|
(...أنا مخرج مصري، هاو للسينما ولست محترفاً.. لا أرتزق منها.. ليست عندي
طموحات شديدة، لا في مهرجانات ولا في نقد طموحي كله أن أحس أنه فيما بعد
يقولون: أن هذا الرجل كان مهتماً بقضايانا!!...).
بهذه الكلمات القليلة والمتواضعة، يعرِّف مخرجنا نفسه. وبهذه الكلمات
أيضاً، نفتح صفحة أخرى في تاريخ السينما المصرية.. وذلك لنتعرف على مسيرة
مخرج مصري جاد، مايزال يحافظ على خصوصيته كفنان متميز، وله حضوره الفني بين
أساتذته وزملائه المخرجين.. محاولاً الصمود أمام مغريات السينما التجارية
وشروطها.. هذا الصمود الذي إستمر أكثر من عشرون عاماً. طوال مسيرته
السينمائية، والتي لم تثمر ـ بالرغم من طولها ـ سوى سبعة أفلام روائية
طويلة.
مخرجنا موضوع هذا البحث، هو المخرج علي بدرخان، الفنان الذي إستطاع، وبهذا
الإنتاج القليل، إثبات موهبته وقدراته الفنية، وليصبح من بين أهم مخرجي
السينما المصرية. إن المخرج علي بدرخان يتميز بشكل واضح بالتدقيق الشديد في
إختيار موضوعات أفلامه، ذات الصفة الإجتماعية والسياسية والجماهيرية في نفس
الوقت. إضافة الى توظيفه لكافة أدواته الفنية والتقنية للتعبير عن المضمون
السينمائي بطبيعية غير مفتعلة، مبتعداً بذلك عن الإبهار الفني كهدف أساسي،
بل هو جزء لا ينفصل عن عملية تجسيد المضمون، على مستوى اللقطة والمشهد
والفيلم بشكل عام.
إذن نحن أمام مخرج فنان يحترم السينما ووظيفتها ، كما يحترم في المقام
الأول عقلية وذوق المتفرج الذي يخاطبه . لذلك نراه يختار موضوعاته بدقة ،
ويبذل جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً في إعدادها وتجهيزها قبل التصوير وبعده .
يقول على بدرخان: (...بالنسبة لي فإن أهم شيء هو إعداد العمل نفسه ، وكتابة
السيناريو . لذلك فهذه المرحلة عادة تستغرق وقتاً طويلاً ، وهذا طبيعي جداً
، لأنه طالما تحول الموضوع الى كائن حي على الورق ، فكل شيء بعد ذلك لا
يعدو إلا أن يكون تحسيناً أو إضافة بالصورة والصوت ، وإختيار زوايا جمالية
لما كتب...).
وفي موضوعنا هذا ، وقبل البدء في تناولنا لأفلام علي بدرخان.. يجدر بنا
أولاً الحديث عن نشأته الفنية قبل قيامه بإخراج فيلمه الروائي الأول.
من المعروف للجميع ، بأن على بدرخان هو إبن المخرج السينمائي المصري "أحمد
بدرخان"، وهو أحد رواد السينما المصرية الأوائل. لذلك فليس من الغريب أن
يكون الفن والسينما بشكل أخص ، من ضمن إهتمامات مخرجنا علي بدرخان..
(...نشأت في جو سينمائي ، كنت ألعب في حديقة الأستوديو ، وأسمع جلسات
المناقشة في السيناريو !!...).
كان مخرجنا يهوى الرسم منذ الصغر ، ويرسم لوحات بالألوان عن الطبيعة وما
شابه ذلك . كما أنه إكتسب هواية التصوير الفوتغرافي من والده ، الذي كان
يملك أنواعاً مختلفة من الكاميرات ، إضافة الى معمل خاص للطبع والتحميض في
البيت ، مما أدى بالإبن لأن يكون محترفاً وعاشقاً للتصوير ، حيث يقول:
(...السينما أخذت عقلي ، أهرب من المدرسة وأذهب الى كل الأفلام التي في
المدينة ، ثم أشاهدها ثانية ، وعندما لا يبقى فيلم ، أرجع الى المدرسة...).
ولكنه رغم كل هذا ، لم يفكر في موضوع التصوير أو السينما كحرفة ، وإنما
كهواية فقط . لهذا كانت أمنيته هي الإلتحاق بالكلية البحرية، بعد حصوله على
شهادة الثانوية العامة .ولكن والده قد إتخذ قراراً بأن يلتحق إبنه بمعهد
السينما.. فأعطاه عشرات الكتب عن تاريخ التصوير والسينما وحرفيتها ، لكي
يقرأها ويستعد لإمتحان القبول في المعهد.. (...أخذت أقرأ كل هذه الأشياء ،
وجدت نفسي في متاهة فعلاً ، وقلت سألتحق بالكلية البحرية ، على الأقل لأنني
أحبها والبحر لعبتي منذ صغري...). فتقدم علي بدرخان للإنتساب للبحرية
التجارية ، لكن والده رفض أن يعطيه توقيع موافقة ولي الأمر ، كان مصراً على
أن يتقدم إبنه لإمتحان دخول المعهد العالي للسينما.. (...أنا كنت عارف أنني
جاهل ، ومش ممكن أعرف أجاوب على أسئلة إمتحان الدخول .. وهو مقتنع بأن
السينما هي مجالي...). وبذلك إلتحق مخرجنا بالمعهد ، تنفيذاً لرغبة والده ،
ولكن لدراسة الإخراج وليس التصوير ، كما كان والده يريد. يقول علي بدرخان:
(...في تلك الأيام وما قبلها ، كنت مبهوراً ومشدوداً الى حكاية الإخراج ،
فكنت أحضر جميع جلسات العمل الفني التي كانت تضم والدي مع باقي الفنانين ،
من كاتب السيناريو الى أبطال الفيلم ، وأسمع مناقشاتهم ، وكيف يتم تحويل
هذا الكلام المكتوب فوق الورق ـ السيناريو ـ الى حياة وحركة ونبض .. لم أكن
أشترك في مناقشاتهم بالطبع ، ولكني كنت سعيداً برؤية هذا كله .. لهذا حسمت
المسألة وقلت لأبي سألتحق بقسم الإخراج...).
إشتغل علي بدرخان في السينما وهو في السنة الأولى في المعهد ، حيث عمل
مساعداً لوالده في البداية ، ثم مع عدد من المخرجين ، أمثال صلاح أبو سيف
ونيازي مصطفى . وقد خرج من هذه التجربة مستفيداً ومتأثراً بالجميع..
(...تعلمت من الجميع، لكن يوسف شاهين تعلمت منه الأكثر.. أتعلم من كل من
أعمل معه ، وما أتعلمه على بلاتوه التصوير ليس في الكتب ولا في الدراسات ..
إحتكاك المهنيين بالآلات .. تعامل العامل الكهربائي مع اللمبة ، وتسليطها
على الممثل وعلى الديكور . هذه هي من إسس صناعة السينما...).
تخرج علي بدرخان من معهد السينما عام 1967 ، ومن ثم حصل على منحة تدريبية
في أستوديوهات مدينة السينما الإيطالية لمدة عامين . وبعد كل هذه التجربة
الفنية ، من دراسة أكاديمية وخبرة عملية في أستوديوهات السينما ، قام
بإخراج أول أفلامه الروائية الطويلة (الحب الذي كان) عام 1973. هذا الفيلم
الذي أدهش الجميع وخاصة زملاء علي بدرخان في الوسط السينمائي ، حيث كان من
الصعب التصديق بأن هذا الفيلم هو عمله الأول على الشاشة ، وذلك لكا إحتواه
من مستوى فني وتقني كبير ، أدى الى حصوله على جائزة جمعية نقاد السينما
المصريين كأفضل فيلم عرض في ذلك العام .
لقد كان إختيار بدرخان لسيناريو (رأفت الميهي) موفقاً الى حد كبير ،
فبالرغم من إختياره لموضوع إجتماعي تقليدي ، يدور محوره حول الثالوث
التقليدي (الزوج والزوجة والعشيق) ، إلا أنه قدمه برؤية مختلفة وعين جديدة
على المتفرج ، وذلك بإضافة عنصر جديد على هذا الثالوث ، ألا وه المجتمع ،
والذي كان له دوراً رئيسياً في تصاعد الصراع بين تلك الأطراف الثلاثة.
إن علي بدرخان في أول أفلامه ، قدم عملاً هادئاً وبسيطاً ، بروح رومانسية
شاعرية ، وبلغة سينمائية متميزة ، مبتعداً عن الإبهار السينمائي وإستعراض
العضلات . وقد إستطاع بهذا الفيلم إثبات وجوده بقوة في الوسط السينمائي ،
ليكون بطاقة تعارف بينه وبين المتلقي.
ثم يأتي الفيلم الثاني (الكرنك ـ 1975) ، ليؤسس مع أفلام (على من نطلق
الرصاص ـ العصفور ـ زائر الفجر) ما يسمى بالسينما السياسية . ولو كان فيلم
(الكرنك) هو أكثرها جرأة ، وذلك بإستعراضه بشكل واضح وصريح جداً للنظام
السياسي في إستخدامه لكل أدوات القهر والتنكيل ، ضد كل من يخالفه في الفكر
والرأي السياسي ، أو حتى ضد إثنين متحابين ليدمرهما لدرجة التخريب ، ويفسد
العلاقات الإنسانية الجميلة فيما بينهما .
بعد (الكرنك) ، قدم بدرخان فيلم (شيلني وأشيلك ـ 1977) الذي يقدم فيه
كوميديا إجتماعية سياسية ، أراد بها تعرية المجتمع وكشف نقائصه ، كالرشوة
والفساد وتهريب النقد والتهرب من الضرائب ومجمل مظاهر القصور في المجتمع .
وهذا يعنني بأن بدرخان ، بعد فيلم الكرنك ، أصبحت القضايا الإجتماعية
والساسية هي شغله الشاغل ، فهو يرى بأنه لا يمكن الفصل بين السياسة وبين
الفن ، في قوله : ... إن الفن مرآة الحياة .. والسياسة ترتبط إرتباطاً
وثيقاً بالحياة .. وأنا عندما أنقد الأوضاع السياسية أو الإجتماعية عبر
أفلامي ، فإنما أفعل ذلك بهدف البناء لا الهدم .. وأعتقد مخلصاً بأن
السينمائي لا يمكن أن يكون فناناً جيداً ، إن لم يكن ملتزماً بقضاياه
الوطنية وبمعاناة شعبه ، شأنه في ذلك شأن الصحفي والكاتب والشاعر والرسام ،
ولذلك فأنا أعتز لكوني سينمائياً ملتزماً بقضايا شعبي ، ليس في مصر فحسب ،
وإنما على صعيد الأمة العربية كلها ... .
فكرة الفيلم مأخوذة عن مسرحية الماتب »الكسندر خاسوه« ( الكلمة الثالثة ) ،
وفيها يعالج مشكلة الإنسان البدائي الذي عاش حياة فطرية للغاية في الجبل ،
ويحكي عن إصطدامه بأهل المدينة عندما يضطر للعودة إليها . ولأن الفرصة لم
تسنح لنا لمشاهدة هذا الفيلم ، وعدم توفره حتى على أشرطة الفيديو ، فسنكتفي
بعرض الفيلم من خلال كلام المخرج نفسه عن هذا الفيلم .
يتحدث بدرخان ، فيقول: (...لقد عالجت هذا الموضوع بحيث تدور أحداثه في
بدايات عصر الإنفتاح في مصر عام 1976 ، ولم تكن الأمور قد إستفحلت بعد بهذه
الصورة ، ولم تكن الطبقة الجديدة قد ظهرت بعد . فكان بطلي (محمد عوض) يحارب
هذه القوى الصاعدة التي إستولت على ممتلكاته . وفي النهاية نرى (الحرامية)
وهم يشربون نخب إنتصارهم . وبالرغم من ذلك فإن بطلي الساذج قد تبدل حاله
وأصبح أكثر وعياً ، ومن هنا فإن إمكانيات التغيير تظل قائمة . والحقيقة هي
أن العيب الأساسي في هذا الفيلم ، الذي نجح بشكل نسبي على المستوى
الجماهيري ( 14 أسبوعاً ) ، هو أن الفيلم بطابعه الكوميدي قد حمل أكثر مما
يستطيع حمله . وأن الحبكة الدرامية في الفيلم الكوميدي لا بد أن تكون بسيطة
، فالناس تريد أن تضحك مع محمد عوض ، ولكنها لم تجد ضحكاً كافياً في (شيلني
وأشيلك) .. لقد كانت هذه التجربة مفيدة على أية حال !!...).
وفي عام 1978 ، قدم بدرخان فيلم (شفيقة ومتولي) ، عن الملحمة الشعبية
المصرية . وقد شاءت الضروف أن يكون هو مخرجه ، بعد أن توقف المخرج «سيد
عيسى« عن تصويره عام 1972 . وبعد أن قرر المخرج »يوسف شاهين« إستئناف
التصوير في مطلع 1976 ، وكان بدرخان مساعداً له في هذا الفيلم ، عاد وإوقف
التصوير ـ بشكل مفاجأ ـ وأسند مهمة تكملة الفيلم لمساعده علي بدرخان .
وبهذا يكون (شفيقة ومتولي) هو أول سيناريو جاهز يقدمه بدرخان للسينما ..
فمن المعروف بأن بدرخان يشترك دائماً في كتابة سيناريوهات أفلامه ، بل
ويتابع كل صغيرة وكبيرة فيها . يقول بدرخان في هذا الصدد: (...أكمل الفيلم
، يعني بأنني سأتحمل مسؤولية ، وجدتها مسألة أخافتني ، ولأني كنت معجب
بالموضوع ، وافقت . ثم أنني لم أكن على دراية عميقة به .. لذلك إضطررت أن
أبدأ من جديد في دراسة السيناريو ، بعد أن أوقفت التصوير لمدة أسبوع . عدلت
قليلاً في السيناريو ، وحاولت أن أعمل دراسة سريعة جداً للفترة والأجواء
التي كانت فيه .. إشتغلت في وقت ضيق جداً !!...).
ثم يأتي فيلم (أهل القمة ـ 1981) ليكون إضافة كبيرة وهامة الى رصيد علي
بدرخان السينمائي ، وليقفز به للصفوف الأولى لدنيا الإخراج السينمائي في
مصر . كما يعتبر هذا الفيلم من بين أهم الأفلام المصرية التي تناولت مرحلة
الإنفتاح الإقتصادي وأنضجها . بل ويعتبر إدانة مباشرة لهذا الإنفتاح المشوه
.
والفيلم مأخوذ عن قصة قصيرة لنجيب محفوظ ، حولها بدرخان ، مع السيناريست
مصطفى محرم ، الى فيلم جريء ومثير حقاً ، يمس قطاع كبير من المجتمع المصري
، ويتعرض بالنقد والتحليل لقطاع إجتماعي أوجدته الضروف الإقتصادية الجديدة
في الشارع المصري المعاصر ، ألا وهو قطاع التجار المهربين .
وبعد غياب دام أكثر من خمس سنوات ، وفترة طويلة من البحث عن موضوع لعمل
جديد يقدمه للسينما ، يعود علي بدرخان ليقدم فيلم (الجوع ـ 1986) . تدور
أحداث فيلم (الجوع) في عصر الفتوات ، في نهايات القرن الماضي ، وبالتحديد
في عام 1887. إلا أن بدرخان يختار هذا العصر لطرح ومناقشة قضية صناعة
الأبطال القياديين في أي زمان ومكان ، ويحكي عن الضروف الإجتماعية
والإقتصادية والسياسية التي تؤدي الى سقوط هؤلاء الأبطال .
نصل الى فيلم قدمه بدرخان في عام 1991، ألا وهو (الراعي والنساء) ، والذي
دخل به في معركة فنية . فقبل خمس سنوات عثر بدرخان على رواية لمؤلف أسباني
مغمور بإسم (جزيرة الماعز) ، وبدأ يستعد منذ تلك اللحظة لتقديمها على
الشاشة . وبعد أكثر من كتابة للسيناريو لم تتفق مع وجهة نظر علي بدرخان ،
إتفق مع كاتب السيناريو وحيد حامد . ولأن بدرخان كانت له رؤية خاصة لم
يقتنع بها وحيد حامد ، أصر كل منهما على أحقيته بتقديم (جزيرة الماعز) من
وجهة نظره . وبدأت المعركة بين الطرفين ، والتي إنتهت بفيلمين: الأول (رغبة
متوحشة) سيناريو وحيد حامد وإخراج خيري بشارة ، والثاني (الراعي والنساء)
أخرجه بدرخان وشارك أيضاً في كتابة السيناريو مع محمد شرشر وعصام علي . |
|
|