كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 

الطبائع الأربع ليوسف في «عسل» التركي سميح قبلانأوغلو

الشــاعر يولــد فــي غفلتنــا

زياد الخزاعي 

مهرجان برلين السينمائي الدولي

الدورة الستون

   
 
 
 
 

لا تؤخذ جنايات الصبي يوسف، بطل جديد المخرج التركي سميح قبلانأوغلو «عسل»، الحائز جائزة «الدب الذهبيّ» في الدورة الستين لمهرجان برلين السينمائي (برليناله) مساء السبت الفائت، في انكفائه الذاتي وخرسه وتبصّره في عدم التداخل بين أقرانه، واعتبارها مثالب شخصية وانتقاصات تُشكّل كيانه اللاحق، الذي تابعنا فتوته ونضجه في القسمين الأولين «بيضة» (2007) و«حليب» (2008) من «ثلاثية يوسف السينمائية»، كما عنونها صاحب «بعيدا عن الوطن» (2000) و«سقوط الملاك» (2004).

ذلك أنه لا يشبه الآخرين في نواحي جذلهم ومسرّاتهم وخفّتهم ونزواتهم، ولا يتشارك معهم بنواصي النشاط الجسدي الذي يميّزهم ككيانات حيوية وولاّدة للبهجة. من الضروري التوكيد أن هذا الأمر لا يعني أن يوسف (أداء رهيف وفطري للطفل بورا ألتش) كئيب الشخصية وخاملها ومُملولها. بل هو يمتلك بصائر أخرى تقوده الى امتحان الحاجة العائلية إليه، عندما يسقط القدر الأسود لاحقاً فاجعته على أمه الشابة المتطامنة مع عزلتها الاختيارية إثر موت الأب.

قلبٌ ولسان

ليوسف أَصْغَران: الأول قلبه، الذي ينوس بأقصى المودّة لأبيه يعقوب (الممثل أردال بيشقشي أغلو)، باعتباره القدوة والحامي والمعلم والربّ الذي يُفترض أن لا موت يقترب من حدوده، بسبب توحّده مع طبيعة أخّاذة الجمال، ذات وداعة تساير إلى حد بعيد رقّته وصبره اللذين تتطلّبهما مهنته كصائد للعَسَّالات. والثاني لسانه، وهو العضو الذي يُعوَّج عندما يُجالس يوسف مجتمع أقرانه، لكنه لا يتردّد من التفوّه بنصوصه الشعرية الأولى التي تبشّر بقوّال مجيد في حسّيته الإبداعية وفرائدها اللاحقة، التي تزيّن مشهديات القسمين الأولين لثلاثية قبلانأوغلو، وهو في حضرة أبيه، أو أمام لوحة السور القرآنية. يبدو تلكؤ لسان يوسف كأنه تبرير عقلاني إلى خشيته من هزاءات الصغار حوله، التي نشهدها في الصف المدرسي، الذي يمكن عدّه المكمن الجماعي الوحيد الذي يتواصل فيه البطل مع محيط نابض، في مقابل خضوعه المطلق للهدوء المنزلي الضارب من حوله، وخرس الغابة الذي يصبغ اصغاءاته بألوان عناصر طبيعتها كالريح وهزيزها، والنار وهسيسها، والرعد وهديره، والمطر وهطوله، ومياه الجداول القريبة وخريرها، وحركة أوراق الشجر وحفيفها، وطيران الحشرات وطنينها، وهبّات الطيور وصفيرها، ودفقات الهواء وهفيفه. إن يوسف وليد فطرتها. متحصّن بظواهرها. وهو أقرب إلى رعويتها من التمدين الذي يُفرَض عليه في الجلسات المدرسية. يمتلك يوسف ذهنا وقّادا يتمكن من خلاله من تفسير الأشياء من دون أن يتكلم، لينتزع من اللسان مهنته كشارح للمحيط وأشيائه. من هنا، يفهم مُشاهد فيلم قبلانأوغلو الثراء الصوري الذي احتفى به (تصوير نادر لباريش أوزبيتشر) واتّخاذه كوسيط لمعايشة أحوال العائلة الصغيرة التي تُنكب لاحقاً بوليها، الذي يسقط إلى حتفه من حبله الذي يربطه بخلية النحل الرابضة في العلو الشاهق للشجرة الباسقة. إن تأكيدنا على التوصيفات الطبيعية السابقة يأتي بسبب تحوّلها إلى مجازات كيانية للطفل يوسف، الذي نراه في المشهد الختامي وهو يدخل متاهاتها وظلمتها، أثناء بحثه عن موقع الفاجعة، ليودّع مشاهده وهو نائم داخل جذع شجرة معمرّة، تحوّل إلى رحم طبيعي هائل يحتضن وليده العائد الى أمانه.

طبائع

لا يجزع المخرج الموهوب قبلانأوغلو من إعادة تصوير بطله الصغير مرّات كثيرة وسط الطبائع الأربع. فكلّها مكمّلات إلى مواجهاته مع الآخرين، ومثلها مفردات حياته:

أولاً: تتحوّل «الحرارة» إلى محرّض لدفقه اللغوي، حين يكون مع أبيه في مشهد الغرفة، حيث يهمس الوالد في أذن صغيره أن «لا ترفع عقيرتك بأفكارك»، بالإضافة إلى مشاركته جدّته في القراءات القرآنية ضمن الاحتفال الشعبي بليلة المعراج.

ثانياً: تتناظر «البرودة» مع عجزه في فهم اختفاء اللعبة التي ولع بها من أحد رفوف مخزن والده، على الرغم من حرصه على متابعة رصف قطعها الخشبية. ومثله المشهد الساحر حين يفشل يوسف في الإمساك بانعكاس القمر على سطح ماء السطْل.

ثالثاً: تتماشى «الرطوبة» مع الاجتماع البشري الذي يقود يوسف ووالدته الى موقع العيد الشعبي، حيث كان من المحتّم عليه أن يضيع بين الجماهير الغفيرة. ذلك أنه فرد من بينهم، لا يكترث به أحد، ليس بسبب عمره وطلّته، بل لكونه هلاما لفكرة ضياع لا تريد أن تكتمل إلاّ بتوحّده لاحقاً مع الخطوات الأولى التي تقوده إلى عمق الغابة الكبيرة، مصحوباً بعقاب والده الذي يطير حول موقع الحادثة من دون أن يدله إليه.

رابعاً: فيما تنعكس «اليبوسة» في أجواء مخاتلات الحظ وعثراته ليوسف، عندما يسعى جاهدا للحصول على شريط التقدير الذي يعلّقه المعلم على صدر طلابه النجباء، تبقى «اليبوسة» مرادفة الى نظرات البطل الصغير وتلهّفه الى ما في المَرْطَبان الزجاجي من علامات الفوز، التي تتناقص لصالح أقرانه، قبل أن يفوز بآخر واحدة منها في نهاية الدقائق المئة والثلاث مع التصعيد العاطفي ليتمه المفاجئ والحزن الذي يخيّم على التجمّع السكاني المعزول، الأمر الذي يجعل من «التبرع» بالشريط مواساة واجبة ليوسف، على الرغم من فشله في استكمال شجاعته لقراءة النص البسيط حول فأرته.

لا يستقيم فهم المراد الايديولوجي من «عسل»، الذي أخفاه المخرج قبلانأوغلو بحنكة درامية، إلاّ عبر مقاربة البعد الديني في ثلاثيته ككل. إذ عمد الى ضخّ إشاراته داخل طقوس جماعية، يظفر يوسف بمحاسنها في وقت متأخر على الدوام. ففي «حليب»، يتحوّل تخثره إلى استعارة تبيّن للبطل أن الإيمان بالقدرات الشخصية يقوده، بحسب قدره المرسوم، إلى مراده الأكبر: نشر قصائده وتأكيد إبداعه. وفي «بيضة»، يتحوّل هروب الأضحية بموت والدته، على الرغم من الحاضرين، الى تبرير لإعادة الحب والشراكة مع المعشوقة عالية. في حين تفسح سقطة أبيه، إثر خيانة الحبل الذي جدله بيديه في «عسل»، المجال للوقوع في جُبّ التوحّد المفاجئ، على الرغم من اجتماع القرية للمشاركة في المُصاب. وبما أن لا شراكة أخوة، كما هي الحالة في حكاية النبي يوسف، التي أشار إليها قبلانأوغلو، فإن البطل الصغير يعود بمفرده الكلي إلى منبت البشرية ووعائها: الطبيعة.

يشاكس «عسل» اختزالات سينمائية تبحث في معاني الوجود التي تأخذ أشكالا تعبيرية وحيوية، تمسّ في مجملها قيمة العمل وأشغاله وحرفه. فالأب لا يبتعد عن أشجاره ونحلها وعسلها. وهو، كما النبي يعقوب وابنه يوسف، لا يتخلّى عن دابته التي تبقى حارسة لجثمانه بعد سقوطه، لتُثبت ضمن الحكاية أنها حارسة عمله. بينما تجتهد الأم زهرة (تولين أوزين) في نشاطها اليومي وسط حقول الشاي، لتمثل همّة العمل. أخيراً، يكون تشكل الشاعر في وعي البطل الصغير عملا مظمرا (رأينا منتهاه جليا في المقطعين السابقين)، يفوقه تحايله على الالتزام العام الذي تجسّد في المشهد الذكي، عندما يخطف يوسف دفتر الواجب البيتي المنجَز لزميله في القسم الدراسي، متفاديا العقاب. فالشاعر يولد في غفلتنا وحسباننا.

)برلين(

السفير اللبنانية في

25/02/2010

 
 

موضوعان هيمنا على أفلام المسابقة في مهرجان برلين السينمائي.. السجن والإسلام

«شهادة»، «على طريق الهداية»، «اليهودي الجميل».. السياسة في خدمة الفن

نديم جرجورة/ برلين

شكّلت النتائج النهائية للمسابقة الرسمية الخاصّة بالدورة الستين لمهرجان برلين السينمائي (برليناله)، التي أُعلنت مساء السبت الفائت، مادة لنقاش نقدي يطال أفلاما فائزة، وأخرى غابت عن اللائحة الأخيرة هذه. لا ترتبط المسألة بـ «محاكمة» النتائج التي أعلنها أعضاء لجنة التحكيم، برئاسة الألماني فارنر هرتزوغ. المهتمّون بالفن السابع لا يكترثون لمسابقات تنتهي بمنح جوائز لأفلام من دون سواها. القناعة ثابتة: النتائج النهائية خلاصة أمزجة نابعة من هواجس أعضاء لجان التحكيم. خلاصة مناقشات محصورة بعدد قليل جداً من أهل المهنة. لكنها لا تعني أن الفوز دائمٌ للأفضل، وأن الخسارة حكرٌ على الأسوأ. أفلام عدّة لم تفز بجوائز من مهرجانات متفرّقة، نالت إعجاباً جماهيرياً وسجالاً نقدياً، لاحقاً. ما حصل في الـ «برليناله» مشابهٌ تماماً لما يحصل في المهرجانات السينمائية ذات المسابقات الرسمية.

أسئلة

في برلين، هناك هاجسان اثنان سيطرا على أفلام مختارة للمسابقة الرسمية، من بين هواجس أخرى (الموت. التمزّق النفسي. العزلة): السجن والإسلام. فاز الأول بجائزة واحدة بفضل الفيلم الروماني الجميل «إذا أردتُ أن أصفّر، فسأصفّر» لفلوران ساربان (الجائزة الكبرى للجنة التحكيم، وجائزة مؤسّس المهرجان ألفرد باور). غابت أفلام «الإسلام» عن اللائحة. طرح الأول أسئلة إنسانية بالغة الأهمية، كالوجود والانتماء ومقارعة المصائر الخفيّة والعلاقات المشوّهة بالذات والآخر والرغبة في الخلاص والعجز عنه. لم يغب الثاني عن أسئلة كهذه، لكنه طرحها انطلاقاً من واقع جغرافي واجتماعي وثقافي لمسلمين، متديّنين أو غير متديّنين، مقيمين في دول غربية (ألمانيا مثلاً). السجن عالم فسيح وثري بالمعطيات الدرامية القابلة لنسج حكايات جمّة، ولرسم ملامح متفرّقة. الإسلام أيضاً. أو بالأحرى المنتمون إليه قادرون على قول وقائع معيشة، بعيداً عن مقولة الضحية (المسلمون ضحايا عنصرية غربية، أو متّهمون غالباً بالإرهاب... إلخ.)، وقريباً من واقعية العيش على التخوم القاسية للحياة. الأول (السجن) فضاء مفتوح على الاحتمالات المختلفة، التي يعاني المرء تداعياتها، أو التي تدفعه إلى مزاولة نمط وسلوك حياتيين، لا يختلفان كثيراً عن النمط والسلوك اللذين يُمكن لأي إنسان آخر أن يمارسهما في حياته اليومية. مع أن الاختلاف بين السجين والمقيم خارج السجن، بالمعنى المباشر للكلمة (هناك أشكال متنوّعة للسجن، معنوية وفكرية واجتماعية ودينية وحياتية، قد تكون أقسى وأصعب، تناولتها أفلام عدّة)، لا يكمن في الجرم المادي. الاختلاف مشابه تماماً لأي اختلاف قائم بين شخصين أو أكثر. الثاني (الإسلام) حيّز فكري وثقافي وحضاري منح المنتمين إليه نمطاً وسلوكاً خاصّين به. لكن المنتمين إليه أنفسهم قابعون في مآزق شتّى، ليست نابعة دائماً من انتمائهم إلى هذا الدين من دون سواه، بل لأنهم عائشون في مجتمعات مختلفة عن ثقافتهم، أو مناقضة لهم. بمعنى آخر، تناولت أفلام مشاركة في الدورة الستين للـ «برليناله» قصص مسلمين مقيمين في الغرب، وروت تفاصيل عيشهم اليومي داخل بيئاتهم/ عزلاتهم الخاصّة، المتاخمة للبيئات الغربية المقيمين فيها.

اختزل فيلما «شهادة» للأفغاني الأصل الألماني الولادة والجنسية برهان قوربان و«على درب الهداية» للبوسنية ياسميلا جبانيك المسألة، بالقول إن المسلمين ليسوا جميعهم إرهابيين، وإن لديهم مشاكلهم الداخلية كأناس عاديين، وإنهم مقبلون على الحياة وسط انكسارات وخيبات جمّة، تحاصرهم في مغترباتهم ومنافيهم الغربية (شهادة)، أو في بلدانهم المفتوحة على حروب طائفية ونزاعات جغرافية وإتنية لا تنتهي (على درب الهداية). في الفيلم الأول، انتقل إمام المسجد فيدات (فيدات ايرنسين) من حالة تشدّد أقصى في علاقته اليومية بعائلته، إلى انفتاح وتسامح مذهلين، إثر وفاة زوجته. في الفيلم الثاني، عثر آمار (ليون لوتشيف) على خلاصه، الروحي والنفسي، بالانتماء إلى جماعة إسلامية متشدّدة، ليس فقط بهدف ممارسة إيمان عادي، بل بالانتقال إلى وظيفة أساسية في عمل ميداني لهذه الجماعة. في «شهادة»، هناك شخصيات عدّة منقلبة على نفسها وعلى بعضها البعض: ابنة الإمام حامل من دون زواج، تُجهض جنينها وتعاني آلاماً مبرحة، فتذهب إلى الله بانفعال المثقَل بذنب لا يُغتفر. الشاب الصومالي المؤمن والملتزم دينياً مثلي الجنس (أوجد هذا الواقع لديه عقدة نفسية ومأزقاً وجودياً). الشرطي المسلم يُعاني ألم قتله جنيناً عن طريق الخطأ، ووالدة الجنين تخبره أنها وجدت فيه خلاصاً من جنين لا تريده، أي ان الشرطيّ «استجابةٌ لدعائها». شخصيات منكسرة ومتألمة ومسحوقة ومنغلقة وملعونة، وحالات مفتوحة على مزيد من الخراب والوجع. وفي «على درب الهداية»، لم تنجح علاقة الحب بين آمار ولونا (جرنيكا جفيتسبتش)، لأن الانقلاب المدوّي في ذات آمار أقوى من أن تبتلعه الشخصية القوية التي امتلكتها لونا، والتي دافعت عن حريتها حتى اللحظة الأخيرة. ففي المشهد الختامي المصوَّر، كما مشاهد عدّة في الفيلمين معاً، بطريقة بديعة وقاسية وبسيطة، طلب آمار منها العودة إليه، لكنها أجابته ببساطة: «عد أنت إليّ». كأن اللحظة هذه إعلانٌ عن ضرورة استعادة التوازن الذاتي، كي تستقيم الحياة، ويُحصَّن الحبّ. فالحياة أهمّ من أن تقع أسيرة تزمّت وانغلاق، مهما كانت الأسباب والوقائع. والحبّ أجمل من أن يُغتَال على باب معبد، أو داخل دائرة ضيّقة من أناس باتوا آلات تردّد خطباً وشهادات، ولا تفقه شيئاً من أمور العيش العصريّ.

سياسة

على نقيض ما ذهب إليه بعض متابعي أيام الـ «برليناله» هذه، لم يُحدِث الفيلمان صدمة، ولم يُثر أيٌّ منهما جدلاً أو نقاشاً مختلفا عن أي جدل أو مناقشة متعلّقة بالأفلام الأخرى. بعض العرب اعتبر أن «شهادة» مثلاً أحدث ضجّة كبيرة، هي، في الواقع، شبيهة بأي ضجة يُحدثها أي فيلم جميل ومتقن. فالفيلمان مشغولان بحرفية لافتة للانتباه، وبعيدان عن كل خطابية فجّة، ومتحرّران من سطوة الأحكام المسبقة. إنهما منسجمان وسلاسة السرد الدرامي المرافق لتطوّر الأحداث والشخصيات، ومتلائمان ومنطق صيرورة الأمور. مع هذا، ارتأت لجنة تحكيم فارنر هرتزوغ أن تذهب خياراتها إلى أفلام أخرى، فمنحت «الدبّ الذهبي» للفيلم التركي «عسل» لسميح قبلانأوغلو، مبتعدة قدر الإمكان عن أفلام ذات طابع سياسي، كالفيلم الإيراني «الصيّاد» لرافي بيتس، المفرط بشفافيته السينمائية وجمالياته الباهرة في قراءة اللحظة الإنسانية والتحوّل الدراماتيكي الذي أصاب علي (بيتس نفسه) إثر مقتل زوجته وابنته خطأ على أيدي رجال الشرطة، أثناء مطاردتهم مطلوبين فارّين. لكن السياسة حاضرة في مكان آخر. فالفيلم الأخير لرومان بولانسكي «الكاتب الشبح» أعاد رسم صورة سلبية عن سياسيي الحقبة البوشية التي أشعلت نار القتل في العراق، بعد أفغانستان، وقدّم شهادة سينمائية عادية عن التورّط السياسي في تصفيات أشار إليها الفيلم بوصفها «جرائم حرب» (اتّهامات مبطّنة ضد توني بلير). والسياسة حاضرة أيضاً بمنح «الكاتب الشبح» جائزة «الدبّ الفضي» لأفضل مخرج: بولانسكي قابعٌ في إقامة جبرية في غشتاد في سويسرا لأنه مطلوب لـ «العدالة» الأميركية. الجائزة انعكاس لموقف تضامني معه، على الرغم من أن الفيلم عاديّ، قياساً إلى السيرة المهنية لبولانسكي، ومقارنة مع الأفلام الأخرى في المسابقة.

السياسة أيضاً. لكنها ممزوجة بفصل دموي من التاريخ الألماني. «اليهودي الجميل، النهوض والسقوط» لأوسكار رولر. النازية في جانب من عنفها. جوزف غوبلز (موريتز بليابترو) سيّد الشاشة. حركته متوترة. نظراته ثاقبة وحادّة (أكاد أقول قاتلة). ضحكته مدوّية، قادرة على إنزال الرعب في نفوس وعقول. مشيته مثقلة بعرج، لكنها محمّلة بخليط من خبث المنظّر الإيديولوجي والمروّج الإعلامي، وصرامة العسكري، وثقافة العنصريّ. فيلم عن غوبلز، وليس عن النازية. هذا وصفٌ أول. إن لم يكن الأبرز. فعلى الرغم من أن «اليهودي الجميل» انعكاس لسيرة الممثل فرديناند ماريان (توبياس موريتي)، عاشق شكسبير، والعاجز عن إكمال مسيرته الفنية المسرحية، لأن النازية محتاجة إليه، بل غوبلز محتاج إليه؛ إلاّ أن الفيلم سرد فصولاً من آلية اشتغال غوبلز، ونزقه وحضوره وسطوته. إنه العام 1940. اختار غوبلز الممثل ماريان لتدميره. هناك حقد خفي. أو غضب. أو نقمة. رغبة غوبلز في تبييض وجه النازية إزاء اليهود دفعه إلى اختيار ماريان لتأدية دور البطولة في فيلم يصوّر سيرة يهودي يهتاج الشعب عليه، لخبثه وقدرته على إثارة المآزق. فيلم داخل فيلم. لعبة ذكية. الأبيض والأسود أساسيان. الفيلم الأول من توقيع المخرج النازي فايت هارلن (يوستوس فون دوناني). الفيلم الثاني من توقيع المخرج الألماني أوسكار رولر (مواليد 1959). السياق مشوّق وقاس. درب جلجلة بالنسبة إلى ماريان، من نقطة البداية (النهوض) إلى لحظة الختام المأسوي (السقوط). درب انتصار جديد حقّقه غوبلز، بفضل شراسته في الترويج الإعلامي، وبفضل براعته في إلقاء الخطب، بل في كتابتها في عقله، والنطق بحروفها وكلماتها بأسلوب مسرحي لا يخلو من تهديد مبطّن، وبنبرة عالية تثير خوفاً وقلقاً. الرحلة لا تتغاضى عن ثنائية النهوض والسقوط، بالنسبة إلى النازية أيضاً. كأن العنوان الفرعي قراءة لحكم هتلر.

####

كلاكيت

الكاتـالوغ

نديم جرجورة

يُشكّل الـ «كاتالوغ» الخاصّ بالمهرجانات السينمائية (وغير السينمائية) جانباً أساسياً من العمل الصحافي والإعلامي. إنه الأداة الأولى للتواصل بين النقّاد والمهرجان. يُفترض به أن يكون أنيقاً، شكلاً ومضموناً. إنه واجهة المهرجان. أو بالأحرى إحدى واجهاته الأساسية. المعلومات مهمّة. يُفترض بالقيّمين على إنجازه اعتماد الدقّة القصوى. لا مجال للخطأ، وإلاّ تقع الفضيحة. المهرجانات الغربية تولي الـ «كاتالوغ» أهمية رئيسة. تبحث دائماً عن أفضل شكل ممكن. عن أجمل تزيين. هذا جزء من ثقافتها المتكاملة. احترام السينما جوهريّ. الـ «كاتالوغ» أساسي في هذا المجال. فعلى الرغم من بساطة المعلومات وقلّتها (ملخّص عن كل فيلم. نبذة عن كل مخرج. لائحة بأسماء الممثلين والتقنيين. عناوين شركات الإنتاج والمخرجين)، يتباهى مصمّمو الـ «كاتالوغات» بإنجازاتهم هذه. الغلاف. نوعية الورق. حجم الحرف والكلمة. الطباعة. تنسيق الفقرات. إبراز الصوَر. هذه ليست تفاصيل عابرة. إنها الجوهر. الـ «كاتالوغ» نفسه جوهر. لكن شركات إنتاج وتوزيع لا تكتفي به. توزّع مطبوعاتها الخاصّة بأفلامها. هنا أيضاً، المطبوعات مهمّة وضرورية.

المهرجانات السينمائية الدولية معتنية تماماً بـ «كاتالوغاتها». في «كان»، هناك أكثر من واحد، لأن هناك أكثر من برنامج أساسي: المسابقة الرسمية. أسبوعا المخرجين. نظرة ما. في برلين، المسألة مختلفة. «كاتالوغ» واحد ضمّ البرامج كلّها. النتيجة: كتاب ضخم بأربعمئة وأربع وستين صفحة. بساطته جاذبة. المعلومات فيه مختصرة. مكتوبة هي بثلاث لغات، الألمانية والإنكليزية والفرنسية. اختزال الحبكة الدرامية لا تلغي إمكانية سرد معلومات إضافية عن تفاصيل جانبية، أحياناً. المعلومات مفيدة. الناقد محتاج إليها. أو ربما لا يحتاج إليها. لكن إدارة المهرجان قامت بواجب مهني سوي ومهمّ. قامت بشقّ جوهري من العمل الإعلامي الترويجي الخاص بها.

هذا غير وارد في المهرجانات العربية. نادراً ما يعثر الناقد على مبتغاه. الـ «كاتالوغ» العربي كارثة. أخطاء لغوية ومطبعية. نقص في المعلومات أو تشويه لها. لا ثقة له بها. لا أحد يتحمّل مسؤولية عمله. الفوضى مطلقة. الشكل المعتمد سيئ. كتابة النصوص لا تملك حدّاً أدنى من السوية المطلوبة. الطباعة. الصوَر. التزيين. خليطٌ من عشوائية ولامبالاة وانعدام أدنى إحساس بمفردات المهنة. الأمثلة كثيرة: دمشق. القاهرة. قرطاج. مهرجانات مغربية عدّة. في بيروت، الأمر مختلف. مهرجانا دبي (الدولي والخليجي) مثلاً. هناك اتزان ورونق ما. هناك حرفية متواضعة. هناك مسؤولية. صدور الـ «كاتالوغ» بعد أيام عدّة على افتتاح دورة ما، أمر اعتيادي في مهرجانات عربية مختلفة. في الغرب، المسألة محسومة. لا يُمكن، بأي شكل من الأشكال، ارتكاب أخطاء. المهنة متطلّبة، لهذا يتمّ توظيف أناس كفوئين. المهرجانات العربية تعاني أزمات شتّى، أبرزها: توظيف أناس غير كفوئين، في المجالات كلّها تقريباً.

لا يتعلّق الأمر بالتكلفة المالية فقط. مهرجانات عربية عدّة تُصرّح إداراتها دائماً بوقوعها في أزمات مالية. الـ«كاتالوغ» محتاج إلى أدوات أخرى: مهنية عالية وإحساس بالمسؤولية. أمران مفقودان في غالبية المهرجانات العربية.

السفير اللبنانية في

25/02/2010

 
 

تحت الضوء

مَن "الصياد" في فيلم المخرج الإيراني رفيع بيتس ؟

طـــهـــــران،  الــســـنــة  صــفــــر !

برلين - من هوفيك حبشيان 

الصورة الفوتوغرافية المستخدمة في جنريك رائعة المخرج الايراني رفيع بيتس "الصياد" (المعروض في مسابقة مهرجان برلين 2010) يقول عنها مخرجه انها التقطت عام 1980 بعدسة منوشهر دغاتي، وهي تُري مجموعة رجال من حراس الثورة الاسلامية على دراجات نارية. تظهر الصورة احتفالهم بالذكرى الاولى للثورة. منذ اللحظات الاولى لـ"الصياد"، يحرص بيتس على عدم جعل بطش السلطة يستدر العواطف، بل يتعامل معه ببرودة لافتة. برودة وجفاف سيظلان يرافقاننا طوال 90 دقيقة. "انها صورة عدائية جداً تحتفي بحدث على قدر عال من العنف. جيلي تربّى على هذه الصورة التي تؤطر التوتر المجسد في وضع علي (شخصية الفيلم الرئيسية) وأولاد جيله. الفيلم برمته تأملٌ في التوتر الحاصل اليوم في ايران بسبب الوضع الذي وقعنا فيه. الباسدران عادوا، لكنهم هذه المرة باتوا يهاجمون المدنيين العزّل الذين يريدون التعبير عن انفسهم. ثلاثة عقود مرّت على الثورة. السؤال الكبير اليوم في ايران: هل سُرقت منا تلك الثورة؟".

ركّز بيتس على الصيد بغية استكشاف الضغط على مجتمع اشبه بقنبلة موقوتة. بحسبه، يمكن اعتبار الصياد هو الشخصية الأساسية علي، لكن ثمة تجليات أخرى لذلك. في آخر الفيلم يسأل المشاهد: مَن الصياد؟ مَن يقتل الشرطي انتقاماً، أم مَن يتصدى للارادة الشعبية خوفاً على "مصلحة الدولة العليا"؟ شرح بيتس: "أحد العناصر المهمة في عملي السينمائي هو ترك المجال مفتوحاً امام التفسيرات المختلفة. أحاول دائما تحميل الأشياء اكبر قدر من المعاني. في ايران عندما ندعو احدهم الى العشاء نحاول أن نقدم اليه أكبر قدر من الوجبات. لكن خلال العشاء لا نقول له ماذا عليه ان يأكل، وهو حر في اختيار ما يريد. أملك السلوك نفسه تجاه الافكار التي اقدمها في فيلمي. أحترم المشاهد عبر تركه يختار ما يراه مناسباً له".

بالنسبة الى بيتس، فشخصية علي هي أشبه بقنبلة موقوتة قابلة للانفجار في كل لحظة، شأنه شأن الوضع الايراني الراهن. فما إن يخرج من السجن حتى يُرمى في المجتمع، لكن من دون ابداء حماسة لإعادة الانخراط في هذا المجتمع. لا نعرف في الفيلم الأسباب التي دعت الى سجنه، وهي على الارجح اسباب سياسية. الأهم بالنسبة الى المخرج ان علي حُشر اليوم في مكان بحيث يمنعه عمله الليلي من تمضية المزيد من الوقت مع عائلته. واذا اضفتم البيئة التي يعيش فيها، فإن علي بات فعلاً قنبلة موقوتة. فمن الطبيعي والحالة هذه، ان ينتهي به الامر جارحاً أم مجروحاً.

علي يعيش في بيئة مدينية خالصة. بيتس يعرف كيف يصوّر تلك البيئة ولا سيما في اللقطات الاولى المتعاقبة. سواء تصويراً أم مونتاجاً أم تأطيراً أم روحاً، ما نراه هو أجمل تصوير لمدينة منذ زمن طويل. أفضل بكثير من اللقطة الافتتاحية لمدريد في "حدود التحكم" لجيم جارموش. السبب في ذلك، انه يملك رؤية أخرى لمدينته طهران وهي، كما يعترف في الملف الصحافي، تثير دهشته. "بقدر ما يدعو ذلك الى السخرية، ارى ان طهران اليوم تشبه الى حد كبير لوس انجليس. بعد الثورة شيِّدت طهران لتكون فيها خطوط سريعة. اليوم الطهرانيون يلقبونها بـ"طهرانجليس"! النتيجة: لدينا مجتمع حداثي يمضي معظم حياته في السيارات، ذهاباً واياباً من بيته الى عمله. هذا الشيء ولّد مونوبولاً اقتصادياً. من المثير رؤية كم من الممكن لمدينتين ان تتشابها، وهما في الاصل تتواجهان سياسياً. هذه البيئة المدينية المقرونة بالهم التكنولوجي لا يمكن الا ان ينتج منها المزيد من العزلة التي تأتي الى عالمنا الحالي بنوع من الجنون والانهيار".

علي هو كمن يضيع في مكانه. لا انتماء له لكنه جزء من البيئة الايرانية المعقدة جداً. علاقته بالمكان علاقة كراهية وحب في الحين نفسه. دخول المخرج الى طهران يشبه دخول حيوان الى الأدغال. للطبيعة حضور طاغ في الشق الأخير من الفيلم، ولا سيما الغابات. مدلولاتها كبيرة ويشرحها بيتس في السطور الآتية: "الاراضي في شمال ايران هي اراضي موت. شأنها شأن ما يشعر به علي ازاء بيئته المنكوبة. أكان في الغابة ام في المدينة، لا فرق كبيراً عنده. انه وحيد ومعزول في مكان لا يمنحه سبباً جوهرياً كي يكون على قيد الحياة. الغابة التي يلجأ اليها في نهاية الفيلم تقع في شمال ايران. انها على مسافة اربع ساعات بالسيارة. اخترتُ ان أصوّر في الشتاء. لم اكن اريد أوراقاً على الشجر. خيار أن يكون لون السيارة اخضر، متأتٍّ من تلك الفكرة. اردت ان تكون السيارة كورقة شجر خضراء. كنت اريدها رمزاً للحياة مقابل الطبيعة الميتة".

يؤمن بيتس بأن على المرء أن يعيش ملياً زمانه ويعتبر ان من المهم ادخال الديناميكية المعيشة الى العمل نفسه، خلال كل مراحل صناعته. التقطت مشاهد الفيلم خلال الحملة الانتخابية للرئيس احمدي نجاد، لكن بيتس فوجئ لاحقاً عندما اكتشف ان الفيلم يحمل علامات زمانه الفارقة. انتهى التصوير قبل نتائج الانتخابات في حزيران 2009 لكن هناك تشابهاً كبيراً بين التوتر في الفيلم وما حصل بعد انجلاء نتيجة الانتخابات، أي أن هناك شكلاً من أشكال الحوار القائم على نوع من كيمياء بين ما يدور على الشاشة وما دار في شوارع طهران. خيار الأخضر للون السيارة جاء قبل تأسيس نشاطات حركة "الخضر" المناهضة للانتخابات، ويقول بيتس انه يمكن اعتباره مصادفة، لكن هو ينظر الى هذا الشيء من منظار مختلف. بالنسبة اليه أن الديناميكية الحاصلة بعد الانتخابات خرقت الفيلم.

ليس "الصياد" فيلماً يضع السياسة في المقام الثاني لاهتماماته، بل هي جزء حيوي منه. المشهد المؤسس حيث نرى علي يقود سيارته ويستمع عبر الراديو الى خطاب المرشد الأعلى للجمهورية الاسلامية علي خامنئي والذي يتكلم فيه عن التغيير، قد يقرأ كردّ ساخر على التغيير الذي اقترحه باراك اوباما خلال حملته الانتخابية. لا يوفر بيتس خامنئي من سخريته المبطنة والهدامة. اصلاً هذا شيء يعترف به من دون تردد: "هناك سخرية تجاه خطابه ولا سيما مع ما فعله خلال الحملة والتظاهرات التي شهدتها ايران. لا يمكن مناقشة كل الشؤون في فيلم من 90 دقيقة. السخرية المبطنة هي طريقتي في مساعدة المُشاهد على فهم بعض الحقائق. أدعو ايضاً بعض الناس الى اعادة الاستماع الى ما قالوه بقدر اكبر من الدقة. مهنتي هي ان اسأل. لا اؤمن بضرورة منح الأجوبة لكن يبدو أن مَن يحاول في ايران طرح الاسئلة يصبح في عداد المجرمين".

"الصياد" هو ايضاً فيلم كبير عن الوقت الضائع. علي هو التجسيد البهي لمجتمع ينتظر أن يعيش. وهو ايضاً جزء من مجتمع حداثي لا يملك وقتاً لإضاعته. انه مجتمع يريد الاجوبة وهو يريدها الآن. بحسب المخرج، في ايران اليوم 70 في المئة من المجتمع هم ناس اعمارهم تحت الـ30. "هؤلاء الشباب لا يملكون الصبر. انه جيل بلا مستقبل. زوجة علي يمكن اعتبارها الجزء المسلوب من المجتمع. على رغم المعاناة، لديها الشجاعة، كالكثير من الايرانيات اليوم، في النزول الى الشارع والتصدي للظلم. هذا جيل مستعد للموت لأنه لا يملك شيئاً ليخسره. البيروقراطية، في أي مكان كانت، تؤدي الى توليد الكبت في الانسان. لا تُحصى اللحظات الضائعة التي أمضيناها في عالمنا الكافكوي. في ايران نضطر الى اضاعة الكثير من الوقت ونحن نحاول فقط تقصي بعض المعلومات. بالنسبة الى قنبلة موقوتة مثل علي، هذا خطأ كبير. في خلال بحثه عن زوجته وإبنته الصغيرة، يضطر الى تمضية ساعات في مقر الشرطة. هذا يزيد من حدة الضغط الذي كان وضع تحته أصلاً".

حتى قبل أن يخسر زوجته وابنته، يشعر علي بضغط المجتمع والسلطة عليه. الشرطة المنتشرة في كل مكان، يشار اليها كعدوّ قاتل وهو رمز للجسد الحاكم ذي الهيبة والسلطة. علي يكره ذلك الرمز، لكن عندما يأخذ وضعية القناص يبدو كأنه يريد اطلاق الرصاص بشكل عشوائي. لا نعرف ما إذا كان قنبلة موقوتة خرجت من طورها أم انه يريد الانتقام من الشرطة. بالنسبة الى بيتس، ما يأخذنا الى الجزء الثاني من "الصياد" هو السؤال الآتي: هل لعلي الحق في القتل حتى لو كان ذلك انتقاماً لعائلته. "القتل شيء مروع مهما تكن أسبابه. أردت أن أعبّر عن ذلك بالصمت حين تقع ضحية علي ارضاً".

"الصياد" في نهاية المطاف، بالاضافة الى اسئلته السياسية العلنية والمفتوحة، ليس سوى دعوة الى النظر من ثقب الباب الايراني، لكن من دون تلصص، ومع جرعة من الاستفزاز المبطن والمطلوب. انه ايضاً دعوة الى اعادة التفكير في مكنونات مجتمع مقسوم بين مَن يمثل السلطة ومَن يمثل نقيضها. عن هذا يقول بيتس: "نميل الى النسيان ان الناس أفراد. المجتمع يحب تجميع الناس وتصنيفهم. الفردية مفقودة. إذاً، عندما التقينا الشرطي الذي يلقي القبض على علي، حاولت أن نرى الفرد الموجود خلف اللباس العسكري. هؤلاء العسكر أشخاص متواضعون لكن لكل واحد منهم دور يجب أن يؤديه. كل واحد منهم يعتقد أنه يقوم بما ينبغي فعله. واحد يختار الشرطة، آخر يضطر الى الانضمام الى صفوف الجيش. وهناك مَن هم مثل علي، فقدوا كل شيء. الثلاثة ضائعون عبثاً، في نوع من متاهة ستقودهم الى مصائرهم وحتميتهم. الفيلم هو أصلاً مصنوع كمتاهة".

في أول يوم تصوير، بدا الممثل الذي كان اختاره بيتس للإضطلاع بشخصية علي صعب المراس، اذ تأخر ست ساعات على الموعد. قرر اثر ذلك أن يحل مكانه كي ينقذ الفيلم. اذاً في أول يوم تصوير له، وجد نفسه يقوم ببطولة فيلم تولى اخراجه. "ما ألبسه في الفيلم هو ما كنت ألبسه في ذلك اليوم. بطريقة ما، أصبح الفيلم هو فيلم مخرج يداه مكبلتان لأنه ليس في وسعه أن يقول ما يود قوله في فيلمه. "صياد" - العنوان - يمكن أن يكونه ايضاً المخرج. مع الفرق ان في يده كاميرا بدلاً من البندقية. أن تقف أمام الكاميرا وخلفها في آن واحد، شيء أشبه بـ"دكتور جاكل ومستر هايد". تجسيد علي أخذني الى مكان مظلم جداً، كان مؤلماً، وصعب عليَّ الخروج منه. أدركت ايضاً أن ما يعجبني في مهنة الاخراج هو تصوير الآخرين".

####

نقد

ديفيد فينتشر حين يدير ظهره ويختفي في ظلام الشاشة

تراكمت المشاريع على طاولة ديفيد فينتشر، ما جعله حائراً من امره. حيناً يقرر ان يتولى اخراج الجزء الثالث من "مهمة: مستحيلة" قبل ان يتراجع، حيناً آخر يُختار لإنجاز "اسياد دوغتاون"، ثم يتحمس لاقتباس رواية "حالة بينجامين باتون الغريبة" لفرنسيس سكوت فيتزجيرالد. هذا كله لا يمنعه من تحقيق مشروع سينمائي ("زودياك") يلائم مغريات مضمون ترافقه منذ فيلم "سبعة" الذي كان وراء شهرته كمخرج "ثريللر" بارع قبل نحو 15 عاماً، ويعيد الى الاذهان القاتل بالتسلسل الذي عرّفنا اليه المخرج في احد أكثر افلام التسعينات قتامة وبراعة سيناريستية. "زودياك" تعقب مجدداً خطى أحد أكثر المجرمين خطورة في القرن العشرين، في سجله الدموي ما يقارب الـ37 ضحية سقطت بين 1966 و1978 في مدينة سان فرنسيسكو.

لا شك ان فينتشر حالة استثنائية في السينما الاميركية: بعد الطموحات التي تجاوزت كل حد، والقراءة الفوضوية - الفلسفية الجارحة، والصادمة، المنتقدة للمجتمع الاستهلاكي، والتي مست بأفلامه، ولا سيما في "نادي العراك" (1999)، سجل هذا السينمائي في بداية القرن الجديد، عودة الى الساحة، بفيلم كان الهدف منه تحريره من صيت "الفاضح" الذي التصق باسمه، وان يعيد اليه اعتباره لدى اصحاب الشأن، من منتجين وأصحاب استديوهات، بعمل حكيم يتضمن 5 شخصيات اساسية، ويكشف عن اعتدال ما في رغبته الفكرية: "غرفة الهلع".

في الواقع، لم تغب المعايير التقنية والاخراجية الممتازة شكلاً ومضموناً عن الافلام التي سبقت "غرفة الهلع"، الذي كان اهلا للود والتعاطف، اذ اظهر "سيد القلق الحديث" عبره، انه في امكانه التحايل على قيود فرضها الممولون، كما انه أثبت قدرة كبيرة على الافلات من قبضة "المنتج ذي الزبون الجاهز"، وعلى ادخالنا في صميم عالم يتأكله العنف، حيث لا احد منه يخرج سالماً ومعافى. معه اعتدنا ان تندرج هذه الاجواء في سياق سينوغرافي تغلب عليه النزعة التشويقية القريبة من نهج هيتشكوك، والتي انحشرت، هنا، بين بابين من "غرفة الهلع" هذه.

ولكن، ما اعتبره احد اجمل الافلام التي تناولت الاستعارة، هو قبل كل شيء، تأمل فوري في السينما، وفن العرض عموماً، وعن الصور والتواصل البصري، في عصر يشهد ثورة في معدات الاتصال. يقحمنا فينتشر في شقة فخمة ترغب امرأة في استئجارها، ليؤجل خروجنا منها حتى نهاية الفيلم، نظراً الى ظروف شديدة التأزم ستتحكم بالشريط. ففي اول ليلة تمضيانها في منزلهما الجديد، تفاجأ الام وابنتها بزمرة من المسلحين - السارقين وهم يستولون على المنزل، فلا يبقى أمامهما الا اللجوء الى "غرفة الهلع"، وهي غرفة معدة خصيصاً للاختباء، في حال حصول اي طارئ.

لقد استوعبنا مقصد فينتشر: فهو جعل من هذا الملجأ المرعب صالة سينما، كالتي يُحبَس فيها المشاهد لمتابعة احداث الفيلم الذي يشاهده، خلال ساعة ونصف ساعة او ساعتين، وخصوصاً ان احترام عنصر الوقت ووحدته يعزز هذا الانطباع. فالشاهدة على الحدث ليس لديها ما تخسره (تخلى عنها زوجها لأجل علاقة مع عارضة ازياء، الامر الذي تسبب لها بالاحباط واليأس)، وهي ستضع نفسها عاجلاً ام آجلاً تحت رحمة سيف الفن السينمائي وأعرافه، معتمدة على عنصري العين والنظر، تأكيداً لمبدأ "انا ارى اذاً انا اصدق". وهذه وصية من وصايا السينما، اتخذت مكاناً مهماً في هذا العمل الذي يرفض خرق الجدار الدرامي، على رغم ان هذه المهمة تُركت لكاميرا تتناقض في مسارها الافقي مع ما يؤسس له السيناريو: الشعور بالانغلاق.

منذ "اللعبة"، اعتمد فينتشر اللقطات الطويلة المصورة دفعة واحدة، من دون اي انقطاع، رابطة لحركات "الترافلينغ" الامامية ذات الاشكال الهندسية الخاصة بالاحلام، عند اختراقها المخيلة. نستطيع القول ان فينتشر هو أحد أكثر السينمائيين تناولاً لجدلية العلاقة بين المتفرج وما هو مطروح للظهور على طاولة البحث. فاذا اعتبرنا ان الشاشات التي تسمح لميغ وسارا بمراقبة تصرفات 3 من السارقين الفاشلين، هي شاشة سينما، فنخلص الى ان التعديلات التي تمارسها الصور على نظر المتلقي، ذات شأن مخيف.

من خلال فن التأطير، حرص فينتشر على ابتكار لغة سينمائية رمزية في افلامه، وطرح قضية "انفتاح السينما على الثقافات والحضارات المختلفة"، الامر الذي يساهم في الخلاص والخروج من "دوامة الانغلاق على النفس" التي تتمثل في المرض الذي تعانيه ميغ في "غرفة الهلع". واذا كانت اللغة التأطيرية حاضرة بكثافة في بعض المقاطع (مشهد الحمام)، فإنها تصبح مدعاة للضحك في مشاهد اخرى، اذ نرى في جانب، ثلاثة رجال في كادر واحد، وفي جانب آخر، امرأة تملأ الكادر. وبذلك، يتم وضع عاملي القوة والسيطرة على المستوى نفسه.

يلجأ فينتشر في تعبيره السينمائي الى كل ثوابت هذا النوع: مثلاً، من يملك المسدس في يديه هو الذي ينتصر في الجولة، والرهينة افضل الوسائل لإرغام شخص ما على ان يقوم بما لا يريد القيام به، كما ان لا هروب من العراك ما دام الامر يتعلق بالخروج من الورطة.

المشاهد هو من يختبئ وراء ارتفاع موجات العنف، وهو ايضاً الذي يحصل عليه، في صناعة تمركزت على نحو اساسي على العرض والطلب. هذا هو نوع الخطاب الذي يلقيه فينتشر قبالة جمهوره، قبل ان يدير ظهره ويختفي في ظلام الشاشة

####

لقاء

جان هنري مونييه: عار على الغرب !

يحب المخرج الفرنسي جان هنري مونييه الصور التي تتحرك قبالته على الشاشة. فاللقطات تحرك مشاعره ويرغب في تقاسمهما مع الآخر. في أحد أفلامه السابقة، سعى الى عكس صورة لامعة عن اهل قرية ناجاك فأحدث تفاعلاً صادقاً مع كاميراته ولم يبعث الاحاسيس الزائفة. كان في امكانه ان يُظهر ما هو قاس، لكنه اعتبر ان لدى الناس ما يكفي من الحزن، لذا، ألقى الضوء على الجانب المضيء في الطبيعة البشرية، لعلها تمنح الآخرين الامل والقدرة على مواصلة الحياة. في فيلمه الجديد "لا خسارة"، يصور مونييه حياة المتشردين الذين لا يملكون سقفاً يؤويهم.

استقر مونييه مع عائلته في ناجاك عام 1995. في البداية، لم يكن يرمي الى صنع الافلام في تلك المنطقة. ما اخذه الى هناك هو رغبته في العثور على ايقاع جديد لحياته، بعيداً من باريس. كان يعلم بوجود قرية كهذه، لأن زوجته بنت صداقات حين كانت تعمل فيها قبل نحو 20 عاماً، او حين كانت تمضي فيها الاجازات. عثر على بناء مدمر، الى جواره قطعة ارض، فاشتراه. بالقرب من متنزه كان يسكن ميكانيكي - شاعر يدعى سوزو، وكان اشبه بفيلسوف، وسرعان ما صار الصديق الأقرب الى العائلة. حين تعرف الى هذا الرجل، فجأةً ولدت لديه رغبة في تصويره. لم يذهب الى ناجاك لتصوير فيلم، لكن الظروف شجعته، فاستل الكاميرا لالتقاط المشاهد من دون هدف، ومن محاولاته المتكررة صنع فيلماً استغرق تصويره نحو سنتين، وكذا بالنسبة الى التوليف.

عند سوزو تعرّف الى شخصيات الفيلم كافة، من بينهم عمدة القرية. كان الاقتراب من مسؤول كهذا امراً بديهياً. رويداً رويداً بدأ بتصوير هؤلاء الاشخاص الذين عثر لديهم على ما يدفعه الى الالتفات نحوهم. لكنه كان يفعل ذلك كمن يصوّر اهله او ينجز شريطاً عائلياً. مع مرور الوقت، اصبح هؤلاء من افضل اصدقائه. تجربة تصويرهم دامت نحو ثلاث سنوات. في غضون ذلك، انجز فيلمين آخرين برفقة عازفين وموسيقيين افريقيين، واقتضى التصوير الذهاب الى افريقيا، وكل مرة كان يعود فيها الى ناجاك، كان يلتقط كاميراته الـ"ديفي" ويصوّر. بعد ثلاث سنوات، قال لنفسه انه لا بد من الاستعانة بالمشاهد التي التقطت لإنجاز فيلم، وكان قد انتهى آنذاك من العمل على الفيلمين الآخرين، لذلك ذهب الى باريس وأعد مجسماً، بعدما استطاع استدانة بعض المال والاستعانة بخبرات بعض الاصدقاء لاتمام المخطط. ثم استدعى بعض المنتجين، منهم المنتجة التي موّلت أحد أفلامه السابقة وهي بدورها اقترحت المشروع على جاك بيران الذي لم يكن مونييه يعرفه. شاهد هذا الاخير الفيلم مع كريستوف باراتييه (مخرج "الكورس") وقررا دعمه مالياً.

يعتبر مونييه أن قلة من الشباب الحاليين يعلمون كيفية ذبح الدجاج في المزرعة. هذا هو العالم الذي يختفي. صحيح انه صوّر عالماً ينقرض، لكنه لم يبتعد عن واقعنا الآني، وخصوصاً حين نتعرف الى هنري، القروي الشاب المهتم بالزراعة البيولوجية الذي يقول لسوزو في آخر الفيلم، انه ذاهب الى فلسطين كي يساعد القرويين الذين سُلبت اراضيهم ويقطف الزيتون معهم. فهذا دليل على اننا لا نزال في الحاضر.

اللافت في أفلام مونييه، الغياب شبه الكامل للمقابلات والشهادات المباشرة، وهي التقنية التي تستند اليها الأفلام الوثائقية المهمة. هناك الكثير من الافلام تتبع اسلوب المقابلات، كما هي الحال مع "العالم بحسب بوش"، الشديد الصرامة والمرتكز على شهادت لنحو 28 شخصاً. هذا اسلوب وليم كاريل. مونييه يعمل في اطار مختلف، واسلوبه يتسم بالانطباعية. فالتصوير بالنسبة اليه أمر غرائزي، لأنه في أكثر الاوقات لا يعلم ما قد يحصل. يقول: "احياناً، كنت اصل مع كاميراتي الى حيث الاشخاص الذين اود تصويرهم، وكنا نتحاور اكثر مما نصوّر. وحين اشعر ان هناك امراً مثيراً كنت امسك الكاميرا واصوّبها في اتجاههم".

يقول مونييه انه يعمل هاوياً، مع ان الكادر أُعدّ على نحو فائق من الاتقان والدقة. لكن تبين، أنه حين يقول ذلك، فهو لا يعني انه صوّر كيفما اتفق. على كل حال، يجد مونييه ان كلمة "هاو" ارقى من كلمة "محترف". فالهاوي هو ذلك المشغوف بعمله! بعض المشاهد هي وليدة المصادفة، وتتخذ معاني ودلالات بعد خضوعها لعملية المونتاج، اذ في امكانك ربط الافكار بعضها ببعض. في النهاية لكلٍّ اسلوبه، والنهج الذي يجدر بكل واحد متابعته هو النهج الذي يرتاح اليه.

توجهت الى مونييه بسؤال أطرحه على كل المخرجين الوثائقيين الذين ألتقيهم: هل تشعر ان لديك واجباً اخلاقياً تجاه الشخصية التي تصورها؟ فأجاب: "تماماً، أكنّ احتراماً جماً للشخصيات، ولا سيما انهم أصدقاء لي. كنت حريصاً على عدم جعل هؤلاء يشعرون بالانزعاج من الصورة التي اعكسها عنهم. اعتقد انه يكفينا ما نراه على شاشاتنا من قرف وذل بسبب نزعة المشاهد التلصصية. فأنا اعدتُ الى العالم كرامته المفقودة. التلفزيون هدفه رفع مستوى المشاهدين. لذا، نجد ان كل الاساليب متاحة لبلوغ الاهداف، والشغف غائب لأن معظم الاحاسيس يرافقها الاذلال. اما حين تصوّر على مدار 7 سنوات جيرانك الذين يصبحون لاحقاً اصدقاءك، فهذا أمر آخر. لا اشعر اطلاقاً ان ما افعله هو استغلال صورة الاخرين، فعلى الشاهد ان يقول كلمته، وعلى احدهم ان ينقل رأيه صوتاً وصورة. يجدر ايضاً ترك بعض الآثار خلفنا. فهذه هي السينما. لا يسعنا انجاز فيلم وثائقي اذا لم تكن لدينا الرغبة في ترك بصمات. اليوم، نشهد سقوط الحاجز بين الوثائقي والروائي. والانفعال الذي تبعثه شخصيات الفيلم الوثائقي، هو بقدر الانفعال الذي يسببه لنا نجوم هوليوود".

بيد أنه يجب الاعتراف بأن النظرة الى الفيلم الوثائقي تبدلت في السنوات الاخيرة. تغيرت بفضل افلام لاقت نجاحاً غير مسبوق، مثل "ان تكون وان يكون لك" و"مشية الامبرطور" وأعمال مايكل مور الدعائية، وأخرى أكثر رقياً مثل "ميكروكوسموس" و"موندوفينو". بحسب مونييه، هناك جيل كامل من المشاهدين ملّ الافلام التي تُفرَض عليهم، في تلميح الى غزو السينما الهوليوودية التي دائماً تبقى فرنسا في منأى منها. "ما اتوقعه كمشاهد"، يقول مونييه، "هو ان تأخذني السينما الى عوالم تثير الدهشة. لحسن الحظ، ان هناك اليوم ما يسمّى الكاميرات الرقمية التي فتحت افاقاً جديدة للسينمائيين، وانقذت افريقيا ومبدعيها من الصمت المطبق. بكاميرا رقمية وكومبيوتر "ماكينتوش" وبطاقة تجعلك صاحب القرار النهائي في ما يختص المونتاج، تستطيع انجاز فيلم وشراء المعدات بـ10 آلاف دولار.

يرى جان هنري مونييه ان العالم في طريقه الى الضياع، والبشر الى الانقراض، ما لم يتخذ المجتمع الدولي الاجراءات الوقائية لدرء ذلك. "الامر الذي بات بديهياً اليوم هو ان البشرية تواجه اخطاراً كبيرة، فالعلماء كافة اجمعوا على هذه المسألة، والعالم الغربي لا يحرك ساكناً، علماً اننا نتشاطر معاً الجزء الاكبر من المسؤولية في ما يجري في عالمنا من مآسٍ وبؤس. واذا استمررنا، على الصعيد البيئي، في عدم الاكتراث للارض، فيجب التهيؤ للغضب الذي قد تولده هذه الارض. اشعر بخجل لكوني غربياً في كل مرة أسمع احدى دولنا الغنية تطالب دولة فقيرة بالديون المتراكمة عليها، جراء الانتداب الغربي الذي عاشته هذه الدول. بلداننا غنية حتى انه يجب الغاء كل الديون بشحطة قلم. فنحن نريد أكل الاخضر واليابس. لكنك تصل الى مكان لا يعود في امكانك ان تتحمل. عار على الغرب! فالكون عبارة عن عائلة كبيرة، وفي عروقنا جميعاً تجري كمية الدم نفسها، اما العظام التي في اجسادنا فعددها متشابه ايضاً. انني شديد الايمان ان غالبية البشر في هذا العالم يريدون العيش بسلام، لكن القادة لا يتركون الشعوب وشأنهم. فالحرب، كما يتردد، هي ان يتقاتل اشخاص لا يعرف بعضهم بعضاً لمصلحة اشخاص يعرف بعضهم بعضاً، لكنهم لا يتقاتلون".

هـ. ح.

النهار اللبنانية في

25/02/2010

 
 

رغم ال٢٠ فيلما ..

طفل صغير يخطف الدب الذهبي في برلين

إعداد: إنجي ماجد/ عبدالله حسان

انتهت فعاليات الدورة الستين لمهرجان برلين السينمائي بعد أن اهدت جائزتها الكبري »الدب الذهبي« للفيلم الدرامي التركي »عسل« الذي يروي قصة طفل صغير يعيش مع أمه في منطقة نائية علي البحر الاسود في تركيا، ويبحث هذا الطفل عن والده مربي النحل الذي رحل دون أن يستدل أحد علي مكان رحيله.

المثير أن الماراثون السينمائي السنوي الكبير فشل في ابهار مجموعة من النقاد الذين يرون ان مستوي الاعمال المشاركة في المسابقة الرسمية لم يكن بالقدر الذي كانوا يتوقعونه، حيث ذكرت شبكة ABC الاخبارية أن العديد من النقاد السينمائيين الحاضرين للمهرجان أجمعوا علي أن العشرين فيلما المتنافسة في المسابقة جعلوا منها مسابقة قوية مشتعلة عن السنوات الماضية ، ولكنهم اعترفوا أيضا أن المسابقة عانت من نقص في العلامات السينمائية الرنانة التي تميز مهرجان سينمائي ضخم بمكانة برلين.

الناقد ديريك ايلي صرح بمجلة »فاريتي« الامريكية ان أفلام المسابقة الرسمية كانت علي مستوي جيد، ولكنه ليس المستوي المتوقع أو المنتظر، فكان الأمر أشبه بمهرجان عملاق تتهادي خطواته بالتصوير البطيء.

وأضاف ديريك إلي أن عددا قليلا من الاعمال استطاعت اثارة الانتباه واشعال أروقة المهرجان.

مفاجأة غير متوقعة

وكان فوز فيلم »عسل« بجائزة أفضل فيلم مفاجأة غير متوقعة لأنه كان خارج التوقعات، فكانت لجنة التحكيم برئاسة المخرج الالماني ويرنر هيرزوج ضد اهداء الجائزة لأي عمل سياسي أو صادم، ومن هنا كان قرارها بمنح الدب الذهبي لقصة انسانية حول قصة حب طفل لوالده الغائب.

وقد نجح الطفل »بورا التاس« الذي جسد شخصية »يوسف« الباحث عن والده في نيل تقدير واعجاب أفراد الجمهور الذين شاهدوا الفيلم لادائه السلس الجميل والفطري.

وتعقيبا علي فوزه بالجائزة قال مخرج الفيلم »سميح قبلان اوجلو« أنه سعيد جدا بالجائزة التي لم يحصل عليها عمل تركي منذ عام ٤٦٩١ عندما حصل عليها المخرج التركي »ميتن ايرسكن« عن فيلمه »كفاية بلا جدوي« الذي حصد ذات الجائزة.. وأشار سميح إلي أنه أراد تقديم مشاعر الحب والعاطفة والأمل وكذلك متعة الحياة في فيلمه.. وفوزه بالجائزة يعني نجاحه في تقديم رسالته لأعضاء لجنة التحكيم.

رسالة تضامن

وكان المخرج البولندي الاصل الفرنسي الجنسية »رومان بولانسكي«قد حصد جائزة أفضل مخرج عن فيلم »الكاتب الشبح« وهو الفوز الذي وصف من قبل الكثيرين - مع التأكيد علي استحقاق الأخير للجائزة - بأنها مبادرة تضامن مع المخرج المحتجز حاليا قيد الاقامة الجبرية في منزله في سويسرا بعد ان قبضت عليه في سبتمبر من العام الماضي عندما كان في طريقه لزيورخ لحضور تكريمه من احد المهرجانات وذلك بتهمة عمرها أكثر من ثلاثين عاما، عندما اتهمته السلطات الامريكية باغتصاب طفلة عمرها ٢١ عاما بعد تخديرها، وهو الاتهام الذي بسببه هرب المخرج من الولايات المتحدة كلها يوم المحاكمة نفسها، وظل طوال حياته بعدها مقيما في فرنسا.

ومن المعروف أن بولانسكي حصد من قبل سعفة »كان« عن فيمله الشهير »عازف البيانو« والذي حصد منه أيضا جائزة أفضل مخرج في منافسات الاوسكار عام ٣٠٠٢.

وقد علقت صحيفة »هوليوود ريبورتر« الامريكية اليومية أن الجائزة تعتبر هي الاكثر اثارة للجدل لانها في ظاهرها قد تكون مبادرة تضامن مع المخرج السينمائي، وقد عقبت احدي الصحف الالمانية علي ذلك الفوز بانه موازنة لكفة رجحت من قبل، حيث أن مهرجانا قد ادخله السجن ومهرجانا آخر قد يحسن من موقفه ويدفعه خارجه في اشارة الي أن بولانسكي سجن بينما كان في طريقه الي تكريم مهرجان ومن المعروف أن هذه ليست المشاركة الاولي لـ »بولانسكي« في برلين، التي كان قد رشح لها ثلاث مرات من قبل بدأها عام ٥٦٩١ بفيلمه »تنافر« الذي قامت ببطولته الفرنسية »كاترين دي نيف« وحصد الفيلم جائزة الدب الفضي لأفضل مخرج »نفس الجائزة التي حصدها بولانسكي هذا العام«.

وحصد عن نفس الفيلم جائزة اتحاد النقاد تلي بعد ذلك مشاركة بولانسكي في العام الذي يليه مباشرة حيث نافس عام ٦٦٩١ بفيلمه  »زقاق الكيس« الذي يقوده تمثيلا طاقم تمثيل فرنسي بالكامل - وهي سمة أفلام »بولانسكي في هذه المرحلة  ثم تلت بعد ذلك مشاركات »بولانسكي« بفيلم تسجيلي هو »afternoon of chanfion« أو »خفوت نجم البطل« والذي حصد عنه جائزة »التنويه الخاص«

وقد تسلم الجائزة عن بولانسكي المنتج »الان سارد« الذي قال انه اتصل بـ »بولانسكي« بعد الفوز مباشرة وقد أعلن انه كان سعيدا للغاية وانه ليس حزينا لغيابه عن المهرجان لانه - حسب قوله - لن يحضر مهرجانات بعد ذلك ابدا في اشارة منه لحادثة القبض عليه التي تمت في زيورخ.

أخبار النجوم المصرية في

25/02/2010

 
 

الإخراج لشبح بولانسكي والدب الذهب لعسل تركي

برلين - محمد موسى

يربك المخرج التركي سميح قبلان بثلاثيته التي اكتملت مع فيلم «عسل»، الذي حصل على «الدب الذهبي» في الدورة الستين لمهرجان برلين السينمائي والتي اختتمت يوم الأحد الماضي، الكثيرين بترتيب الزمن في هذه الثلاثية، المستوحاة في جزء منها من حياة المخرج نفسه، فهو قدم في «بيضة»، أي في الجزء الأول منها، الشاعر الناضج، وجعل الجزء الثاني «حليب» عن فتوة ذلك الشاعر، ليخصص الجزء الأخير «عسل» لطفولته.

هذا الترتيب المخالف للسائد، لن تكون له نفس الصعوبة على الإطلاق، عندما تصدر هذه السلسلة على أسطوانات الـ «دي في دي» (وكما يحصل مع أفلام الأجزاء المتعددة )، عندها يمكن مشاهدة السلسلة بطرق مختلفة، وربما بمشاهد متفرقة من هنا وهناك. فمشاهد الفتى في فيلم «حليب» والذي كتب قصيدته الأولى، ليتعذب بعدها، بانتظار نشرها في مجلة أدبية، يمكنها ان تعقب مشهد الطفل، الذي يحدق في الأفق البعيد في «عسل»، منتظراً الأب، الغائب في تلك الغابات المبللة بالمطر، التي قدمها الفيلم.

في مشاهد طويلة، وبتوليف قليل، وغياب للموسيقى، يكمل التركي سميح قبلان بفيلمه «عسل» ثلاثيته الذاتية اذاً، عن الطفل «المأخوذ» بالعالم الذي يهزه اختفاء الأب (اختفاء ربما يكون حلماً آخر للطفل)، الذي يسافر الى الجبال سعياً وراء العسل الجيد، يقدم الفيلم ايضاً، بعضاً من بيئة الطفل الأولى، الخلفية الدينية للعائلة، والأحداث التي بصمت خيال الطفل - الشاعر فيما بعد.

لكن جائزة الإخراج في المهرجان البرليني لم تذهب الى التركي سميح قبلان، بل نالها المخرج رومان بولانسكي، عن فيلمه «الكاتب الشبح»، في خطوة اعتبرها البعض، وقفة معنوية من لجنة التحكيم، مع المخرج المحبوس في سويسرا في انتظار النظر في وضعه القانوني، ومعرفة ما اذا كان سيطلق سراحه او يسلم الى الولايات المتحدة الأميركية.

في المقابل اكمل الفيلم الروماني «اذا كنت تريد ان تصفر، فصفر» للمخرج فلورين سيربان مسيرة ناجحة للسينما الرومانية، فحصل على جائزة الدب الفضي. ويختلف الفيلم بموضوعه عن مجموعة الأفلام الأخيرة التي قدمتها السينما الرومانية، واهتمت بسنوات الشيوعية الرومانية، فالفيلم الجديد يقدم قصة معاصرة، عن شاب يخرج من سجن الأحداث، ليحاول ان يعيد ترتيب حياته، وسط ضغوطات المجتمع وأسرته الصغيرة.

وإذا كانت المنطقة التي صور فيها فيلم «عسل» هي أحد مفاتيح فهم شخصية الطفل، والشاعر في ما بعد. تشير المنطقة الصناعية المتروكة في الفيلم الروسي «كيف أنهيت هذا الصيف» للمخرج اليكسي بيربوسكي والذي حصل بطله جورجيو دوبريغان على جائزة افضل ممثل، الى الانعزال في حياة البطلين والقسوة في الحياة الروسية الحديثة. يتشارك البطلان العمل في إحدى محطات قراءة المناخ في واحدة من اكثر النقاط شمالاً في روسيا. وعندما تصل رسالة الى إحدى الشخصيتين عن وفاة زوجة وابن الشخصية الأخرى، يفشل البطل في إخبار زميله عن الكارثة، لتبدأ الشخصيتان في التقرب الى بعضهما، رغم الاختلاف الواسع بينهما.

حروب قديمة وإثم باق

قدمت بعض أفلام المسابقة الرسمية للمهرجان موضوعة «الاثم» التاريخي الفردي والجماعي لدول و مجتمعات خاضت حروباً عالمية وإقليمية. فمن ألمانيا، عرض فيلم «سو اليهودي، صعود وهبوط»، في المسابقة الرسمية للمهرجان. والفيلم يواصل ما قدمته أفلام ألمانية في السنوات الخمس الأخيرة، من إعادة نظر في الماضي الألماني الحديث. في محاسبة تاريخية شديدة القوة أحياناً. هو هنا يقدم الظروف التاريخية التي رافقت صناعة فيلم «سو اليهودي»، والذي عرض في السنة الأولى قبل الحرب العالمية الثانية، وقدم قصة تاريخية عن اليهودي الخاطئ، بتمويل من وزارة الثقافة الألمانية النازية.

ولأن الفيلم المقصود، والذي قيل ان مشاهديه بلغوا العشرين مليون مشاهد، قد تم إتلافه مباشرة بعد الحرب، قام «فيلم سو اليهودي، صعود وهبوط» بإعادة تقديم بعض المشاهد الأساسية من الفيلم، والذي اشرف عليه وقتها وزير الثقافة الألماني غوبيلز بنفسه. اختار الفيلم، ان يسرد وبتفاصيل كثيرة، بداية المشروع، الى بداية العمل فيه، وردود الأفعال على عرضه الأول، الذي تم في مهرجان فينيسا عام 1940. مع قصة الفيلم والعاملين فيه، قدم الفيلم بعض القصص المتفرقة، عن ألمان آخرين، اغلبهم من اليهود الفنانين، من الذين راحت الحياة تضيق عليهم مع نهايات الثلاثينات من القرن الماضي. لكن الشخصيتين الأساسيتين في الفيلم، كانتا للممثل، الذي لعب دور اليهودي في الفيلم الدعائي والذي قدمه الفيلم، وهو يواجه مثله الأخلاقية النزيهة، وما مثله الفيلم في تعارضها، وشخصية وزير الثقافة الألماني، في تقديم جديد ربما، عن الصورة المعتادة لهذا الوزير، وكما ظهرت في أفلام ألمانية وأجنبية.

لا يحمل الفيلم الألماني قوة أفلام ألمانية سابقة ظهرت خلال الأعوام الأخيرة لتتحدث عن الحرب العالمية الثانية، وآخرها فيلم «السقوط»، عن الأيام الأخيرة لهتلر، ربما بسبب رغبة الفيلم الأول في سرد تفاصيل كثيرة، يبدو من الصعب التحقق من معظمها، والتي زادت من طول الفيلم، وأيضاً بسبب السيناريو، المثقل بوزر ذلك الفيلم الدعائي النازي، الأمر الذي جعل قصة تورط المثقف والفنان آنذاك محسومة على الشاشة أصلاً، وتفتقد الجدل، الذي يمنحه تقديم هذه المنطقة المعتمة في التاريخ الألماني والذات الإنسانية.

ويعود المخرج الياباني كاجي واكاماستو في فيلمه «كاتربيلا»، الى تاريخ ما قبل الحرب العالمية الثانية، لكن هذه المرة في اليابان. الفيلم يروي عودة جندي ياباني معوق ومشوه الى قريته وزوجته. لا يقتصد المخرج الياباني في تعرية التاريخ الياباني، فالجندي بتشوهه المريع، رمز ثقيل عن وحشية الحروب اليابانية في آسيا، والكوابيس التي تطارد الجندي، هي كوابيس اليابان لفترات طويلة. ما يميز هذا الفيلم هو تمثيل بطليه الأساسيين (حصلت الممثلة شينبوي تيرجاميا على جائزة افضل ممثلة في الدورة)، والبطل الآخر، والذي كان عليه ان يعبر عن ذلك الألم كله، وشعور بالإثم كان يخنقه، بجسمه فقط، فالذي لعب دور الشخص الفاقد أطرافه كلها، هو ممثل فاقد الأطراف ايضاً. ليحاول بحركات بدنية عنيفة، تقديم هذه المأساة الصغيرة، في واحد من اصعب الأدوار الممكنة.

مخرج لا يستطيع السفر

هيمن منع المخرج الإيراني المعروف جعفر بنهاي من مغادرة إيران، والسفر الى برلين، على ندوة السينما الإيرانية التي عقدت يوم السابع عشر من شهر فبراير، ونظمها صندوق دعم السينما العالمي. فالمخرج الذي كان من المفترض ان يشارك في الندوة، لم يسمح له بالسفر الى المدينة التي منحته الدبي الفضي في عام 2006، عن فيلمه «اوف سايت». منع السفر هذا يأتي كخطوة جديدة، من مجموعة التضييقات التي تفرض على المخرج، والبعيد عن السينما منذ عام 2006، وبعد فشله في الحصول على موافقة الرقابة الإيرانية، على إخراج فيلم عن الحرب العراقية الإيرانية.

والمفارقة ان جعفر بناهي والذي غاب عن ندوة السينما الإيرانية، حضر في الفيلم التسجيلي الإيراني «أحمر، ابيض والأخضر»، والذي عرض في تظاهرة بانوراما في المهرجان، حيث تحدث في الفيلم، عن تشاؤمه من نتائج الانتخابات ( صور الفيلم قبل الانتخابات الإيرانية)، فأفلامه تم منعها في إيران، حتى في عهد الرئيس خاتمي، والذي يعد أحد رموز الإصلاح في إيران!

وتعرضت ندوة السينما الإيرانية، الى القوانين الرقابية الجديدة والتي صارت تفرض على صناع السينما في إيران، وخاصة في السنتين الأخيرتين، وكيف أثرت هذه القوانين، على هجرة بعض المخرجين المعروفين، مثل بهمن قوبادي، الذي لم يعد الى إيران، منذ عرض فيلمه «لا احد يعرف عن القطط الفارسية» في مهرجان كان الماضي، والضجة التي أثارتها عروض الفيلم، بعد الانتخابات الإيرانية (تم إنتاج الفيلم قبل الانتخابات)، بسبب ما قدمه الفيلم من صور للحياة السرية لشباب إيرانيين متمردين، قريبين للانفجار، الذي سرعان ما بدأ بالفعل، مع بدء الاحتجاجات على نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة في شهر حزيران (يونيو) الماضي.

ومن الذين تحدثوا في الندوة، المخرج الإيراني رفيع بيتز، والذي شارك فيلمه «القناص» في المسابقة الرسمية للمهرجان. المخرج نفسه والذي يعيش ما بين فرنسا وبريطانيا، لمح بأنه من غير المرجح ان يعود الى إيران حالياً. وتحدث رفيع بيتز عن الظروف التي أحاطت تصوير فيلمه الأخير، قبل الانتخابات الإيرانية. ويحمل فيلم «القناص»، إشارات لاضطرابات سياسية في طهران، فالبطل يفقد زوجته وابنته، في النيران التي أطلقت في مواجهات بين شرطة ومتظاهرين، وعندما كانا بالصدفة هناك. يدفع الحادث البطل، الى الرغبة من الانتقام من السلطة، ولا يجد غير سيارة شرطة عادية، فيوجه لها النار، من بندقيته التي يعرف تماماً كيف يستخدمها!

وفي انعطافة لأحداث الفيلم، يتيه الشرطيان مع البطل الذي قبضا عليه، في إحدى الغابات القريبة من العاصمة الإيرانيـة. عـندها يـأخذ الفـيلم منحى آخر، يتضمن هو الآخر نقـداً عـنـيـفاً لأجهزة السلطة الأمنية، وعدم الرضا الواضح حتى من داخل أجهزة الشرطة على أدائها العام.

الحياة اللندنية في

26/02/2010

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2017)