خاص بـ«سينماتك»

 

الأبعاد المضمرة في الفيلم المغربي القصير.. فيلم «فرصة»1 نموذجا

بقلم: أشرف عبدالمالك/ خاص بـ«سينماتك»

 
 
 
 
 
 

أشرف عبدالمالك، من المغرب

طالب يدرس للحصول على الدكتوراه

كلية الأداب والعلوم الإنسانية، المحمدية

باحث في الخطاب السينمائي

 

تسعى السينما منذ ظهورها، أن تكون مؤسسة على تشكيل بنية تتيح طرح مجموعة من القضايا في ثنايا تعبيرها، وذلك بعد اقتناع السينمائيين من قبيل "أندري بازان André Bazin" و"سيرجي ايزنشتاين Sergei   Eisenstein" وجان كوكتو jean Cocteau، أنه أصبح من الضروري تجاوز السينما الاقتصادية، من أجل بناء سينما قادرة على تقديم مجموعة من القضايا للمتلقي في قوالب فنية ستترك أثرا في وعيه، لأن الفيلم السينمائي الذي يتم بناءه بدون أية أفكار أخلاقية، أو اجتماعية، والذي يكتفي فقط بالعاطفية يكون عرضة للتشويش2، إذ أصبح من الواجب على المتن الفيلمي، أن يكون ذا رسالة محددة، اجتماعية كانت، أو أخلاقية، أو سياسية، وأن يحمل في ثناياه بنيات دلالية لها القدرة على خلق ردة فعل من المتلقي.

كما أصبحت السينما تفرض على المتن الفيلمي، أن يمتلك هدفا محددا، ومن أبرز الأفلام التي استطاعت أن تجسد ذلك، نجد بعضا من الأفلام التي تنتمي إلى المدرسة الواقعية الشعرية، والتي من أهم سماتها جعل الفيلم فنا مركزا على الحياة الواقعية، مظهرا بذلك الحقائق على الشاشة3، وسرد التفاصيل وخلق نوعا من العاطفة في الأفلام.. عبر تصوير ذلك الخليط  من الشخصيات الواقعية وعرض همومها4، أي سرد التفاصيل بمعاني التفاهم الإنساني، وتوضيح تجارب الحياة، وهي نفس المدرسة السينمائية التي ينتمي إليها مخرج الفيلم الذي بصدد الحديث عنه، إذ حاول أن يبز ذلك من خلال الرؤية الإخراجية التي صنع بها فيلمه "فرصة".

ظهرت السينما الواقعية، وحاولت جعل بنيتها تغذو بنية تعبيرية تنتمى إلى الفن، وقد وصف هذا الأخير-أي الفن- بأنه يستطيع استعادة التجربة الواقعية وإعادة صياغتها وفق أشكال لا تكثرت للضوابط التي تقيمها العلاقات المنطقية بين الأشياء5، أي بلورة التجربة الواقعية في قوالب فنية، لها استطاعة التمرد على العلاقات المنطقية في الواقع، معتمدة في ذلك على الصورة التي وصفها "ميتز" بأنها مادة أولية غير قابلة للتحليل والاختزال في وحدات متفاصلة.

وقد اشتغل فيلم "فرصة" بمجموعة من التقنيات السينمائية الحديثة، قصد تكوين مجموعة من الدلالات والأبعاد التي يمكن أن تضمر داخل نسق غير لفظي، والتي وفقت لحد كبير أن تتماشى مع المضمون العام الذي يدافع عنه الفيلم، كون هذا الأخير يتميز بتكثيف مجموعة من المعاني، نظرا للنوع الذي ينتمي إليه، وهو صنف الفيلم السينمائي القصير؛ الذي يحاول أن يدمج مجموعة من المضامين في وقت قصير جدا.

حاول مخرج الفيلم أن يختزن مجموعة من الأبعاد، محاولا جعل فيلمه منذ بدايته إلى نهايته ملتصقا بالواقع، حاملا بذلك أبعادا اجتماعية مرتبطة بالواقع الذي يمثله بطل فيلمه، وبعبارة أخرى، فقد جعله يحمل علاقة حقيقية نوعا ما مع الواقع6، وأول عنصر يؤكد ذلك، هو جعل الفيلم يتكلم بضمير المتكلم، مما سينتج عن تحمل مسؤوليته تجاه الأفكار الواردة داخل فيلمه، بمعنى حاول أن يوجه نقدا لاذعا للمستور الاجتماعي والثقافي، ممثلا ذلك في بطله وما عاناه وما لاحقه من مأساة وبؤس.

 وهذا ما بلوره في هذا المشهد الممتد من "الدقيقة الرابعة والثانية الخامسة وأربعون، إلى الدقيقة الخامسة"7

الذي قدم فيه بنية دلالية، وصفت في السينما الواقعية بالشعرية، كونها لها الارتباط العضوي بالواقع الذي تعكسه8، لأن المخرج حاول أن يجعل من شخصيته البطلة، واقعا بصريا يمثل نموذج رجل مغربي بحي شعبي متسلط، والذي سيعاني تعذيبا نفسيا فيما بعد، وسيموت موتا فضيعا، نتيجة أفعاله الخبيثة التي كان يقوم بها في ذلك الحي، والعدوانية التي كانت تصل به إلى التهديد والترهيب، وهي التي جعلت منه أن ينصب مكانا قويا داخل الحي الذي كان يقطن به، وقد تم تقديمها بطريقة ايحائية واضحة، لأن السينما الواقعية تتشكل من دلالات إيحائية، تحاول أن تتحدث مع المتلقي بصيغة مباشرة وواضحة.

إن الأبعاد الاجتماعية التي يحاول أن يراهن عليها المخرج في فيلمه، هي إمكانية التعبير عن الواقع الاجتماعي المرير الذي تعيشه بعض الفئات الاجتماعية سواء في المغرب أو في الدول النامية بصفة عامة، ومحاولة جعل فيلمه يمثل بشكل صادق الطبيعة الحقيقية للنظام الاجتماعي9، الذي ولد فيه، ولم يقف عند هذا الحد بل حاول أيضا أن يجعل من بطله نموذجا للفرد، الذي لم يستغل فرصته للنجاة في الحياة، والعيش بسلام بعيدا عن الأمور الخبيثة، في حياة يسودها الظلام والضباب، من خلال ختم فيلمه بموت الشخص الذي لم يستغل الفرصة، وكأنها رسالة إلى شباب اليوم، بوجوب قنص الفرص لأنها إذا ذهبت لن تعود مرة أخرى.

وأيضا حضور الأبعاد الدينية ذات البعد الاجتماعي بكثرة ومنها المشهد الأهم الذي يبدأ "من الدقيقة الحادية عشر والثانية الرابعة عشر، إلى الدقيقة الثانية عشر، والثانية الخمسون10، والذي من خلال حصل التغيير في الشخصية البطلة، ويمكننا تأويله، بأن شباب اليوم بصفة عامة، شباب متهور، تارك لصلاته، ولا يتذكر الرحمن إلا في مرحلة الضيق، أو المرض، أو المصائب، وهذه رسالة جد قوية وضاربة من مخرج الفيلم في شباب هذا الجيل الذي شتان ما بينه وبين العقائد والشعائر الدينية.

وعليه، يمكن القول بأن مخرج الفيلم "خالد الضواش" حاول أن يجعل من فيلمه تعبيرا بصريا Expression visuel، ينبني على مجموعة من البنيات الفنية ذات الحمولة الدلالية، اعتمادا على ما تمنحه البنية السينمائية من عناصر متنوعة، من مؤثرات بصرية والتي تنبني على الألوان والإضاءة، ومؤثرات صوتية تتمثل في الموسيقى التصويرية، والحوار الفيلمي، لكي يجعلها قاعدة دلالية تختزن مجموعة من الأبعاد الاجتماعية والدينية التي ترتبط بالواقع المغربي.

 

الهوامش:

ـــــــــــــــــــــــــ

 

1: الفيلم القصير "فرصة"، لمخرجه خالد الضواش، تم إنتاجه سنة 2017.

2:  كوكتو جان: فن السينما، ترجمة ضامر فاتح، منشورات وزارة الثقافة، المؤسسة العامة للسينما، دمشق 2012، ص: 23.

3: Le réalisme au cinéma. Séquences, 1959 (https://www.erudit.org/fr/.)

4: رعد عبدالجبار تامر، نظريات وأساليب الفيلم السينمائين، ص:135.

5: بنكراد سعيد: بين اللفظ والصورة، تعددية الحقائق وفرجة الممكن، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ص: 193.

6: ليفنجسون بيرلين كارل بلاتينا: دليل روتيلدج للسينما والفلسفة، ترجمة وتقديم أحمد يوسف، المركز القومي للترجمة، القاهرة 2013، ص: 390.

7: الفيلم القصير فرصة.

8: مرجع سابق، ص: 145.

9: مرجع سابق، ص:390.

10: الفيلم القصير فرصة. 

 

سينماتك في ـ  02 أكتوبر 2021

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004