كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 

رومان بولانسكي يتأرجح داخل فيلمه

محمد رضا

مهرجان برلين السينمائي الدولي

الدورة الستون

   
 
 
 
 

في أحد مشاهد فيلمه الجديد «الكاتب الشبح» يورد المخرج رومان بولانسكي مشهداً كان كُتب وصُوّر قبل التطورات التي حدثت معه أخيراً، والتي بسببها تم الحجز عليه في منزله السويسري ولم يستطع حضور مهرجان برلين السينمائي حيث شوهد هذا الفيلم.

في المشهد المعني، يشكو رئيس الوزراء البريطاني المعزول أدام لانغ (بيرس بروسنان) من أنه مطلوب القبض عليه في أكثر من دولة ويوافقه محاميه (تيموثي هاتون) قائلاً: «ستعرّض نفسك للاعتقال في أوروبا إذا ما انتقلت بينها»، ثم يذكر له بعض الدول الآسيوية التي من الممكن له أن يلجأ اليها، والتي لا ترتبط بمعاهدات أمنية توجب تسليمه الى السلطات التي تطالب بمحاكمته كمجرم حرب.

المرء لا يستطيع الا أن يضحك رابطاً بين وضع إحدى شخصيات الفيلم الرئيسية وبين وضع المخرج رومان بولانسكي، على ضوء ما حدث له من إلقاء قبض ثم تقييد إقامة وتهديد لا يزال سارياً بإعادة تقديمه للقضاء الأميركي بتهمة الاعتداء على قاصر قبل نحو ثلاثين سنة.

فيلم من دون حرارة

طبعاً لو أن الفيلم كان صدى مقصوداً للواقع الراهن، لكان تمتع بقدر من الذاتية رابطاً بين عالم الفيلم وعالم مخرجه على نحو مثير للنقاش. لكن رومان بولانسكي الفنان الذي وضع في بعض أفلامه الكثير من رؤاه الشخصية الخاصة حول العالم المستنتجة من حياته الخاصة وتاريخ ما حدث معه كصبي يهودي عانى من تخويف الجنود له (وضعوا تفاحة على رأسه وأطلقوا النار عليها) عاكساً أجواء من الخوف والعنف، يبتعد هنا عن معظم مساراته السابقة، مانحاً مشاهديه فيلماً بوليسياً بلا حرارة يقوم على استفاضة في شرح الحيثيات والمشي في مكانه من دون تقدم، قبل أن ينجلي في النهاية عن جهد جيد الى حد ما في التنفيذ التقني (نعم هناك أستاذ ميزانسين يقف وراء الكاميرا) لكنه عادي جدّاً في خانتي الخلق والإبداع.

ظروف غامضة

بطل الفيلم هو كاتب (إيوان مكروغر) نراه في مطلع الفيلم يوافق على لقاء رئيس الوزراء البريطاني آدم ليساعده في كتابة مذكراته لقاء ربع مليون دولار. الرئيس ليس كاتباً وهو أمر مشروع أن تتم الاستعانة بكاتب محترف لصياغة تاريخ حياته على نحو ناجح.

أمام الكاتب شهر واحد لكن ما يجعل المهمّة سهلة الى حد، أن الرئيس وضع المذكّرات فعلا، وما على الكاتب الا أن يجلس معه للتنقيح وإجراء مقابلة معه تمنح المادة بعض المرجعية الشخصية.

الصعوبة هي أن هذا العمل يأتي وسط أزمة تطال الرئيس وسرعان ما تحيله الى استقالة، فقد تبدّى أنه منح الموافقة على تعذيب أربعة مسلمين متهمين بالانتماء الى القاعدة ما أدّى الى وفاة أحدهم.

هذا ما يحدث حالياً في بريطانيا فعلاً، حيث تنطلق الاتهامات من أن شعبة الاستخبارات البريطانية كانت على علم بقيام السي آي أيه بتعذيب المتهمين، ثبت تورّطهم او لم يثبت. في الفيلم (كما في الواقع) فإن السي آي أيه هي الرائدة والوزير البريطاني (فكّر توني بلير) هو التابع.

انطلاقاً، فإن ما يثير غرابة الكاتب هو أنه تسلم المهمّة بعد مقتل الكاتب السابق في ظروف غامضة. من هنا يصبح الفيلم لغزاً قائماً على من القاتل وعما إذا كان الكاتب الحالي سيلاقي مصير الكاتب السابق.

للأسف فإن هذا الجانب من الفيلم هو الذي يطغى على سواه. وهو لا يطغى بنتائج جيّدة. الفيلم يدور حول نفسه من بعد ربع ساعة وحتى ربع ساعة قبل نهايته، ونبضه في هذه الفترة هادىء وقليل الإثارة. لكن المشكلة هي أنه يفوّت فرصة اللقاء مع حاضر الأحداث ومعطياتها، وربط نفسه بالوضع الذي نتج ولا يزال عن كيفية التحقيق مع المتهمين، وما إذا كانت تلك الكيفية مبررة او لا.

خطر الإرهاب

مرّة واحدة في الفيلم يطرح المخرج/ الكاتب سؤالاً حسّاساً حين يصرخ أحدهم: «لنفتح قسماً من المطار لا يمارس عمليات مراقبة من أي نوع، وقسم آخر يمارس القاء القبض على المشتبه بهم ونرى ماذا سيحل بالبلد في كلا الحالتين». طبعاً المقصود هنا هو أن الخطر الإرهابي سيكون مؤكداً في الحالة الأولى ومنعه مؤكد في الحالة الثانية وهذا في أزماتنا اليوم صحيح. لكن الفيلم بذلك الطرح يخرج عن نطاق المقصود فترك الحبل فالتا ليس الأمر المطلوب ولا أحد ينادي به، بل المسألة، كما بدأ الفيلم بطرحها، هو قضية التعذيب لأجل استخراج المعلومات صحيحة او كاذبة.

تمثيل جيّد من ق.بل إيوان مكروغر وأقل من ذلك من ق.بل الآخرين في عملية لا تتوخى أكثر من تقديم فيلم جماهيري يُعجب الباحثين عن أفلام مؤامرات ولو من باب استهلاكي. ما حمل الفيلم الى شاشة المسابقة هو وضع المخرج المتأزّم غالباً وربما، الى حد، كون اسمه يتيح له الاشتراك في مسابقات المهرجانات الدولية حتى لو لم يكن فيلمه جيّداً بالفعل.

بطاقة الفيلم

• الفيلم: الكاتب الشبح The Ghost Writer

• إخراج: رومان بولانسكي

• تمثيل: إيوان مكروغر وبيرس بروسنان وتيموثي هاتون

• النوع: تشويق بوليسي (فرنسا - المانيا - بريطانيا) 2010

####

أوراق ناقد

مفاجأة المخرج

حين صعد المخرج العراقي محمد الدارجي منصّة مهرجان برلين المنعقد حالياً لتقديم فيلمه الجديد «ابن بابل» وضع يداً على خاصرته كمن كان يشرف على مشروع عقاري يتم حفره، وقال معايناً المشاهدين إنه سعيد، طبعاً، بوجوده في مهرجان برلين، وطاف يشكر عدداً من الذين عاونوه في إنجاز هذا العمل. بعد قليل أعلن أن هناك مفاجأة سيُعلن عنها بعد العرض. قلت في نفسي: طعم وصنّارة.

مر الفيلم مثل سحابة تمطر دموعاً. الكثير من النحيب والعويل واللقطات القريبة لها وهي تنهمر فوق الوجوه المحمّلة بإمارات العذاب والمعاناة. الفتاة الألمانية التي كانت تجلس بجانبي مع صديقها مسحت دموعها، ثم استخرجت من محفظتها منديلا ورقياً وقامت بعملية تنظيف لأنفها الذي أخذ يمطر بدوره. من قال إن الألمانيات بلا قلب؟

إنه فيلم عن عجوز كردية تبحث مع حفيدها عن ابنها المختفي، وطريق بحثها طويل ومليء بالمشاق. تسمع بالمقابر الجماعية، فتذهب اليها لكنها لا تستطيع أن تجده بين الموتى، فتجلس بينهم على أي حال وتبدأ بندب حظها.

حين انتهى الفيلم، الذي ربما عدت اليه في مناسبة أخرى، حافظ معظم الحاضرين على أماكنهم. صفّقوا بالطبع وعبّروا عن أن لديهم قلوباً تتعاطف والمآسي الفردية خصوصاً في بلد كالعراق، وأرادوا معرفة كُنه هذه المفاجأة التي تحدّث عنها الفيلم.

وكانت...

شريط بالصوت والصورة لرئيس الوزراء العراقي تم بثه في القاعة، يتوجّه به الى المجتمع الدولي محييّاً الفيلم ومخرجه، كان تم تصويره وإعداده والغالب أنه يصلح لكل زمان ومكان مادام لم يذكر مهرجان برلين بالاسم. الشريط، ذو الدقائق الثلاث، يبارك إنشاء مؤسسة دولية للبحث في الهولوكوست الذي وقع في عهد النظام السابق، حين تم حفر مقابر جماعية لدفن مئات الألوف (حسب الفيلم على الأقل) من الذين قضوا نتيجة حكم صدّام حسين الجائر.

لكن المشكلة هي أن الفيلم إذ ينتقد، بحق، سياسات مضت وظروفا أوجدها نظام حكم مستبد، يستعين بالسياسة لتعميم رسالته عوض أن يبتعد عنها لكي تبقى رسالته تلك فوق مستوى الشبهات، مثله في ذلك مثل تعليق صور السياسيين في خلفية المشاهد في الأفلام. فإذا كان صاحب الصورة حاضرا فإن الفيلم مؤيد له، وإذا كان غائباً مضت عليه السنين واختلفت العصور من بعده، فإن الفيلم، في الغالب، منتقداً له.

لكن «ابن بابل» ومخرجه ينجزان بعداً جديداً في التعامل مع النظم السياسية من حيث إنه يشركها في عملية مباركة الفيلم من ناحية، ومنح الفيلم تلك السمة بأنه من نعم النظام (أي نظام) وينتمي الى سياستها الرشيدة.

ما قام به محمد الدارجي لم يسبقه أحد اليه على إطار عالمي. المرء له الحق في أن يعتقد أن الأفلام التي أنتجتها بعض النظم الشيوعية في الستينات وجوارها، ربما صاحبها تأكيد هذه العلاقة بين النظام والمنتوج الفني والثقافي، لكن ذلك بقي في داخل حدود تلك الدول، أما أن يصاحب فيلم ما دعاية سياسية على نطاق مهرجان دولي على هذا النحو الخارج عن نطاق ما هو سينما وفن وثقافة، فإن المسألة مثيرة للشجن وتعكس عدم قدرة المخرج على أن يمارس حياديّته وعدم ثقته من أن الفيلم يستطيع وحده إبلاغ الرسالة التي يحملها الى الجمهور.

القبس الكويتية في

17/02/2010

 
 

الأفلام الأسيوية والأوروبية تتنافس علي‏:‏ الدب الذهبي

رسالة برلين‏:‏ د‏.‏ مصطفي فهمي

حالة من ردود الفعل المختلفة صنعتها أفلام الأسبوع الأول لفعاليات المهرجان لدي النقاد والجمهور‏.

‏وكانت الآراء متفقة لدي الجانبين‏,‏مما يوضح أن دورة العام الحالي بدأت بشكل مختلف عن سابقتها التي أوجدت هذه الحالة من النصف الثاني للفعاليات‏ نال فيلم رومان بولانسكي‏'‏الكاتب الشبح‏'‏قسطا كبيرا من الأستحسان النقدي‏,‏والأعجاب الجماهيري لفيلمه المأخوذ عن رواية إنجليزية بنفس العنوان‏,‏ليقدم المخرج صورة لعالم السياسة من خلال الكاتب الشاب المنوط بمهمة كتابة مذكرات رئيس الوزراء‏,‏وبذلك تسمح معايشته له من الدخول في هذا العالم ومعرفة ألغازه التي تجذبه كباحث وكاتب تنتهي بإغتياله‏.‏

لعل بولانسكي استغل أسلوبه السينمائي في معالجته للرواية التي ظهرت في صورة ممتعة من خلال تعدد الخيوط الدرامية وجمعها في نقطة واحدة في النهاية‏,‏ لكن دون الأعلان عن نهاياتها صراحة ليجعل ذهن المتفرج في حالة من التفكير مع نهاية الفيلم حين تصطدم سيارة بالكاتب بعد خروجه من حفل نشر الكتاب تابينا للسياسي الذي أغتيل‏;‏ليستخدم المخرج هنا النهاية المفتوحة الممزوجة بالدلالة للتعبير عما يريد قوله وجعل المتفرج في حالة تأثر بالفيلم بعد أنتهائه‏..‏وهذا ما حدث من الأحاديث مع بعض الصحفيين والنقاد الأجانب إلي جانب بعض المناقشات مع الجمهور الذي أتفق أيضا مع النقاد في أعتبار الفيلم الروماني‏'‏إذا أردت أن أصفر سأصفر‏'‏للمخرج الشاب فلورين شربان الذي طرح قضية إنحراف الشباب‏,‏وجنوح سلوكه وتصرفاته‏;‏ويعتبر عنوان الفيلم توضيح لحالة العناد والأنانية التي يتمتع بها هؤلاء الصبية والشباب‏..‏ليلقي الضوء علي قضية ليست محلية علي المستوي الروماني‏,‏ ولكنها عالمية لوجود هذه الحالة في الكثير من دول العالم‏.‏

إستطاع شربان أن يركز علي التفاصيل في علاقات الشخصيات‏,‏ وملامحها‏,‏وردود أفعالها في حين نال الفيلم الصيني‏'‏ المرأة والمسدس و محل المكرونة‏'‏ إعجاب الحضور للحرفية العالية للمخرج زانج يمو في ضبط إيقاع الفيلم المختلف في الكثير من المشاهد التي أحتوت علي الكوميديا‏,‏ والكوميديا السوداء التي أجاد توظيفها بشكل جعل المشاهدين يضحكون في صالة العرض رغم شدة تراجيدية الموقف‏..‏وقد إعتمد في هذان النوعين علي خلل التفكير‏,‏وعدم إتساق الفكر مع أفعال الشخصيات‏,‏عيوبها الخلقية‏;‏إلي جانب أستخدامه لآلعاب السيرك التي يؤديه العاملون بالمحل أثناء صنعهم للفطائر والمكرونة‏;‏بخلاف صنعه لصورة سينمائية تظهر علي الشاشة كلوحة فن تشكيلي مستغلا الطبيعة الجبلية لمنطقة التصوير وتدرج إنعكاس الشمس علي سفوحها‏,‏وإستخدامها العالي الحرفية للجرافيك في تغير الزمن من الليل إلي النهار‏..‏تمكن زانج من إستخدام هذه الوسائل في شكل مبرر دراميا داخل محل المكرونة والمنطقة الكائن بها و يشهدا جريمتي قتل بسبب المسدس الذي أشترته المرأة‏..‏ أكدت السينما الصينية مكانتها في المهرجان بخطفها لأنظار الحضور بهذه الفيلم‏,‏وفيلم الأفتتاح‏.‏

شهد الأسبوع الأول أيضا إفتتاح العديد من الأنشطة منها فعاليات منتدي صندوق دعم السينما العالمي‏,‏ و مسابقة الكامبوس المهتمة بعمل الورش السينمائية التي يحضرها شباب من جميع أنحاء العالم وأختيار افضل مشاريعهم لتمويلها‏,‏ويشارك بها من مصر ستة مخرجون شباب‏.‏وتكتمل المشاركة المصرية بإنضمام الشركة العربية للأنتاج والتوزيع إلي سوق الفيلم للعام الثاني علي التوالي لتكون بذلك الدولة العربية الموجودة في السوق‏;‏في حين ياتي حضور دولة الأمارات من خلال حضور القائمين علي مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي‏(‏مهرجان ابوظبي‏)‏ علي الهامش بفيلم‏'‏ أبن بابل‏'‏الذي عرض في الدورة الأخيرة لمهرجان أبوظبي‏.‏

أما دولة قطر فجاءت مشاركتها ضمن مسابقة الأفلام التسجيلية‏(‏ الفوريم‏)‏ بفيلم‏'‏ عايشين‏'‏إنتاج قناة الجزيرة للأطفال‏..‏ويصور الفيلم أوضاع الأسر والأطفال الفلسطنيون بعد الحرب الأسرائيلية الأخيرة في‏2008;‏ وقد تمكن المخرج نيكولا فلاديموف الشريك في الإنتاج من تصوير أوضاع الطفل من خلال التنقل بين مجموعات الأطفال التي تتمني أن تتعلم‏,‏وأخري تقاوم الأحتلال بالموسيقي‏,‏وثالثة تحاول أن تلهو‏,‏ورابع أستشهد أخيه ويقرر أنه سينتقم عند إشتداد قوامه‏..‏ ليوضح بذلك طبيعة حياة الطفل الفلسطيني ومأساته المتمثلة في فقدانه أبسط حقوقه‏,‏ وهي اللهو والتعليم‏;‏لكن ما فعلته إسرائيل وتفعله يصنع من هؤلاء الأطفال رجال مقاومة بعد يأسهم من الحصول علي حقوقهم‏,‏ والحياة الكريمة‏.‏

ألقي الفيلم الضوء علي الممارسات الاسرائيلية من القنابل الفوسفورية وما تركته من أثر علي أجساد الأطفال الذي أصبح همهم طرد إسرائيل‏..‏ولعل المخرج إستطاع أن يعبر عن حال الطفل الفلسطيني بأنه يعيش في دائرة لا يعرف الفرار منها عندما يصور أحد الأطفال وهو يركب الطبق الدوارويلف به والطفل مستسلم‏.‏

يعتبر الحضور العربي قويا في هذه الدورة عن سابقتها في العام الماضي حيث مشاركة دولتين في أهم أقسام المهرجان هما سوق الفيلم‏,‏ ومسابقة التسجيلي‏;‏في حين جاءت الثالثة تعرف نفسها سينمائيا للعالم من خلال فعاليات الدورة الستين لمهرجان برلين الذي يطفئ ستون شمعة بعرض أفلام من الدورات الأولي‏.‏

الأهرام اليومي في

17/02/2010

 
 

تحت الضوء

مهمة رئيس لجنة التحكيم ستكون شاقة في الدورة الستين لمهرجان برلين السينمائي

برلين - من هوفيك حبشيان

بولانسكي يختفي خلف نص غير شخصي و"لص" هايزنبرغ يسرق القلب

واكاماتسو يأتي برؤية غير رومنطيقية للحروب و"عواء" يؤكد أن الشعر لا يُحاكَم

دورة أخرى تحمل رقماً مميزاً (60) من مهرجان برلين السينمائي افتتحت قبل أيام قليلة. هذا هو الحدث الثقافي الكبير الذي وحّد الألمان حول مسلّمات زمن حديث وقيمه. يكاد يعتقد من يزور المدينة ويمشي في شوارعها، أن هذا الزمن لا يمت الى الزمن السابق بصلة. مدينة تاريخية عظيمة الشأن هي برلين، تحوي كل الغرائبيات غير الموجودة في مدن أكثر كلاسيكية منها، وأهمها الثقافة البديلة. من كل الأشياء التي تميز العاصمة الألمانية، فإن المهرجان هو الموعد السنوي الأكثر رمزية لهذا الاختلاف المنشود، ذلك أن السينما تمثل الانفتاح على العالم الذي لا تتيحه مجالات أخرى.

كانت ساحة بوتزدامر لسنوات خلت خط التماس الذي فصل المانيا الشرقية عن الغربية. اليوم، وبعد عقود من العزلة، تحول هذا المكان نموذجاً للهندسة الطليعية. عمود رفيع يحمل على ذراعيه النحيلتين مبنى بأكلمه. صورة استعارية جميلة تقول الكثير عن أحوال هذا المهرجان الذي يأتي بنا الى هنا في عز الشتاء والثلوج والبرد القارص، للمشاهدة والرصد والمتابعة. من البديهي في برلين أكثر من غيرها من الأماكن، أن يكون للسياسة حضور على الاقل من خلال الافلام التي تأتي على ذكر حقبات ماضية مذلة للألمان. هؤلاء اقفلوا صفحة الماضي منذ سنوات بعيدة، لكن مشهداً من هنا ولقطة من هناك، ويكتمل بازل الحروب الدامية والتقاتل من جديد.

بعد دورة لم تخلّف ذكريات كبيرة، ها هي الطبعة الستون تقترح برنامجاً شائقاً، اقله في ظاهره وخطوطه العريضة، وفي الانطباعات الأولى التي تركتها متابعة الأفلام المتنافسة على "الدب الذهب" في الايام الاولى. فقائمة المسابقة تمنح الاحساس بأنها اختيرت بعناية ودقة من جانب ديتر كوسليك، الذي كان موضع انتقاد شديد في الدورات الماضية. قائمة، حتى أضعف الافلام فيها، الى الآن، يمتلك مستوى معيناً، والاكتشافات الكبيرة تعود الى من لا يزالون في مقتبل تجربتهم الابداعية والسينمائية.

من الأفلام المهمة التي افتتحت عروضها العالمية الاولى هنا في برلين، هناك "الكاتب الشبح" لرومان بولانسكي الذي لم يغادر منتجع غشتاد السويسري للمشاركة في هذه الدورة. فالمخرج لا يزال في اقامة جبرية، لكنه تابع من مقره الموقت زملاءه وفريق عمل فيلمه وهم يسيرون على السجادة الحمراء لعرض هذا الشريط المشارك في المسابقة.

الحكاية عن رئيس وزراء بريطاني سابق يريد كتابة مذكراته. مطاردات، دسائس ومؤامرات. هذا هو فيلم بولانسكي الجديد، في غياب تام لتيماته التي بنى عليها امجاده. حتى اننا لا نكاد نصدّق ما نراه: هل يعقل ان مخرجه هو ذاته الذي أغنى "المعبد" السينمائي العالمي، بأعمال مثل "طفل روزماري" (1968) و"تشاينا تاون" (1974) و"تيس" (1979) و"قمر الضغينة" (1992)؟ أيعقل ان يختفي المخرج الى هذا الحد خلف كتاب او نص او سيناريو، عندما يكون اسمه محفوراً في ذاكرة الصورة المخرّبة والشرسة وفي المخزون الثقافي الاوروبي؟ كي يقبل بولانسكي ان يطل أقل من حجمه في فيلم لا يعكس آراءه في العالم والانسان الا قليلاً، يجب ان يكون متمسكاً بمبررات صلبة. ان يبني عالماً كاملاً من دون ان تجول فيها كاميراته بحركات بانورامية ضخمة، فهذا امر نادر في سينماه. هكذا هو بولانسكي: واضح وغامض في الحين نفسه. واضح لأنه يعمل بإحساس عال جداً، ويصوّر كما يتنفّس. غامض لأنه يصوّر علاقته بالحياة، ويفعل ذلك على نحو مبطن، تاركاً خلفه علامات استفهام كثيرة.

"بلاد جميلة"، شريط انتجته شركات نروجية واميركية، بلغت موازنته 6 ملايين دولار، صوِّر في مساحات اميركا الشاسعة وفيتنام، وساهم في تأليفه تيرينس ماليك ("الخيط الاحمر الرفيع")، وظهر اسم نيك نولتي في اعلى الملصق الاعلاني، وعُرض في مهرجان برلين السينمائي في اطار المسابقة الرسمية عام 2004. بعد انقضاء 6 سنوات على هذا الفيلم البديع (اخرج فيلماً آخر عام 2006 لم تتسنَّ لنا مشاهدته)، يعود مخرجه هانس بيتر مولاند في واحد من أجمل ما عُرض حتى الآن في المسابقة: النروجي "الجنتلمان" (مسابقة). رجل (ستيلان سكارسغارد في واحد من أهم أدواره) يخرج من السجن في صباحات أحد الايام، بعد أن يكون قد دفع ثمن قتله رجلاً كان على علاقة غرامية بزوجته الخائنة. لا شك ان حياة سجين سابق قاسية وخصوصاً عندما ينبغي له أن يثبت للآخرين دائماً وأبداً بأنه جدير بالثقة. يرتكز الفيلم على تكرار مشهدي للأشياء التي ستصنع حياة هذا الرجل في الايام الاولى بعد الافراج عنه: الكاراج حيث يعمل، القبو الذي يسكن فيه، والمقهى الذي يحتسي فيه مشروبه. نحن امام رجل قاس لكن سيتغير شيئاً فشيئاً. مولاند يختار المعالجة الساخرة لمعاناته،ويضع بطله أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يعود الى الطرق الملتوية وإما يجد ما يستحق العيش من أجله. بيد أن واحدة من المشكلات لا يستطيع صاحبنا أن يتجاوزها، هي رفض ابنه المتكرر له.

من الافلام التي كانت متابعتها متعة خالصة، الأميركي "عواء" للمخرجين روب ابشتاين وجيفري فريدمان (مسابقة). محور الفيلم قصيدة للشاعر آلان غينسبرغ "تحاكَم" اثر اتهامها بالاباحية. هناك من يدافع عن هذه القصيدة ومن يقف أمام محامي الدفاع في الجهة المدعية ليقول له عندما يطالبه بشرح احد الأبيات: "سيدي لا تستطيع تفسير الشعر بالكلمات. لهذا السبب هناك ما يسمّى قصيدة".

غينسبرغ كان مثلياً. جزء من الفيلم يتبع منطقه في الدفاع عن الحرية الفردية ابان سنوات جيل الـ"بيت". ايقونة أخرى من تلك الحقبة تعبر الفيلم: جاك كرواك، صديق غينسبرغ. تركيبة الفيلم ذكية جداً، اذ يجابه مسألة اعادة احياء لحظات مندثرة من خلال محاور عدة. حيناً نرى غينسبرغ يلقي قصيدته أمام جمع من المستمعين، وحيناً نراه يتحدث عن نفسه في لقاء صحافي. بيد أن الفكرة الأهم في الفيلم، هي الكيفية التي تتجسد من خلالها القصيدة، أي باللجوء الى غرافيزم يخرّب المساحة الشعرية الهادئة للفيلم، محدثاً خللاً في منظومته، وهذا ما يريده المخرجان. فنحن في نهاية الامر أمام سيرة شاعر اسقط كل القيم الطهرانية التي بنيت عليها حقبة كاملة من التاريخ الاميركي، ولا يمكن تناولها بلغة خشبية باهتة.

فيلم آخر قاتم جداً وقع علينا كالصاعقة: "كاتربيلار" (مسابقة) للمخرج الياباني كوجي واكاماتسو. لحظات قاسية يُفتتح بها الفيلم. نرى في البداية جندياً يابانياً يغتصب فتاة خلال الحرب الثانية بين الصين واليابان. المشهد التالي يرينا امرأة مفجوعة لا تريد أن تصدّق أن الرجل المبتور الذراعين والقدمين هو زوجها. شيئاً فشيئاً يكتشف المشاهد أن الجندي المغتصب هو الزوج العائد. لؤم الفيلم في كونه يجعل الحدود بين الدال والمدلول غير واضحة. ما يبدو انه تأييد من المخرج للشعور بالوطنية، يتبين انه سخرية هدامة ومؤلمة. لا يحتاج الفيلم الى أكثر من جدران اربعة وباحة أمام المنزل ليرتّب احداثه. لكن هذا يكفيه ليعالج موضوعه. تتأزم العلاقة تدريجاً بين الجندي وزوجته. فالزوج يمضي وقته في المطالبة بشيئين: جنس وطعام. هاتان هما الوسيلتان الوحيدتان تجعلانه يشعر بأنه لا يزال حياً. لكن الزوجة لن تقبل بهذا المصير وخصوصاً ان بينهما حسابات قديمة. مذذاك يدخلنا الفيلم في متاهة مؤلمة وسادية ولا يترك أمام شخصياته أي مخرج محتمل. الصراع المفتوح بين الزوجين يسقط كل القيم البالية التي تستند اليها السلطة اليابانية لتبرير الحروب العبثية المتتالية. هذا فيلم قاس ايضاً لا يخرج المرء منه سليماً، يطلب واكاماتسو من خلاله اعادة كتابة التاريخ الصحيح بعيداً عن الرؤية الرومنطيقية له.

فضلاً عن توماس فينتربرغ الذي اتحفنا بجديده "سابمارينو" (لنا عودة قريبة اليه)، كان لمهرجان برلين في مطلع الاسبوع لقاء مع فيلم "اللصّ" لبنيامين هايزنبرغ، وهو من بين اروع ما عُرض حتى الآن. يوهان له هاجسان في الحياة: الركض السريع وسرقة المصارف. هاجسان متناقضان يجعلانه بطلا شعبيا وعدوا للأمة في آن واحد. من هذا التناقض المدهش يولد فيلم هايزنبرغ المنقول من قصة حقيقية. أمر آخر لافت: لا يجري الكلام بتاتاً عن المال والهدف من سرقته. انه هاجس وحسب بالنسبة الى يوهان. يقترح الفيلم تنويعة بصرية عالية المستوى. سواء من خلال نوعية الاخراج أم التمثيل أم تحريك الكاميرا، فنحن أمام سينما أوروبية خالصة ذات موازنة مرتفعة الى حدّ ما، وتستحق أن يرتَّب لها مكان في قائمة الجوائز التي يبدو انه ستجعل مهمة فيرنير هيرتزوغ صعبة ولياليه طويلة بسبب الارق.

 (hauvick.habechian@annahar.com.lb)

النهار اللبنانية في

18/02/2010

####

حوار

الأخوان النوري يتحدثان عن فيلمهما "الرجل الذي باع العالم":

لم نكن في حاجة الى تصوير بيت جميل مع حديقة

برلين - من هوفيك حبشيان 

عُرض ضمن برنامج "بانوراما" مساء الاثنين الفائت في مهرجان برلين ثاني أفلام الثنائي المغربي سهيل وعماد النوري. الفيلم الذي يحمل اسم احدى أغنيات ديفيد بووي، "الرجل الذي باع العالم"، يسلك دروباً سينمائية غير مطروقة بغية التأمل في ماهية السعادة. في ما يأتي، المزيد من الغوص في عمل الاخوين السينيفيليين اللذين يتوقع منهما الكثير في السنوات المقبلة.  

·         اذاً، هذا الفيلم هو اقتباس حرّ لقصة قصيرة لدوستويفسكي؟

سهيل النوري: نعم، واسمها "قلب ضعيف"، صدرت عام 1848 عندما كان دوستويفسكي يبلغ من العمر 27 عاماً. انها واحدة من أولى رواياته. رواية قصيرة جداً. الفكرة كانت أن نبقى أوفياء للأصل الأدبي مع منح أنفسنا حيزاً من الحرية ولا سيما في ما يخص الجانب البصري. لذا نقلنا السياق من سان بطرسبورغ الى نوع من أرض محايدة، والى مدينة تعيش أجواء حرب وكأننا في مستقبل قريب. لم يكن مهماً بالنسبة الينا أن نشيّد نصنا على معلومات، بل أن نركز على التأمل والسعادة لمرافقة الشخصية التي نصورها الى حيث يأخذها جنونها. هذه الرحلة وجدناها مثيرة للاهتمام. عندما قرأنا الرواية لاحظنا الى أي مدى هذه القصة لا تزال فيها عناصر من واقعنا الآني على رغم أنها كُتبت قبل قرنين. السياق في ذاته لم يكن مهماً بقدر ما كان يهمنا التأمل في تيمة السعادة والاستنتاجات التي توصل اليها الكاتب، وهذا كله كان صمد أمام عتق الزمن. غالباً ما نميل الى تفضيل "الخوف من السعادة" على "السعادة" نفسها.

·         تعملان كثنائي منذ بدايتكما. لكن نريد أن نعرف مَن يتولى ماذا؟

عماد النوري: أخي سهيل هو الذي يتولى الكتابة، ما عدا ذلك ننجزه معاً. سواء أكان الاخراج أم المونتاج.

·         هل تكونان دائماً على الموجة نفسها من التفاهم، وهل نظرة الواحد منكما الى الامور قريبة من نظرة الأخر؟

سهيل النوري: الى حدّ ما. نتكلم كثيراً قبل مباشرة العمل. هناك مرحلة بحث كبيرة تسبق عملية التقاط المشاهد. في هذه المرحلة تحديداً نتبادل أفكارنا. لدينا أشياء مشتركة مثل تأثيراتنا الدفينة وثقافتنا البصرية بالاضافة الى ما نحب وما لا نحب.

·         ماذا تفعلان عندما تختلفان على مسألة شائكة؟

عماد النوري: طبعاً هناك لحظات لا نتفق فيها. طبيعي أن يكون هناك مثل هذه اللحظات، لأنه ببساطة هناك لحظات لا نتفق مع أنفسنا. في هذه الحالة نناقش المسألة، وكل منا يطرح ما لديه من دوافع، ونختار ما هو أفضل لملصحة الفيلم. ليس هناك أي فرض في علاقتنا، بل نحن بعيدان كل البعد عن سلوك كهذا.

·         والدكما، حكيم النوري، هو أيضاً ممثل ومخرج.  لكن عملكما لا يشبه البتة ما ينجزه.

سهيل النوري: لا على الاطلاق. لم يكن هذا الشيء مقصوداً. نحن من جيل ووالدنا من جيل آخر. هو مغربي أما نحن فوالدنا مغربي ووالدتنا اسبانية. ولدنا في الدار البيضاء وعشنا في فرنسا وبانكوك ومدريد، فهذا الشيء صاغ هويتنا وجعلنا اكثر كوزموبوليتية مما هو والدنا. نظرتنا الى الاشياء أكثر عالمية مما هي محلية. وهذه سمة جيلنا. اذ نرى الكثير من السينمائيين من بلدان كثيرة يصنعون اليوم سينما تغرف من ينبوع العالمية أكثر من كونها تستند الى واقع محلي ضيق. من خلال الانترنت نرى ونختبر كل شيء. من هنا أسأل: ان نقتبس دوستويفسكي فهذا يبدو غريباً. لكن لمَ لا في نهاية الأمر؟ هذا شيء جاء الينا تلقائياً، علماً أن تأثراتنا الاولى جاءتنا من "سينما الوالد". ترعرعنا ونحن نشاهد السينما التي كان يحبها والدي. لكن بعد ذلك على كل واحد منا الذهاب في طريقه. طبعاً هناك الدراسات التي نقوم بها والاصدقاء التي نجمعهم من حولنا والتجارب التي نعيشها، وهذا كله قادر على صوغ شخصيتنا، وهي شخصية حاضرة في السينما التي ننجزها.

عماد النوري: اياً يكن، فليس من المحبذ فكرة الشعلة التي تنتقل من الاب الى أولاده. انظر الى صوفيا كوبولا فهي لا تعيد تكرار ما صنعه والدها، ولو فعلت ذلك لكان ذلك مؤسفاً.

·         في بعض الاحيان، تجاوزت صوفيا أباها، وهذه هي حالتكما ايضاً. وأنا لا أجاملكما هنا.

عماد النوري: شكراً جزيلاً، واعتقد ان هذا الشيء يسعد والدنا ايضاً لأنه المعجب الاول بعملنا ويعترف بنوعية الشغل الذي نقوم به، ولا يوجد بيننا أي نوع من منافسة.

·         منذ متى تشاهدان الأفلام. أم انكما لستما سينيفيليين؟

عماد النوري: بلى، نحن سينيفيليان الى حد بعيد. بدأنا في عمر مبكر نرى أفلام الستينات والسبعينات، من الوسترن الاميركي الى غودار.

سهيل النوري: كان والداي يملكان متجراً لتأجير كاسيتات الفيديو في الدار البيضاء. وكانت طريقة التعامل معنا تجري آنذاك على هذا النحو: اذا حصلنا على علامة جيدة في مادة دراسية ما، كان يحق لنا أن نشاهد فيلمين. واذا ما نلنا مثلاً 20 على 20 كان يحق لنا مشاهدة أربعة أفلام. أما القصاص فكان منعنا من مشاهدة أي فيلم. كل شيء كان يفاوض انطلاقاً من هذا المبدأ. كنا نمضي نهايات اسبوع "ماراثونية" في مشاهدة سبعة أو ثمانية أفلام، واحد تلو الآخر.

·         نلمس في "الرجل الذي باع العالم" ميلاً الى السينما الاوروبية، تلك السائدة في الستينات مثلاً.

سهيل النوري: من الصعب عزل أنفسنا عن التأثيرات التي ألقت بظلالها علينا طوال فترة التأهيل السينيفيلي. شاهدنا مراراً وتكراراً أفلام سينمائيين مثل سيرجيو ليوني وغودار وتروفو وماليك، الخ. هذا يدخل في شبكة العين ويبقى فيها لمدة طويلة، الى درجة انك خلال التصوير لا تفكر في غودار، اذ يكون قد دخل في لاوعيك. في المقالة التي نشرت في مجلة "فرايتي" عن الفيلم، ذكر اسم غودار، وهذا مسلٍّ بالنسبة الينا لأننا لم نفكر فيه قط خلال التصوير، الا ربما بعد انتهائنا من انجازه.

·     هناك في الفيلم ايضاً صعوبة عيش وفراغ تعاني منها الشخصيات اذ لا تعرف ماذا تفعل بعزلتها ووحدتها. هل هذا المناخ استُمد من الرواية؟

عماد النوري: نعم كان هذا موجوداً، لكننا عملنا على تعظيم هذا الجانب كي يكون المشاهد في الوضعية نفسها التي جُعلت فيها الشخصيات. هناك مناخ ضاغط طوال الفيلم يفرضه المكان الغارق في ظلمته وألوانه الغريبة الميالة الى الاخضرار والازرقاق. انه مناخ عدائي اذا صح التعبير، تعززه حدية التقطيع والمونتاج المتوتر. وضعنا كل العناصر التي تتيحها لنا السينما كي نعزز هذا المناخ. كنا نريد التركيز على "جمال القبح". لم نكن في حاجة الى تصوير بيت جميل مع حديقة، كي نري شيئاً جميلاً...

·         سعيد باي قدّم اداء متقناً. هل جرى التفكير فيه منذ مرحلة التأليف؟

سهيل النوري: لم نفكر فيه منذ مرحلة الكتابة، لأن هذا المشروع كان يجب أن يتحقق في نيويورك، مع ممثلين آخرين. وكان سيكون فيلماً أميركياً. ثم اضرب كتّاب السيناريو عن العمل، لذا قررنا المجيء الى المغرب لتصويره. منذ تلك اللحظة فكرنا في سعيد الذي عمل في عدد من أفلام والدي حيث كنا، أخي وأنا، مساعدين للمخرج. العمل معه كان رائعاً، لأنه سريع الاستيعاب وتقني من الدرجة الاولى. إذا هتف قلبك الى ممثل من هذا النوع، فيجب عدم البحث عن شخص آخر.

عماد النوري: في المغرب، النمط التلفزيوني والمسرحي شوّه اداء الممثل السينمائي. ليست هذه حال المسلسلات الأميركية مثلاً حيث الاداء سينمائي الى حدّ ما. لدينا في المغرب ثقافة التضخيم والمبالغة التي تنتقل أحياناً الى الشاشة الكبيرة. كل احساس يدخل منطقة الميلودراما.

سهيل النوري: نحن نميل الى الكونتراست. اذا كان المشهد مأسوياً مثلاً، نفضل استخدام موسيقى مضحكة. والعكس صحيح. وأحياناً نفضل لحظة صمت.

النهار اللبنانية في

18/02/2010

 
 

المسألة اليهودية مقحمة في الـ «برليناله» وفيلم بانكسي يخترق فن الغرافيك ويشرّح المجتمعات ويصل إلى الضفة الغربية

الفقدان بداية الإيراني «الصيّاد» وخاتمة التركي «عسل».. و«اسمي خان» الهندي يتبرأ من الإرهاب

نديم جرجورة/ برلين

بدأت أيام الدورة الستين لمهرجان برلين السينمائي الدولي، الـ «برليناله»، تنتهي. لا تجدي التوقّعات نفعاً. هذه عادة عربية ساذجة. لعلّها عادة غربية أيضاً. هناك متعة في قول مسبق. إذا تحقّق القول، امتلك صاحبه شأناً عظيماً. إذا لم يتحقّق، فلن يُحاسبه أحدٌ. فهذه مجرّد توقّعات. بدأت أيام البقاء في برلين تنتهي. مرّ أسبوعٌ كامل فيها. مشاهدة أفلام. لقاء أصدقاء. سهر. زيارات متنقّلة بين معالمها. شوارعها. عمارتها. ثلجها. أشلاء جدار العار هنا وهناك. نقاط التفتيش السابقة (أبرزها نقطة التفتيش الأميركية تشارلي، وصورة تشارلي مرفوعة عاليا وسط الشارع) بين جانبي المدينة. القبور الرمزية المرصوفة على مساحة شاسعة في مقابل المبنى الكبير للسفارة الأميركية، لتذكير الألمان والعالم بالذنب الأخلاقي إزاء اليهود. الأحياء الخلفية. هذه مدينة شاسعة. مدينة عريقة. لا يُمكن التأقلم معها سريعاً، ولا يُمكن التغاضي عن قدرتها على إغراء المرء بعشقها. مثيرة هي. تاريخها حاضرٌ لا للبكاء، بل للتعلّم. ثقافتها منتـجة في شتّى الأمور. أبرزها: سلوك اجتماعي يومي. هناك رقي واضحٌ في أبناء المدينة. مشية كل واحد منهم. حركاته. تصرّفاته. لا يُمكن فهمـها سريعاً، ولا يُمكن تجاوز وقعها الأول. هناك استثناءات. قسوة ما في ملامح هذا أو ذاك. ربما يخشى الزائر المدينة للمرّة الأولى. لكنه لا يستطيع منع نفسه من التفكير بالعودة إليها ثانية. أو ثالثة. أو دائماً.

أساس

ليست العلاقة بمدينة برلين عابرة. الزيارة الأولى أنتجت أساساً متيناً. مهرجانها فاعلٌ في عالم صناعة السينما. السوق السينمائية واحدة من أبرز الأسواق الدولية. المسابقة الرسمية. البرامج الموازية.

استعادات الكلاسيكيات البديعة وحدها تكاد تكون مهرجاناً موازياً للـ «برليناله». صالات العرض. المقرّ العام للمهرجان وأمكنة نشاطاته اليومية. هذه مسائل لا يشعر بها من لا يهتمّ بالفن السابع. لعلّ الغربيين أكثر واقعية في التعاطي مع مدن كهذه، ككيان جغرافي وثقافي وحضاري. كحيّز لمهرجان سينمائي. كأنه سلوك يومي. بهذا المعنى السينمائي، لا تختلف برلين عن «كان». لكنها تختلف عنها في أمور شتّى: الجغرافيا في المدينة الفرنسية الجنوبية لا تغري المرء بتجوّل ثان في أزقّتها. المدينة صغيرة. تكفي زيارة أولى لإنهاء الواجب السياحي معها. لكن مهرجانها أساسي وأهمّ. برلين مختلفة. عراقتها التاريخية تضاهي اتساعها الجغرافي وقوة نتاجها الثقافي والحضاري. التاريخ ماثلٌ أمام من يكترث به. لم أستطع أن أمنع نفسي من النظر إليها كبقعة لحرب مدمّرة. أخبرني أحدهم أن «الملجأ» الخاصّ بالأيام الأخيرة من حياة أدولف هتلر موجودٌ على بُعد خطوات، في تلك الغابة التي مررت قربها ولم أدخلها. حتى اللحظة، لم أزر الملجأ. الزيارة لا تزال محصورة بصالات ومقاه. هناك متاحف يُفترض بالمرء زيارتها أيضاً. في هذه البقعة الجغرافية، قُتل تاريخٌ وولد آخر. شعبٌ قاس، لكن أجياله الشابة مفعمة بالحيوية. هذه مشاعر أولى. نابعة، أصلاً، من لقاء أول. لكنها ليست صدمة عربي مقبل إلى أرض الحضارة كما فعل سابقون قدامى، بل صدمة عربي مدرك فداحة المأزق التاريخي والثقافي والاجتماعي المقيم فيه غصباً عنه، ومنتبه إلى أن إبداع الغرب أساسي، لكنه لا يلغي مساوئه أيضاً.

إحدى مساوئ الغرب: الابتزاز اليهودي الدائم. الخضوع المطلق والمستمر للآثار الوحشية للخطيئة النازية تجاه اليهود. لا أرغب في كلام عنصري. الكيان الإسرائيلي عدو. الصهيونية عدوّة. لكن الانصياع الغربي الدائم لمشيئة اليهودي مزعج ونافر، في زمن انكشفت فيه حقائق تاريخية كثيرة. لا بأس. ليتحمّل الغرب مسؤولية تاريخه. لتتحمّل ألمانيا مسؤولية أخطاء تاريخها. هناك أفلام عُرضت في الـ «برليناله» الستين أدخلت سؤال اليهودي إلى سياقها الدرامي بشكل بدا نافراً للبعض. إذ ماذا يعني أن يحيل مارتن سكورسيزي مثلاً، في جديده البديع «جزيرة شاتر» («السفير»، 15 شباط الجاري)، كوابيس تيدي دانيالز (ليوناردو دي كابريو) إلى المجزرة النازية بحقّ اليهود، في سياق لا علاقة له بالحرب العالمية الثانية. وماذا يعني اختيار «غرينبرغ» لنواه بومباخ للمشاركة في البرمجة الرسمية للمهرجان؟ وهو فيلم يهودي بامتياز، وإن جانَبَته تعبيرات متفرّقة عن سلوك إنساني عام.

مرّة أخرى، أقول لا بأس. مناقشة هذه المسألة محتاجة إلى مناسبة أخرى. جمال السينما وبرلين مانعٌ جوهري وآنيّ للسقوط في نقاش ثقافي وأخلاقي لا ينتهي. مرّة أخرى، أقول لا بأس. أفلام كثيرة مشاركة في الدورة الستين هذه. جديدة وقديمة. الاستعادات باهرة. متنوّعة وكثيفة. عناوين مستلّة من الذاكرة البصرية العريقة في قدرتها الإبداعية على مقاربة أمور الحياة والإنسان، وعلى طرح الأسئلة، وعلى رسم الحالات. وعلى الرغم من إمعان الفيلم الأميركي «غرينبرغ» في المسألة اليهودية، خارج إطار الحرب العالمية الثانية والمجزرة النازية؛ إلاّ أن أولوية السينما حالت دون التنكّر لقسوة المعالجة الدرامية في تبيان مآزق الفرد في مواجهة ذاته ومشاكله والبنى الاجتماعية والبشرية المحيطة به. الفيلم صنيع مجموعة من السينمائيين اليهود. لكن قراءة نقدية متحرّرة من سطوة الإيديولوجيا وثقافة المؤامرة في العالم العربي والعالم الثالث، تجعل المُشاهد مقبلاً عليه للبحث في دلالته المبطّنة، التي شرّحت جانباً من الحياة الأميركية في نيويورك ولوس أنجلوس. حكاية الفيلم بسيطة: روجر غرينبرغ (بن ستيلر) شاب في الأربعينات من عمره، مُصاب بالإحباط والعجز عن الخروج من دائرة الخراب المقيم فيها. فلورنس مار (غريتا غرويغ) شابة متحمّسة للحياة، تعمل في مجالات عدّة، وتسعى إلى تبديل شؤون حياتها. تعمل مربية أطفال عائلة فيليب غرينبيرغ (كريس ميسّينا)، شقيق روجر. إنها راعية كلب العائلة أيضاً. إنه منزعج من فشل متنوّع عانى تداعياته. إنها مصابة بالوحدة، وبما تنتجه الوحدة من ألم وقلق وارتباك. العلاقة بينهما متذبذبة. عصبيّ هو. عفوية هي. إشارات يهودية عدّة مبطّنة في السياق. بعضها انتقادي ساخر. لكن الفيلم، برمّته، عادي. مشغول بأسلوب أوروبي، من دون أن يبلغ براعة الأوروبي في إنجاز هذا النمط من الأفلام الذاتية. بن ستيلر ممثل مزعج. عصبي ومدّع. قد تشكّل هذه المسائل عائقاً أمام ولوج الفيلم.

تشريح

تشريح بيئة اجتماعية ركيزة «الخروج عبر مخزن الهدايا» لفنان الغرافيك البريطاني بانكسي. أراد الفرنسي تييري غيتا إنجاز فيلم عنه. أثناء العمل، تبدّلت الأمور. اتّخذ برانسكي مكان تييري غيتا، وأنجز فيلماً وثائقياً عنه. بل عن هذا العالم الفني المستقلّ بحدّ ذاته. الرسوم على جدران الطرقات. على الأشياء المختلفة. رسم شخصيات معروفة (باراك أوباما. مادونا). هذا فن قائم بحدّ ذاته. صناعته مزيج إبداع ورفض ومواجهة. تقنياته عادية. أدواته بسيطة. لكن الفيلم أعمق من هذا كلّه. تشريح مجتمع وبيئة؟ تحليل شخصيات ونفسيات؟ مقاربة التحوّل الحاصل في العالم حالياً، في المجتمع والثقافة وطرائق العيش وأساليب التعبير؟ هذا كلّه حاضرٌ. إيقاع الفيلم (86 دقيقة) سريع. ليس متّسرعاً، بل مشغول بتقنية المتتاليات المتسارعة في قول الأشياء والتعليقات. ذلك أن فن الرسم على الجدران انعكاس لحالة اجتماعية أو تعبير عن موقف وانفعال. والفيلم اخترق العالم السفلي المتمثّل بهذا الفن، باحثاً في أشكاله وألوانه وتفاصيله. الوثائقي هنا جعل الصورة حكاية، وحوّل الحكاية إلى مرآة مجتمع وأناس وبيئات مختلفة. بانكسي لا يُظهر وجهه. مقنّع هو دائماً تفادياً لمطاردة الناس له. أعماله موجودة في أمكنة مختلفة. منها الضفّة الغربية.

المجتمع الأميركي والبيئة الإنسانية والأخلاقية محوران أساسيان في الفيلم الهندي «اسمي خان» لكران جوهار. الطريقة المعتمدة في إنجازه: بوليوودية. الموضوع: أميركي، بقدر ما هو هندي، بقدر ما هو إنساني عام. ليست صناعة السينما الـ «بوليوودية» منتشرة عالمياً، قدر انتشارها هندياً. هذه سينما تجارية بحتة. لا علاقة لها بسينما ساتياجيت راي مثلاً. عُرض لراي «شارلوتا» في إطار برنامج التكريمات المليء بالتحف التي صنعها كبار: جان ـ لوك غودار، هنري ـ جورج كلوزو، زانغ ييمو، فولكر شلوندورف، ناغيزا أوشيما، ماركو فيرّيري وآخرين. لكن، لها علاقة وطيدة بالآني. تداعيات جريمة الحادي عشر من أيلول 2001. الاعتداء الإرهابي على برجي «المركز العالمي للتجارة» ومبنى «بنتاغون» خلّف آثاراً مدمِّرة في الأمكنة كلّها. انطلاقاً من إعلانه أن اسمه خان وأنه ليس إرهابياً، رسم الفيلم صورة حيّة عن واقع مؤلم. هناك الحب والتفاصيل الإنسانية والعالم المفتوح على آفاق وأسئلة.

من الأفلام الأخرى: الإيراني «الصيّاد» لرافي بيتس والتركي «عسل» لسميح كابلانوغلي. الأول سياسي مبطّن. الثاني إنساني عميق. تشابها في إعلاء شأن التعبير بالصورة. الكلام قليل. الموسيقى خفيفة وقليلة. الارتكاز أساسي على التعابير والحركات. على الأداء. الصبي يوسف (بورا أتلس)، في الفيلم التركي، مدهش. إنه الخطّ الدرامي الجوهري. حضوره ملأ الشاشة والأحداث كلّها. السياسة حاضرة في الفيلم الإيراني. نقد مبطّن وعنيف للمؤسّسة الحاكمة. الأحداث التي تلت انتخابات حزيران الفائت مؤثّرة في السياق. الطبيعة شخصية أساسية في «عسل». المدينة في «الصيّاد» أيضاً. الإشارات واضحة ضد السلطة وقمعها في إيران. السرد الحكائي التركي مفعم بشغف الهيام بالطبيعة. التشابه بين الفيلمين قائمٌ أيضاً في حضور العائلة. لكن المصير مختلف. العائلة التركية فقدت الأب في النهاية. العائلة الإيرانية فقدت الأم والابنة في البداية. الفقدان خاتمة «عسل». الفقدان بداية «الصيّاد». الأب، في الفيلم الإيراني، منتقم لمقتل عبثي لزوجته وابنتهما. الأب، في الفيلم التركي، منتهية حياته وسط عزلة الابن وانكساره. شكّل الابن التركي يوسف محوراً. «عسل» منتم إلى عمل سميح كابلانوغلو، بعنوان «ثلاثية يوسف». شكّل الأب الإيراني علي (المخرج نفسه رافي بيتس) محوراً أساسياً. إنه لحظة التحوّل من السكينة إلى الغضب. مقتل عائلته خطأ دفعه إلى تبديل سلوكه. الإشارة واضحة إلى ما حصل في التظاهرات الشبابية ضد نتائج الانتخابات المذكورة أعلاه. اسم الابنة سابا. إنه اسم الفتاة الأولى التي قُتلت برصاص رجال أمن السلطة الإيرانية. الميل إلى التواضع الشكلي في المعالجة الفنية والدرامية في الفيلمين، بديع. عمق المضمون والسياق أيضاً. الأداء. المناخ العام. اللقطات. التوليف. هذه تفاصيل صنعت جمال الفيلمين، شكلاً ومضموناً. اشتغالاً وتشريحاً.

غالبية الأفلام محتاجة إلى قراءات نقدية أهدأ وأوسع. المهرجان مكان للمُشاهدة والمناقشة الأولى والعفوية، وإن امتلأتا بتشريح وسجال عميق. متعة المُشاهدة أقوى من أي شيء آخر، أحياناً.

السفير اللبنانية في

18/02/2010

####

كلاكيت.. الممثل الاكتشاف

نديم جرجورة

تتيح المهرجانات السينمائية الغربية، أساساً، فرصة التعرّف إلى ممثلين جدد، يُقدّمون أداءً باهراً في أفلام، قد تكون الأولى لهم. تتيح لقاء بأناس مدهشين. يُقال إن الدور الأول فرصة للممثل لإظهار براعته. الحماسة تدفعه إلى هذه البراعة. تجعله متألّقاً. الحماسة. الرغبة في إثبات الذات. العفوية التي تتيح له التصرّف بحرية كبيرة، وبتحرّر واضح من قواعد وتقنيات. هذا ينطبق على الهواة، أو على اللاممثلين. الممثلون المحترفون متعِبون، غالباً. احترافهم واختباراتهم الجمّة تقف حائلاً دون العفوية. هذا أمرٌ آخر محتاج إلى نقاش مختلف. الممثل غير المحترف، أو اللاممثل، مدهش بعفويته وبساطته. بتصرّفه العادي والسلس. لا يتصنّع أداء. لا يُبالغ في سلوك. يحافظ على هدوئه. يريد الظهور، لكن الأنانية والتعجّرف لا يزالان غائبين.

الدور الأول مثير. إنه بطاقة دخول إلى قلوب المُشاهدين، وإلى عالم الصناعة السينمائية. الدخول الأول مغاير تماماً عن الدخول الثاني، إن لم يكن نقيضه. المنتج والمخرج محتاجان إلى مسائل لا ينتبه إليها المشاهدون، أو لا يكترثون لها. للنقاد موقفٌ ثالث. هذه مسائل طبيعية جداً. لكل طرف حساباته ورغباته وأهدافه. ولمن يُقدّم دوراً أول أيضاً. لعلّ المهرجانات السينمائية الغربية ليست المكان الوحيد لاكتشاف «مواهب الأداء الاحترافي» لمبتدئين. لكنها تتيح فرصة المُشاهدة الأولى لأفلام حديثة الإنتاج، لم تُعرض سابقاً. هذا يعني مسألتين اثنتين: متعة مشاهدة الجديد، فور الانتهاء من تحقيقه. ومتعة التعرّف إلى أسماء ووجوه، قد يكون لها مستقبلٌ ما. حتى إذا لم تعثر هذه الأسماء والوجوه على مستقبل ما، فإن إطلالتها هذه مناسبة لتقديم الذات أمام عشرات المئات من النقّاد والصحافيين والمُشاهدين، في اللحظات الأولى اللاحقة لولادة هذا الصنيع.

في الدورة الأخيرة (أيار 2009) لمهرجان «كان»، بدا الممثل الفرنسي طاهر رحيم اكتشافاً حقيقياً. أدّى شخصية سجين ضعيف ووحيد بات محوراً أساسياً في توازنات ونزاعات وتبدّلات. جاك أوديار قدّمه إلى الجمهور السينمائي في «نبي». الأيام الأولى من الدورة الستين للـ «برليناله» تحوّلت إلى مناسبة للتعرّف إلى ممثل روماني هاو يُدعى جورج بيستريانو. في التاسعة عشرة من عمره. عاشقٌ للموسيقى. لكن نصيحة صديق دفعته إلى متابعة دروس في التمثيل. «إذا أردتُ أن أصفّر، فسأصفّر» لفلوران سربان فيلمه الأول. أداؤه شخصية شاب سجين يُعاني مأزق علاقته المرتبكة بعائلته الممزّقة، بديع. الوصف لا يعكس حقيقة الأمر. بدا، في جزء من السياق الدرامي، هادئاً ووديعاً. خمسة عشر يوماً فقط تفصله عن إطلاق سراحه. لكن حضور والدته وتسلّط أحد زملائه بدّلاه كلّياً. أراد حماية شقيقه الصغير. أراد حبّا مفقوداً. أراد حرية داخلية. أراد سلاماً ذاتياً. أداؤه مدهش. قدرته على كشف الانفعالات مشوّق. بساطته. تواضعه. تقديمه الشخصية وعيشه مسارها وتحوّلاتها، امر مثير للمتعة البصرية وللتساؤل عن مصير الممثل فيه.

لكن، ماذا بعد الدور الأول؟

السفير اللبنانية في

18/02/2010

####

سيباستيان دوني: «السينما وحرب الجزائر»

انتهت حرب الجزائر قبل ثمانية وأربعين عاماً، بانتزاع الجزائريين استقلالهم من المحتلّ الفرنسي في تموز 1962. لكنها حرب مريرة وطويلة، والسينما لم تكن بعيدة عنها أبداً. هذا مضمون كتاب سيباستيان دوني «السينما وحرب الجزائر، البروباغندا على الشاشة (1945 ـ 1962، الصادر مؤخّراً عن منشورات «عالم جديد» في فرنسا.

بحسب العنوان، يُمكن فهم المضمون. فالنص التأريخي التحليلي النقدي انعكاس لواقع الحال السينمائية الوثائقية الترويجية بين العامين المذكورين، علماً بأن الأول عائدٌ إلى إحدى المعارك الفاصلة بين طرفي النزاع بدءاً من شهر أيار، والثاني عائدٌ إلى شهر تموز، الذي عرف استقلال الجزائر. والكتاب معقود على قراءة تلك الأفلام، وبعضها منتج من قبل قسم الخدمات السينمائية في الجيش الفرنسي.

سينما بروباغندا، استعانت بالوثائقي للتعبير عن وجهات نظر متناقضة وحادة في صراعاتها المصيرية.

السفير اللبنانية في

18/02/2010

 
 

صالة لواحد

وجهة نظر يابانية في الإمبراطور هيروهيتو

محمد رُضا

فيلمان من السينما اليابانية الجديدة تم عرضهما في إطار مسابقة مهرجان برلين السينمائي الذي تنتهي دورته الحالية في الحادي والعشرين من الشهر الجاري. الأول عنوانه "كانيكوسن" وهي كلمة يابانية غير مترجمة والثاني "يرقانة الفراشة" او "اليسروع" كما في المناجد. كل واحد من هذين الفيلمين له بالطبع أسلوبه وحكايته المختلفين كل عن الآخر، لكن الموضوع واحد في الزمان والمكان: الحرب العالمية الثانية وحكم نظام الإمبراطور هيروهيتو.

وهناك لقاء ثالث: كلاهما يساريان ينتقدان الحرب لجانب نقدهما النظام وأوّلهما يذهب لدعوى أن النظام الشيوعي هو الأجدى لليابان من سواه، في حين يبدأ الفيلم الثاني بـ "اللوغو" الخاص بشركة الإنتاج: نجمة حمراء على كاميرا مرفوعة كسلاح.

 فيلم "كانيكوسن" من إخراج سينمائي يطلق على نفسه إسم سابو، وأحداثه  تقع في البحر في مطلع الأربعينات. سفينة صيد  تشرف عليها شركة تبيع محصولها من الصيد الى الحكومة. داخل السفينة آلات لصنع المعلّبات تُدار عجلاتها الثقيلة باليد. وذلك ليس مصدر الشكوى، بل الطريقة التي يعامل بها أصحاب الشركة وأزلامها المعدودين كل البحّارة والصيّادين العاملين. الضرب والقتل والإذلال يستمر من مطلع الفيلم الى أن يخطب أحد البحارة في رفاقه طالباً منهم التمرّد والإضراب. كان هذا البحار هرب من السفينة فالتقطته سفينة صيد روسية وشهد على متنها بحارة سعداء يرقصون ويغنون ويُعاملون معاملة يتمنّاها لنفسه ولرفاقه فقرر العودة لنشر هذه المبادئ.

النهاية وخيمة هنا فهو سيدفع ثمناً لأفكاره الجديدة لكن الفيلم يوعز بأن الاضطهاد والفوارق الاجتماعية والطبقية هو بعض الأسباب التي أدّت لتفسّخ ثم انهيار النظام الياباني. الفيلم يذهب الى حد السخرية من المبدأ البوذي الذي يؤمن بالتقمّص ففقراء السفينة يحدوهم الأمل بالعودة الى الحياة بعد موتهم كأثرياء. ما لم تمنحه لهم الحياة الحاضرة سوف تمنحها لهم حياة أخرى على الأرض. كل ما على الواحد منهم أن يموت وهو يتخيّل نفسه من عائلة ثرية وسيعود كما تخيّل نفسه. إذ يعمد المخرج سابو (وكان هناك فتى هندياً مثّل في أفلام أميركية وهندية كثيرة في الخمسينات باسم سابو لكن لا علاقة لسابو هذا الفيلم به) الى هدم هذه الفكرة ينتقي مشاهد بعينها للسخرية منها. حين يتحدّث البحّار عن فقره ننتقل الى مشهد له في قريته يعكس ذلك الفقر، وحين يتخيّل آخر نفسه ثرياً، ننتقل الى مشهد له يلعب كرة اليد في ثياب بيضاء متوهّجة وبيئة مسالمة. تعبيرياً، هذه النقلات ساذجة وبدائية، لكن الإصرار عليها يضعها في لحمة الفيلم من دون تأثير سلبي على صعيد العمل بأسره.

إنه فيلم أجواء مكانية محدودة فمعظم الأحداث تقع في باطن السفينة باستثناء تلك اللقطات الصغيرة والسريعة المستخدمة للتعبير عن حلم او رغبة. لكن المكان الواحد لا يحد من قدرة الفيلم على استلهام الزمن الذي تقع فيه الأحداث والمخرج قد يبدو غير قادر على نسيج فني أرقى، لكنه بالتأكيد يعرف ما يقوم به وما يريد قوله وينجزهما في نجاح مقبول.

الرجل الزاحف

ينتهي "كانيكوسن" بموت البحّار الذي تأثر بالأفكار الروسية وأراد بث روح الثورة بين العمّال، وينتهي بطل "اليسروع" بالموت انتحاراً. ولو تم ذلك قبل نهاية الفيلم بساعة لانتهت معاناتنا نحن.

إنه فيلم خاص  للمخرج كوجي واكامتسو الذي أنجز 115  فيلماً او نحوها منذ العام 1963 وحقيقة أنه لم ينل عن أي منها أي جائزة رئيسية (حظي بخمسة جوائز هامشية وبجائزة من مهرجان طوكيو كأفضل فيلم في قسم "عيون يابانية" الجانبي عن فيلمه السابق "الجيش الأحمر" سنة 2007.

وهو مخرج لديه موقفاً سياسياً وطليعياً يعبّر عنه في مجمل أفلامه. مثل "الجيش الأحمر" فإن "يرقانة الفراش" يستعين بوثائقيات ويدور عن شخصيات تعاني من الوضع السياسي الذي فرض عليها خيارات قليلة. على عكس، هذا فيلم من 85 دقيقة  بينما أجبرنا "الجيش الأحمر" على الجلوس ثلاث ساعات. لكن خير الكلام ليس ما قل ودل هنا. هذا الفيلم الجديد فيه نحو ثلث ساعة من المادّة التي لا تتكرر حواراً او صوراً والباقي ذات الصور وذات العبارات ثم ذات المواقف تدور كما لو كانت ملصقة بدولاب  سيّارة تلف حول نفسها ولا تأتي، عند هذا الناقد على الأقل، بأي جديد يوسع إدراكاً او يضيف حالة جديدة فوق ما تم تسجيله من حالات.

يبدأ الفيلم بمشاهد وثائقية للحرب اليابانية- الصينية سنة 1940 ثم يدلف المخرج من تلك الوثائقيات الى مشهد حي نرى فيه ثلّة من الجنود اليابانيين يركضون وراء ثلاث فتيات صينيات. بطل الفيلم سيغتصب واحدة ويقتلها. مع انتهاء هذا الفصل التمهيدي ننتقل الى قرية لا يكترث المخرج لتصويرها حتى كديكور قد يُشيع بعض الراحة حين النظر اليها. ذلك الجندي عاد الى قريته مقطوع الأطراف مثل سلحفاة بلا قوائم. مشوّه الوجه. فاقد الصوت (وربما السمع) ولم يبق منه سوى البدن والرأس ... والرغبة الجنسية التي يفرضها، رغم ما هو عليه، على زوجته الصبورة والتي تعمل في حقل الرز وتطبخ وتطعم وتشرف على تنظيف زوجها وتلبية رغبته الجنسية.

الزوج بات يُعتبر الآن "إله الحرب". إنه أمر ساخر لكنه مؤلم معاً. القرية تنظر الى الزوجة كنموذج للتضحية لكن لا أحد، باستثناء المشاهدين، يعلم مدى تضحيتها الفعلية ومعاناتها النفسية التي تعيشها. في أحد المشاهد تهوي على صدر زوجها ضرباً متسائلة لم عاد من الحرب حيّاً. في أخرى تتظاهر أمام الناس بأنها سعيدة بالتضحية التي تقوم بها وتطلب من زوجها أن يشاركها الظهور (فوق عربة صغيرة وبلباسه العسكري) لكي تحصد إعجاباً أعلى من الناس.

كل ذلك جيّد ويحمل في طيّاته مادّة إنسانية وسياسية مهمة خصوصاً حين معاينة احتمال أن يكون الجندي رمز لليابان في الزمن الإمبراطوري والزوجة رمز للشعب الذي عانى من نظام الإمبراطور هيروهيتو الذي انتهى حين استسلمت اليابان للقوات الأميركية في صيف 1945 بعد إلقاء قنبلتين نوويّتين عليها. أمر يذكره الفيلم في النهاية مع مزيد من الوثائقيات. لكن عند هذا الحد ومع ذكر عدد الضحايا اليابانيين كما سواهم في الحرب العالمية الثانية (بالملايين طبعاً) تجد نفسك لا تزال تتساءل عما إذا كان من الكافي أن تأتي وجهة الفيلم اليسارية والمعادية للحرب في الدقائق الأخيرة من الفيلم لتقديره حق قدره.

كوجي واكامتسو  يستخدم التفعيلة الواحدة مرّات كثيرة. لديه وضع إنساني مؤلم (ومؤلم بالنظر اليه) وبضعة رموز ينتقل اليها صوتاً او صورة طوال الوقت، كتلك الكلوز أب لمقالة تشيد بالمجنّد العاجز وتصفه بالبطل القومي، او مثل تلك النياشين او تلك الوثائقيات. او كالعودة الى مشهد الاغتصاب لتأكيد دوره وفعله. او مثل تكرار الزوجة القول لنفسها او له "أنت لا شيء تفعله سوى الأكل والنوم، الأكل والنوم، الأكل و....". البعض قد يرى هنا ضرباً من النجاح في إيصال رسالة، لكن بالنسبة لهذا الناقد فإن الأمر لا يعدو حشواً لموضوع كان يجب أن يُعبّر عنه إما بتوسيع إطاره ليضم شخصيات وأحداث أكثر (لا يعني ذلك فيلماً كبير الحجم) او لمعالجة فنية راقية كما الحال مع فيلم ألكسندر زوخوروف "الشمس" الذي أشبع الشاشة بخطابه حول اليابان والفترة ذاتها ولو في حدود متابعة الإمبراطور هيروهيتو في أيام حكمه الأخيرة. ذات المخرج، بالمناسبة، قدّم قبل ذلك فيلماً رائعاً بعنوان "أم وإبن" حول رجل وأمه المريضة التي لا تستطيع الحراك يعيشان في كوخ قرب نهر في البرية. على عكس هذا الفيلم، ينضح ذاك بالسكون الخلاّب والمشاهد المتأمّلة والجماليات المتكوّنة من موضوع تنجح العلاقات الإنسانية فيه بالبروز بأقل قدر من المحاولات.

الجزيرة الوثائقية في

18/12/2009

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2017)