يتناول حقبة الاحتلال الايطالي والذي يتم انتاجه في ايطاليا بميزانية 50 مليون دولار أمريكي.

صرح عمر الشريف بأن الرئيس الليبي اتصل به ليمثل الدور وانه ابدي له سعادته بتمثيل دور قائد المقاومة الليبية.

المغرب

وفي جناح المغرب اعلن عن اقامة مهرجان مراكش الثامن من 14 إلي 22 نوفمبر والذي يزدوج مع مهرجان القاهرة ال 32 من 18 إلي 28 نوفمبر كما اعلن عن احتفال المغرب هذا العام باليوبيل الذهبي للسينما المغربية "1958 - 2008".

تونس

وفي جناح تونس اعلن عن اقامة مهرجان قرطاج للسينما العربية والافريقية من 25 أكتوبر إلي أول نوفمبر وهو يوم افتتاح مهرجان دمشق ال .16

العراق والسودان

وفي جناح الجنوب الذي تقيمه وزارة الثقافة في فرنسا تمت دعوة 22 مخرجة من الجنوب واقيمت ندوة عن المرأة والسينما عقدت ثلاث جلسات الأولي ادارها الناقد الفرنسي الكبير سيرج توبيان واشتركت فيها مفيدة التلاتلي من تونس ونادين لبكي من لبنان والثانية اشتركت فيها عواطف نعيم من العراق وتغريد الصنافوري من السودان وماريان خوري من مصر وخصصت الجلسة الثالثة لمخرجات من أفريقيا السوداء.

الصومال

علي مدار العام يختار مهرجان كان من خلال مؤسسة سينما فاوندا شين 15 سيناريو ويدعوا اصحابها لاجتماعات مع شركات الانتاج اثناء المهرجان..ومن بين ال 15 سيناريو التي اختيرت عام 2008 سيناريو المخرج الصومالي عبدي اسماعيل جمعة والذي يحمل الجنسية الهولندية وميزانية فيلمه 900 ألف دولار أمريكي وكان العربي الوحيد في القائمة أو المخرج الوحيد من اصول عربية..وقد اعلن جمعة ان فيلمه عن الحب والبقاء سوف يصور في الصومال ليكون أول فيلم روائي طويل ينتج في هذا البلد العربي.

الجمهورية المصرية في 4 يونيو 2008

 
 

فاز بجائزة أفضل إخراج في «كان»

«ثلاثة قرود» واللحظة الحالكة رابعها

زياد عبدالله - دبي

يستدعي فيلم المخرج التركي نوري جيلان «ثلاثة قرود»، الفائز بجائزة أفضل إخراج في الدورة الـ61 من «مهرجان كان السينمائي»، الإلمام جيداً بكل تفاصيله، ومتابعته بحذر مترافق مع شغفٍ له أن يصيب المشاهد منذ اللقطة الأولى، بحيث يتحوّل ذاك الحذر إلى هوس بالانغماس تماماً في جماليات الفيلم الخاصة، طالما أن بإمكان عناية جيلان بالمشهدية العالية للفيلم أن تكون بوابة للعبور إلى أعماق الشخصيات التي يقدمها، وردود أفعالها التي تمليها عليها المواقف التي تصادفها ولعنات القدر التي تلاحقها.

فيلم «ثلاثة قرود» يدخل مباشرة في قصته، ففي مشهد ليلي، نرى سيارة تعبر طريقاً معتمة ومقفرة، بينما سائقها يغالب نعاسه، تمر السيارة وتمضي في طريقها وحيدة، ونحن نرى أضواءها تنحسر كلما تقدمت، إلى أن تمسي الشاشة معتمة تماما مع خروج السيارة من الكادر، ثم، وفجأة، لقطة نرى فيها السيارة نفسها متوقفة على طرف الطريق، وأحدهم ملقى على الطريق، ما يدل طبعاً أن السائق قد دهس أحدهم، ومع مرور سيارة أخرى، يكون السائق في ورطة كبيرة.

هذا السائق يتصل على الفور بأحدهم، بضع عبارات وتتوالى فصول الحكاية، حيث يكون السائق سياسياً في طريقه لخوض انتخابات برلمانية، بينما ذاك الرجل الذي يقابله، أحد موظفيه، فيسأله أن يأخذ عنه القضية، ويعترف للشرطة بأنه من كان يقود السيارة، مقابل مبلغ من المال، وضمان استمرار راتبه.

تلك هي النقطة الدرامية التي تبدأ منها أحداث الفيلم، والتي تمضي بنا إلى زوجة ذاك الرجل وابنه الوحيد، ومن ثم نشوء علاقة بين الزوجة وذاك السياسي، ومن ثم خروج زوجها من السجن، والشكوك التي تراوده، والتي لا تكون لها علاقة باكتشاف الابن لعلاقة أمه وخيانتها والده، إلى أن نصل إلى جريمة مقتل السياسي على يد الابن.

ما تقدم هو الإطار العام للقصة، التي لها ألا تكون بشيء ذي بال مقابل الكيفية التي قدمها بها جيلان، حيث كل الأحداث تقع بتأنٍّ مشغول تماماً بالمعطيات التي تمليها على أعماق كل شخصية، وطريقة التورط في الحدث والمضي معه إلى آخره، مثل أن نشاهد الأم تقع في حب السياسي بجنون يجعلها حتى وبعد خروج زوجها من السجن ترجوه بتقبيل قدميه أن تبقى علاقتهما قائمة، ثم المشاعر التي تحتل زوجها المخدوع وهو يتفقد جسدها ويجده بعيداً عنه، والابن الضائع بين سجن والده الذي يزوره أسبوعياً، واكتشافه خيانة أمه، والمصادفة التي تتيح له هكذا اكتشاف، ثم ذاك الطفل الصغير الذي يطفو أمامه لدى ساعات الشدة، إذ نجده مبللاً بالماء، الماء نفسه يتدفق بعد ذلك من الطفل ويدخل جسده. هذا الطفل ذاته الذي يتجسد خلف الأب، وتأتي ذراعه الصغيرة ملتفة على عنقه، في لحظة يأس سوداء تداهم الأب تجعله مبللاً بدموعه ومياه ابنه الذي لنا أن نسنتنتج أن قضى غرقاً، لاسيما أن البحر لا يفارق بيت تلك العائلة المطل عليه.يمكن المضي خلف الكثير من تلك المقاربات الجمالية، مثل الذروة الدرامية المتمثلة باتضاح كل شيء أمام الجميع، الأم، والأب، والابن، بعد ارتكاب الابن جريمة قتل العشيق السياسي، حيث محاولات الأم الانتحار، ونزاعات الزوج بين منع نفسه من إبداء مشاعره، ورغبته العميقة في ألا تفعل.

فيلم جيلان هو فيلم الموقف بمعناه الدرامي بامتياز، تثبيت ذاك الموقف والبناء على الحيرة التي يعيشها الإنسان في الشدة النفسية، وإنه أيضاً فيلم الخسارة، ليس لموقع التصوير، والقطار الذي يمر أمام بيت تلك العائلة، والمشهد المفتوح على البحر إلا أن يكون على تناغم من نبش اللحظات الحالكة التي يلاحقها الفيلم، ولتأتي النهاية حيث الاب على سطح البيت يدخن سيجارته، والكاميرا بعيدة من خلفه، والبحر من أمامه، بينما السماء تتفجر أمطاراً ورعوداً، كما لتغسل كل شيء، وتؤكد بطولة المخرج المطلقة للفيلم.

الإمارات اليوم في 4 يونيو 2008

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2017)